نحو فهم التناول الإسرائيلي اتفاقية مكّة

     أحمد الجندي

أثارت اتفاقية مكّة المكرمة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا ردّات فعل متباينة على مستوى مراكز الدراسات والصحافة في إسرائيل، مع غياب واضح للموقف الرسمي. ولعلّ ما يزيد من تعقيدات المشهد، وما يلقي بظلاله على طبيعة التناول الإسرائيلي، أنّ الاتفاق لا يتعلّق بالدول المشاركة في الاتفاقية وحدها، بل يمتد إلى شبكة أوسع تشمل دولاً لن تكون بعيدة من تأثيراته.
في قراءته الاتفاقية، ينطلق المحلّل الإسرائيلي في صحيفة جيروزاليم بوست، هيرب كينون، من التحالف العميق بين الهند وإسرائيل، ويرى أنّ البلدَين كانا يتوقّعان حدوث تحالفات كبيرة في المنطقة، ومن ثمّ لم يفاجآ، ويرجِّح أن تكون الاتفاقية الثلاثية سبباً في دفع الشراكة بين الهند وإسرائيل بأقصى سرعة. ويضيف كينون أنّ واشنطن ظلّت سنوات تدفع نحو الجمع بين إسرائيل والسعودية والدول البراغماتية في المنطقة في تحالف واحد، لكنّ تحالف مكّة جاء ليقول غير ذلك، خصوصاً بعدما فقدت الرياض ثقتها في قدرة المظلّة الأميركية وحدها على توفير الحماية لها، واتّجهت إلى البحث عن بدائل أخرى. ويعتقد الكاتب أنّ وجهة الرياض في اختيار شركائها وعدم اختيار إسرائيل تمثّل خيبة أمل للأخيرة، إذ إنّ تحالفها مع تركيا وباكستان يعني أنّها اختارت طريقةً تعقّد حسابات تل أبيب الاستراتيجية في المنطقة، وتبدّد آمال إسرائيل في حدوث تحالف واضح بينها وبين الدول السُنّية البراغماتية.

لم يُؤدِّ سعي إسرائيل إلى الهيمنة على المنطقة إلى تخويف الدول العربية للقبول بإسرائيل 

وعلى الرغم من قراءة الاتفاقية، ظاهرياً، بوصفها تستهدف إيران، يرى كينون أنّها تثير حفيظة الهند بوصفها عدوّاً لباكستان، مثلما يثير قلق إسرائيل، خصوصاً حين يُجمَع بين المال السعودي وقدرات التصنيع التركية والسلاح النووي الباكستاني، علاوةً على أنّ مخاوف البلدَين ليست سياسيةً فقط، بل اقتصادية أيضاً، بالنظر إلى موقع السعودية في قلب الممرّ الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي (كان يربط الهند والخليج وميناء حيفا بأوروبا واستُبعدت منه تركيا وسعت جاهدةً إلى ترويج مشروع نقل منافس)، ومن ثمّ فإنّ التقارب الاستراتيجي بين أنقرة والرياض يعطي الأولى نفوذاً جديداً على إحدى الدول المحورية في الممرّ الاقتصادي الذي حاولت الهند وإسرائيل سنوات ترويجه. وعلى هذا الأساس، تعقّد الاتفاقية مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، لأنّها تزيد من الثمن السياسي والاستراتيجي الذي سيتعيّن على الرياض دفعه مقابل التطبيع، خصوصاً في ظلّ تحالفها مع دولتَين “معاديتَين” لتل أبيب، بتعبير كاتب المقال، فلا يُتوقّع أن تخفّف السعودية تمسّكها بإقامة دولة فلسطينية شرطاً للتطبيع.
غير أن أكثر ما يستدعي الملاحظة في هذه القراءة أنّها تلفت الانتباه إلى الخطأ الذي وقع فيه المحلّلون حين ظنوّا أنّ إضعاف إيران سيؤدّي إلى تعزيز علاقات إسرائيل مع الدول العربية البراغماتية، لأنّ ما حدث هو العكس، إذ أدّى سعي إسرائيل إلى الهيمنة واستعراض قوّتها إلى تخويف هذه الدول، ودفعها إلى اتخاذ خياراتٍ لمواجهة ذلك. وبالتالي، تصبح إسرائيل مضطرة لخطوات مماثلة فتعزّز علاقاتها مع الهند، وتعمّق متانة علاقاتها باليونان وقبرص، الخصمَين التاريخيَّين لتركيا.
وفي مقابل هذه القراءة، جاء تركيز الإعلام ومراكز الدراسات الإسرائيلية على الاتفاقية بما يعكس فهمها أنّها موجّهة بالأساس ضدّ إيران، وليس إسرائيل. وفي هذا السياق، جاء تناول موقع “تايمز أوف إسرائيل” للاتفاق على خلفية ما تقوم به إيران من إطلاق الصواريخ والمسيّرات على السعودية، وحظرها تصدير النفط عبر الخليج العربي، علاوةً على الهجمات التي يشنّها الحوثيون في اليمن والمليشيات الشيعية في العراق على السعودية، ما يعني أنّ تأسيس التحالف يرتبط أساساً بإيران وحلفائها. كذلك، قدّم كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي والمتخصّص في الشأن الإيراني، راز زيمت، قراءةً وافيةً لردّات الفعل الإيرانية على الاتفاقية، بدءاً من امتناع وزير الخارجية عباس عراقجي عن توجيه انتقادات مباشرة للاتفاق، ودعوته الدول الإسلامية إلى الاعتماد على نفسها والعمل بروح الأخوّة، مروراً برفض عضوَي لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بمجلس الشورى الإسلامي، إبراهيم رضائي ومحمود نابويان، الاتفاقية، ووصفها بأنّها “اتفاق على الورق”، والتأكيد على أنّ ما لم توفّره الولايات المتحدة من أمن لدول المنطقة، لن توفّره اتفاقية مع تركيا وباكستان، وصولاً إلى الإعلام الذي تباينت مواقفه بين مَن رأى الاتفاقية دليلاً على ضعف خصوم إيران، ومَن اعتبرها مؤشّراً مبكّراً على تحالف إقليمي جديد قد يضرّ بمصالح إيران في المدى البعيد، ومَن انتقد باكستان لقيامها بدورَين متناقضَين في آن واحد: الوساطة والمشاركة في إطار يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية.

يرى محلّلون أنّ الاتفاقية جزء من استراتيجية أميركية أوسع، وأنّ استمرار الحرب وتوسّعها سيقابله مزيد من التحالفات الإقليمية ضدّ إيران

وهناك مَن نظر إلى التحالف الجديد جزءاً من تغيير هيكلي في بنية الأمن الإقليمي في أعقاب الحرب، ووصفه بأنّه “تابع لناتو”، وإن بدا مستقلّاً، فيما رأى آخرون ضرورة ألّا يُنظر إلى الاتفاقية على أنّها تعاون ثلاثي، بل جزءاً من استراتيجية أميركية أوسع، وأنّ استمرار الحرب وتوسّعها سيقابله مزيد من التحالفات الإقليمية ضدّ إيران، وبالتالي يصبح السبيل الوحيد من أجل الاستقرار أن تطبّع إيران علاقتها مع الولايات المتحدة لإنشاء نظام أمني جديد، يُدمَج فيه أمن إيران مع أمن جيرانها، والتحذير من الاستهانة بالاتفاقية في ظلّ احتمالات انضمام دول أخرى إليها، فتصبح البيئة الاستراتيجية لإيران أكثر تعقيداً. وعلاوة على ذلك، يُبرز زيمت التصوّر الإيراني الذي لا ينظر إلى الاتفاقية بوصفها بديلاً من الولايات المتحدة، وإن دلّت الاتفاقية على جهد إقليمي للحدّ من مخاطر الاعتماد على واشنطن، ومن ثمّ، يجب اعتبار الاتفاقية فرصةً لإيران للاندماج في تصميم نظام أمني إقليمي مستقلّ، ودراسة إمكانية أن يكون لها دور في البنية الأمنية الجديدة للشرق الأوسط بدلاً من أن تبقى خارجها.
يُشار كذلك إلى دراسة موسّعة نشرها المعهد نفسه في الشهر الماضي (يوليو/ تمّوز) لاثنين من كبار الباحثين، أودي ديكل وجال شاني، عنوانها “نحو توسيع اتفاقات أبراهام والتطبيع بين إسرائيل والسعودية”، خلصت إلى أنّ موضوع التطبيع لم يغب تماماً من أجندة القيادة السعودية على الرغم من تشديد موقفها بعد الحرب على غزّة، بعد أن كان هذا الاتجاه قد بلغ مراحلَ متقدّمةً عشية هجوم “7 أكتوبر” (2023). علاوة على ذلك، عزّزت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران الشعور بالتهديد المشترك الذي تشكّله إيران على دول الخليج وإسرائيل، وأكّدت ضرورة التعاون الأمني والاقتصادي والإقليمي فيما بينها، بما في ذلك مجالات البنية التحتية والممرّات التجارية وإمدادات الطاقة. وعلى عكس كثير من الأبحاث والتحليلات، رأى الباحثان أنّ الحرب على إيران أظهرت أهمّية الدور الذي تلعبه واشنطن في الدفاع عن السعودية ودول الخليج، وعزّزت اعتمادها على الولايات المتحدة، وهو ما يمنح واشنطن نفوذاً كبيراً لتعزيز تسوية إقليمية تشمل التطبيع مع إسرائيل، ومن ثمّ تصبح إسرائيل أمام فرصة استراتيجية لتوسيع اتفاقات أبراهام بالتطبيع الممكن مع السعودية.
صحيح أنّ الدراسة السابقة نُشرت قبل إعلان اتفاقية مكّة، لكنّ حديثها عن مآلات الحرب على إيران، وأخذها بالاعتبار وجود اتفاقية ثنائية وقّعتها السعودية وباكستان (في 2025) يعني ضمناً استبعاد أن تكون إسرائيل مستهدفةً بالاتفاق الحالي، وهي نظرة تبنّاها العام الماضي، باحث آخر من كبار باحثي المعهد، هو يوئيل جوزانسكي، حين اعتبر التحالف الثنائي بين السعودية وباكستان رسالةً واضحةً إلى إيران وليس إلى غيرها.

تدرك غالبية المحلّلين أنّ اتفاقية مكة، وإن كانت موجّهةً ضدّ إيران وليس ضد إسرائيل، تفتح الخيارات أمام السعودية ولا تجعل أمنها مرتبطاً بالولايات المتحدة بمفردها

وهي النظرة نفسها التي تبنّاها الباحث نفسه في تحليله للاتفاقية الجديدة في موقع القناة 12 العبرية، فأكّد خطأ فهم الاتفاقية باعتبارها موجّهة ضدّ إسرائيل، لكنّها مع ذلك يمكن أن تضرّ بها، خصوصاً أنّها تضمّ ثلاثة أطراف يمتلك كلّ منها ميّزات استراتيجية مختلفة؛ تمتلك السعودية قوّةً اقتصاديةً وموارد طاقة ونفوذاً في العالمين العربي والإسلامي؛ وتمتلك تركيا أحد أكبر جيوش المنطقة وصناعة دفاعية متطوّرة وخبرة عملياتية، فضلاً عن عضويتها في “ناتو”؛ وتمتلك باكستان سلاحاً نووياً وجيشاً كبيراً له خبرة قتالية. هو تناغم يجعل الاتفاقية مثيرةً للاهتمام من وجوه عدّة، فهي تعني إمكانية أن تبني الدول العربية آليات أمنية إقليمية من دون إسرائيل، وتُظهر أنّ السعودية توسّع شبكة شراكاتها، وتحافظ على علاقاتها مع جميع الدول الحليفة، لكنّها تحرص على ألّا تربط أمنها بطرف واحد منفرداً. ويضيف جوزانسكي أنّ العلاقات التركية السعودية في السنوات الماضية كانت تقوم على التنافس الحادّ على النفوذ وقيادة العالم السُنّي، وأنّ الاتفاق الجديد لن ينهي هذا التنافس، لكنّه سيضعه في إطار من التعاون.
وهكذا ينطوي التناول الإسرائيلي على ثلاث ملاحظات مهمّة، أولاها: أن سعي إسرائيل إلى الهيمنة على المنطقة لم يُؤدِّ إلى قبول الدول العربية بها، خلافاً للنظرة الإسرائيلية التقليدية، بل إنّه دفع هذه الدول إلى التخوّف والبحث عن شركاء بعيداً منها. ويميل أصحاب هذا التصوّر إلى اعتبار الاتفاقية موجّهة ضدّ إيران بالأساس، وإن لم يستبعدوا أن تكون موجّهة أيضاً إلى إسرائيل. والثانية: أنّ ثمّة حرصاً واضحاً على استخدام لغة معتدلة تجاه السعودية تسهم في الإبقاء على فرص التطبيع معها قائمةً، على الرغم من تحالفها مع تركيا صاحبة العلاقة المتوتّرة مع إسرائيل، وباكستان، العدو اللدود للهند، والهند هي الحليف الأهمّ لإسرائيل في آسيا. وترتبط الملاحظة الأخيرة بإدراك غالبية المحلّلين بأنّ اتفاقية مكة، وإن كانت موجّهةً ضدّ إيران وليس ضد إسرائيل، تفتح الخيارات أمام السعودية ولا تجعل أمنها مرتبطاً بالولايات المتحدة بمفردها، ومن ثمّ يمكن أن تكون مدخلاً لتقليل احتمالات التطبيع أو رفع كلفته على إسرائيل.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى