المصرفي المُطبِّع والمُثقَّف المُصفِّق له

دلال البزري

نشرت الصحيفة اللبنانية الفرانكوفونية لوريان لوجور، قبل أيّام، تحقيقاً استقصائياً من خمس حلقات عن أنطوان صحناوي. مصرفي لبناني، وريث لمصرف جدّه، صاحب نفوذ، ينسج علاقات قوّة في أنحاء ومجالات مختلفة، وصاحب مواقف استسلامية لإسرائيل، يسمّيها “سلاماً”. وليصدق التحقيق، ينشر موقع أكسيوس، في اليوم نفسه (28 يوليو/ تمّوز)، صورة تجمع أنطوان وشريكته (أو زوجته) مورغان ديان أورتاغوس، مع نتنياهو وزوجته سارة، في فندق فور سيزونز في واشنطن. ويقول الخبر إنّ جمعة العشاء هذه جاءت بدعوة من أنطوان.
لينطلق الاثنان معاً: التحقيق والصورة. فالصورة تؤكّد التوجّه الإسرائيلي لأنطوان صحناوي، ما يثير اهتماماً واسعاً بالتحقيق، وردّات فعل واسعة في الإنترنت. وتصدر النيابة العامّة اللبنانية مذكّرة بحث في حقّه، نظراً إلى مخالفته القوانين اللبنانية التي تحظّر إقامة علاقات مع إسرائيل. والصحيفة تشرح صعوبات التحقيق: كثيرون يرفضون التكلّم، والمصادر تطلب عدم الإشارة إليها بالاسم، ومتحدّثون يقولون إنّهم “مرعوبون” لمجرّد فكرة التكلّم. والأهمّ من ذلك كلّه أمر يخصّ لبنان: نظراً إلى ازدحامه بالشائعات وتصفية الحسابات، فإنّ كلّ “معلومة” تحتاج إلى تدقيق، بصرف النظر عن “أهمّيتها”.
وأنطوان صحناوي نفسه، فضلاً عن أبيه نبيل، يرفض التحدّث مع الصحافيين، ويحاول مرّتَين استصدار أمر قضائي من قاضي الأمور المستعجلة يمنع نشر التحقيق، في الحلقة الأولى، وفي الحلقات الثلاث الأخيرة. لكنّ القاضية رفضت الطلبَين، الأوّل والثاني.
تُرجم التحقيق إلى الإنكليزية والعربية، ويمكن بكبسة زرّ الاطلاع عليه. وما يهمّنا منه هنا نشاط صحناوي “الفكري” الذي يحتلّ حيّزاً متواضعاً في جملة أنشطته المتّصلة بالمعاني، مثل الإعلام والفنّ السينمائي، وخصوصاً المال، وكيفية سرقته أموال اللبنانيين عبر المصارف. وهو يملك إحداها، وربّما أكبرها. وفي الحلقة الأخيرة من تحقيق “لوريان لوجور”، يرد اسم مثقّف أميركي، ذي أصل عراقي من جهة أبيه ولبناني من جهة أمّه، اسمه حسين عبد الحسين. تورد الفقرة المتعلّقة به خبراً عن مجلّة بريطانية متخصّصة في أخبار المشاهير، اسمها أوكي ماغازين. تقول إنّ سهرةً “مخملية” أُقيمت في فندق مارك أوتيل في نيويورك، دعا إليها “الثنائي النافذ”، أورتاغوس وصحناوي، وكان الحضور “نُخبة المجتمع النيويوركي”: دبلوماسيين، وسياسيين، وإعلاميين، ويهوداً، ومسلمين، ومسيحيين… والمناسبة؟ صدور كتاب “صديقهم” حسين عبد الحسين، وعنوانه “الحجّة العربية لمصلحة إسرائيل”.

أكّدت الصورة التوجّه الإسرائيلي لأنطوان صحناوي، ما يثير اهتماماً واسعاً بالتحقيق، وردّات فعل واسعة في الإنترنت

هذا الكتاب مجموعة من المقالات كتبها صاحبها في مناسبات مختلفة. نشر معظمها في موقع “ذس إز بيروت” (هذه بيروت) بالإنكليزية، ويموّله صحناوي. وأعادت نشرها مؤسّسة الدفاع عن الديمقراطيات التي يعمل فيها عبد الحسين “باحثاً مشاركاً”. وتندرج هذه المؤسّسة في التسمية العامّة “ثينك تانك”، أي مركز من مراكز الأبحاث والدراسات. قليل ممّا يمكن معرفته عن هذه المؤسّسة: أُسّست بعيد “11 سبتمبر” (2001). لها مواقف إيجابية جدّاً تجاه حكومات إسرائيل المتتالية، ومؤيّدة لشراكة استراتيجية مع أميركا. وسلبية جدّاً تجاه إيران، وهي مؤيّدة لسياسة صارمة ضدّ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله، وتأثيرها قوي في الكونغرس والإعلام والإدارة الأميركيين.
المهمّ هو كتاب عبد الحسين نفسه. ماذا يقول؟ الأسطوانة نفسها، وخلاصتها: إقامة علاقات “طبيعية” مع إسرائيل، وإقامة “سلام” دائم ومباشر بين لبنان وإسرائيل، وإنهاء المقاطعة لإسرائيل، وإنهاء حزب الله والتأثير الإيراني. ولا عجب ساعتها أن يصدر لعبد الحسين مقال في “ذس إز بيروت”، بعد ثلاثة أيّام على نشر الحلقة الأخيرة من تحقيق “لوريان لوجور”، دفاعاً عن “صديقه”، أي في 4 أغسطس/ آب الحالي، عنوان المقال “لهزيمة حزب الله توقّفوا عن اللعب وفق قواعده”. ما هذه القواعد؟ إنّها “مقاطعة إسرائيل، وتشويه صورة اللبنانيين الناجحين أمثال رفيق الحريري وأنطوان صحناوي”، و”إعادة إنتاج العادات الفاشلة نفسها التي تحجب عنهم رؤية الصورة الأشمل”. رفيق الحريري وأنطون صحناوي؟ نعم، الاثنان “ثريّان ومزدهران”. والاثنان تمتّ “شيطنتهما”. والاثنان هوجما لأسباب “شخصية”، لا على قاعدة سياستهما. والاثنان قادران على جذب الاستثمارات وتشجيع التنمية ومحاربة حزب الله.
هكذا، بالاستنجاد بالحريري، يكون عبد الحسين منح الشرعية الرمزية الكاملة للصحناوي. وعلى النقيض، يقع حزب الله: “المسؤول عن طائفية اللبنانيين المَرَضية”، “التخويني”، القادر على النيل من خصومه “أخلاقياً وشخصياً”. فيما الطرف الوحيد ذو “النقاء الأخلاقي” القادر على إزاحة حزب الله وإيران هو إسرائيل.
ليس هذا المقال لحسين عبد الحسين معزولاً عن سابقيه، ولا عن نشاط كاتبه اللافت في مواقع التواصل خدمة لـ”الفكرة”. إنّه ثمرة خطّ ثابت ينتهجه عبد الحسين منذ بدأ يدافع عن إسرائيل، وأن يقدّمها بصفتها “شريكاً” في نزع سلاح حزب الله، وأن يدين القوانين اللبنانية التي تجرّم العلاقة معها، وأن يدافع بحرارة وإيمان عن الشخصيات العامّة التي تعتمد هذه الفكرة، وفي رأسها “صديقه” الصحناوي.
ليس هنا المجال لمزيد من التفاصيل عن هذا النهج القديم – الجديد، العلني والمنظّر لنفسه. فقط أودّ ذكر فكرتَين “لامعتَين” لعبد الحسين. وردت أولاهما في المقال نفسه الذي يدافع فيه عن الصحناوي في وجه معطيات “لوريان لوجور”، فيأخذ على اللبنانيين عدم تشبّههم بالرئيس السوري أحمد الشرع، الذي أسّس شرعيته كلّها على “الازدهار”، واعتبر ما تبقّى كلّه “ثانوياً”، والذي خفّض “حرارة الصراعات الإقليمية حتّى مع الأعداء القدماء، مثل بوتين”، بحيث أصبح السوريون لا يتكلّمون إلّا عن “الاستثمارات، وعن السياحة، وعن البنى التحتية، وعن رأس المال البشري”. ونسي عبد الحسين أن يذكر الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الجنوب السوري، وكيف يردّ الشرع عليها بإعادة الكُنس والمدارس اليهودية في دمشق وحلب إلى مؤسّسة التراث اليهودي في سورية، ومديرها الأميركي اليهودي هنري حمرا، متجاوزاً بذلك أنور السادات، الذي لم يُعِد إلى اليهود أيّاً من ملكياتهم، رغم توقيعه اتفاق سلام مع إسرائيل.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي صار الخيار: إمّا أنت مع أميركا أو مع أعدائها. وأميركا الآن تفقد شيئاً فشيئاً احتكارها للقرار العالمي

الفكرة “اللامعة” الثانية لعبد الحسين، وقد نُشرت في الموقع نفسه قبل أشهر، يتوجّه فيها إلى الرئيس اللبناني جوزاف عون، بعد الضجّة التي أثارتها إشاعة لقائه بنتنياهو في واشنطن خلال زيارته لها، وهي تستحقّ نقلها: “علمت إسرائيل بتجربتها الطويلة في لبنان أنّه لا يوجد أيّ شريك موثوق فيه في الجانب الآخر من الحدود. بناءً عليه، فإنّ إسرائيل ستتولّى بنفسها تأمين حدودها الشمالية. وهذه الخطّة تتطلّب إقامة منطقة عازلة خالية من السكّان داخل لبنان، عمقها 20 كيلومتراً، فضلاً عن رقابة بوليسية غير مشروطة على الأراضي اللبنانية في مواجهة مليشيات تعجز بيروت عن مراقبتها، أو غير مستعدّة لذلك”. ويتابع عبد الحسين في المقال نفسه: “ما دام (جوزاف) عون مصرّاً على تطبيق خطّته، فإنّ اللقاء المقبل (مع ترامب) قد يقتصر على مجرّد استعراض إعلامي، بدلاً من أن يشكّل تقدّماً نحو السلام”.
ماذا يمكن القول عن تجربة المصرفي و”صديقه” المثقّف المُعجَب به، أي عن تجربة الصحناوي وعبد الحسين غير الفريدة من نوعها؟ التجربة اللبنانية رسّخت نهجاً في التفكير، ثنائية تبسيطية ساهم حزب الله وخصومه فيها، وحزب الله أكثر من خصومه. فخلافاً لما يروّجه عبد الحسين، حزب الله لم يكن يكتفي بتخوين من يتعامل مع إسرائيل، إنّما كلّ من يتلفّظ بعبارة النقد أو الاستنكار لممارساته. وعبد الحسين من الذين وقعوا في فخّ التخوين. انجرف في تيّار التخوين وأخذ راحته. وما دام الأمر كذلك، فليس له من خيار سوى طلب الدعم من إسرائيل. وهذه فكرة لا تقتصر عليه. الذاهبون إلى المفاوضات، والمصرّون على “مقاومة حزبلاهية” لإسرائيل، يفكّرون في الدائرة المغلقة نفسها، من دون أن يمتلكوا جرأة البوح بذلك. لكنّهم يضعونك أمام خيار يشبهه: فإمّا إيران ومعها حزب الله، وإمّا إسرائيل. والحال أنّ الاثنين لا يريدان لنا خيراً. الاثنان يديمان الخراب.
وتبقى سمتان أخريان: أولاهما العقدة النفسية التي تلوح خلف “الفكر” المطبِّع للرَجلَين. إنّها المازوخية، أو حبّ من يقهرك ويدمّر بلادك، ولا يستكين إلا بإخضاعك. ولا حاجة إلى سرد تفاصيل الاستباحة الإسرائيلية لكلّ حياة عند “حدودها” غير النهائية، شرقية وغربية وشمالية وجنوبية. الثانية: التفويت. المطبّعون الذين يضعونك أمام واحد من الخيارَين: الموت أو الاستسلام، ينتمون إلى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. أو إذا شئت، إلى عالم الجبّارين، حين لم يكن هناك خيار. فإمّا أن تكون مع الاتحاد السوفييتي، وإمّا أن تكون مع أميركا. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي صار الخيار: إمّا أنت مع أميركا، وإمّا مع أعدائها. أمّا الآن، فأميركا تفقد شيئاً فشيئاً احتكارها للقرار العالمي. وهذه حكاية تفوت الذين لا يعاشرون إلا الصالونات الفاخرة، والمبهورين ببريق مراكز “الثينك تانك” وامتيازاتها و”آفاقها” المهنية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى