
لم يوقف انتحار الأستاذ الجامعي الأسود جيسون أرداي ألسنة الصحافة الساخرة حتى بعد موته. دافعت الصحافة التي تسمي نفسها ليبرالية عما وصفته بأنه حقها في مساءلة النظام الجامعي رغم جهلها به. ذهب كاتب في مجلة أتلانتيك الأميركية إلى حد زعم أن انتحار أرداي بعد تعرّضه لحملة تشهير غير مسبوقة وصلت إلى حد نشر أكثر من 240 مقالاً عنه في الصحافة البريطانية وحدها، ليس أكثر من جرعة السم التي تناولها أخيراً، بعد أن أيقن أن الشخصية التي ركبها عن نفسه لم تعد قابلة للاستمرار. شكّل سقوط هدف الحملة، الأستاذ الجامعي الأسود في جامعة كامبريدج العريقة، تأكيداً للصحافة أن ممارسة الهرسلة الصحافية باسم حرية التعبير أمرٌ مقبولٌ لغرض التحقيق في ما يهم المصلحة العامة، رغم أن شخص الأستاذ الجامعي وارتكاباته، الحقيقية أو الوهمية، لا تأثير لها في المصلحة العامة من قريب أو بعيد.
في الوقت نفسه، لم يحظَ خبر قرار التوقيف عن العمل بهدف التحقيق التأديبي الذي اتخذته جامعة غانت البلجيكية في حق الباحث ناتان كوفناس الذي كان المحرّض الرئيسي ضد أرداي أي اهتمام من الصحافة التي تابعت قرارات الجامعة بحقه مجرّد ملاحقة إخبارية. لم يتعرّض كوفناس، الذي يدّعي أنه باحث في مجال علم الأعراق، ويقول إن جامعات النخبة لن يكون فيها أي أستاذ أسود إذا ما كان التوظيف يقوم على الكفاءة، لأي متابعة إعلامية تحريضية كالتي تعرّض لها أرداي باتهامات بالانتحال الأكاديمي، وتلك اتهامات أطلقها كوفناس أولاً قبل أن تتبنّاها الصحافة، وتحوّلها إلى عملية جلد علنية لرجل أسود. على العكس، حظي الباحث المتطرّف بدعم واسع من الأوساط الصحافية والأكاديمية عبر توقيع عرائض الدعم، بما في ذلك تهديد السفير الأميركي في بلجيكا الجامعة بسحب الدعم المالي، إذا ما قرّرت طرد الباحث العنصري الداعم سياسات ترامب ضد التنوع.
سارع بعض اليمين إلى تبنّي كوفناس، في وجه عملية تأديبه، باعتباره رمزاً للحرية الأكاديمية
قادت عملية محاسبة كوفناس، وتقول الجامعة إن التحقيق فيها متواصل، إلى وقف الباحث عن التعليم ثلاثة أشهر فحسب، مع السماح له بمتابعة نشاطه البحثي من خارج الحرم الجامعي، وكأن أمراً لم يكن. لم تتوقف الصحافة البريطانية، ولو دقيقة، لمراجعة تعاطيها التشهيري مع الأستاذ الجامعي الأسود الذي أدّى إلى انتحاره. في الوقت نفسه، لم تبدِ الصحافة الاهتمام نفسه أو جزءاً منه بالباحث الجامعي صاحب الأفكار العنصرية العرقية القائمة على اعتبار السود متدنّي القدرات الذهنية بسبب عرقهم. لم تعترض الجامعة البلجيكية على تهديد السفير الأميركي، بيل وايت، المعروف بأنه من مؤيدي ترامب. بل، أكثر من هذا، غرّد الأخير على شبكة أكس بأن الجامعة توصلت مع كوفناس إلى “اتفاق ودي” يتيح له متابعة عقده عاماً كما كان مقرّراً. من غير الواضح كيف أن الجامعة التي كانت قد أصدرت بياناً اعتبرت فيه أن أفكار كوفناس العنصرية لا تمثل سياساتها، سوف تبرّر استمرارها في توظيفه.
سارع بعض اليمين إلى تبنّي كوفناس، في وجه عملية تأديبه، باعتباره رمزاً للحرية الأكاديمية، والحق في “تسريب المعلومات” عبر توصيف التشهير بالأستاذ الأسود في كامبريدج بأنه عملية تسريب معلومات عن فشل توظيفي في جامعة كامبريدج. تحولت القضية إلى مبارزة بين عرائض تأييد لكوفناس باعتباره مجرّد مسرّب معلومات، وأخرى تؤيد موقف الجامعة بتوقيفه عن العمل وإحالته الى التحقيق. دعا موقّعون على عريضة لأكاديميين من الجامعة الأخيرة إلى “عدم السماح باستغلالها من أفراد وشبكات تسعى إلى استخدام المؤسسة لإضفاء المصداقية على علوم زائفة ذات طابع عنصري وتؤمن بتفوق العرق الأبيض”، قائلين إنهم اعترضوا على تعيين كوفناس في منصبه قبل وفاة جيسون أرداي، بسبب أفكاره العنصرية، وتلك الداعية إلى تفوّق العرق الأبيض، فضلاً عن الإجراءات التي جرى بموجبها تعيينه. في المقابل، وقّع أكاديميون آخرون من جامعات عريقة عريضة في دعم كوفناس بحجّة حرية التعبير.
نعيش في عالم ازدواجية المعايير الوقحة التي لا تحتاج حتى إلى تمويه
يُفيدنا الجدل في قضية جيسون أرداي مقابل ناتان كوفناس أننا نعيش في عالم ازدواجية المعايير الوقحة التي لا تحتاج حتى إلى تمويه. كشفت الصحافة، البريطانية منها خصوصاً، عن وجهها الحقيقي في التمييز ضد من تعتبره “الآخر” الذي لا يستحق أن يدخل عالم الجامعات النخبوية، بصرف النظر عن حقيقة إنجازاته العلمية، وهو أمر لا يمكن للصحافة الحكم عليه. تحوّلت مسألة المعايير وضرورة الحفاظ عليها إلى مناسبة لعملية تشهير شخصي بالرجل الذي راحت صحيفة ديلي ميل الشعبوية الصفراء تلقبه بـ”بروفيسور الانتحال الأكاديمي” في عناوين عريضة على الصفحة الأولى. في المقابل، لم تثر حالة الرجل الأبيض العنصري بامتياز أي ثورة غضب على المعايير الجامعية التي يطرح تعيين كوفناس أسئلة كبيرة حولها. أثار القليل من التغطية الإعلامية قضية كوفناس، منها تحقيق نشره موقع “بايلاين تايمز” مفاده أن ثمة شبكة علمية معادية للسود داخل جامعة كامبريدج، تحظى بدعم من الملياردير بيتر ثيل، المؤيد لترامب في وادي السيليكون، وباتت تحظى أخيراً بدعم اليمين المتطرف البريطاني، مثل حركتي “إصلاح المملكة المتحدة” و”استعادة بريطانيا” الى جانب اليمين المتطرّف الأوروبي. بقي التحقيق من دون ملاحقة تُذكر من الإعلام التقليدي، رغم أن القضية وثيقة الصلة بمفهوم المصلحة العامة.
هكذا كشف الإعلام عن وجهه الحقيقي، ومعه بعض الأكاديميين الذين اعتبروا ملاحقة جيسون أرداي وتفكيك حياته عبر متابعة يومية سلبية كثيفة أمراً مهنياً خالصاً. كما يقول المثل العربي قتلت الصحافة الرجل وسارت في جنازته. بل إنها اعتكفت عن ملاحقة الدافع الرئيسي للقتل، وعادت إلى حياتها اليومية بحثاً عن ضحية جديدة لعالم الامتيازات الأبيض.
المصدر: العربي الجديد






