
أدخلت هجمات 6 أغسطس/ آب الجاري (2026) التصعيد الحوثي في اليمن مرحلةً أشدّ خطراً، بعدما أصابت الصواريخ والمسيّرات معسكراتٍ للقوات الحكومية في الرويك والعبر والثنية، وأوقعت ما لا يقلّ عن 30 قتيلاً وعشرات الجرحى، وفق مصادر حكومية، فيما قدّمت مليشيا الحوثي حصيلةً أكبر بكثير من دون أدلّة مستقلّة، وظلّت ادعاءاتها بشأن إصابة ناقلات نفط ومنشآت سعودية بلا تأكيد. ولا تتيح المعطيات المتاحة الانتقال من وصف الهجمات بأنّها تصعيد مؤذٍ إلى اعتبارها بداية حرب شاملة.
وتكتسب هذه الضربات دلالتها من مسار ميداني بدأ قبلها بأسابيع، حين تنقّل الضغط بين الضالع وتعز والساحل الغربي ومأرب، مستخدماً القصف والمسيّرات إلى جانب محاولات تقدّم محدودة. ففي حريب، جنوبي مأرب، أعقب الهجوم بالمسيّرة تحرّك برّي، ثمّ أعلنت القوات الحكومية صدّه وانتقالها إلى عملية مضادّة، بينما تعرّضت مواقع في الضالع لهجوم في أكثر من محور، بالتزامن مع نشاط للمسيّرات في الساحل الغربي واشتباكات متفرّقة في تعز.
يثقل تعدّد القوى العسكرية قدرة مجلس القيادة على إدارة مواجهة ممتدّة، في غياب مؤسّسة عسكرية موحّدة تستطيع العمل بقرار مستقلّ في جبهات عدّة
يفرض هذا الأسلوب على القوات المناهضة للمليشيا نشر احتياطياتها على رقعة واسعة بدل تركيزها في محور واحد، فتُستنزف الجاهزية مع كلّ انتقال للضغط، ويظلّ احتمال المعركة الأوسع حاضراً من غير أن تتحمّل الجماعة كلفته مقدّماً. وقد بقيت العمليات محدودة في المكان والزمن، ولم تُحدث تغيّراً مهمّاً في خريطة السيطرة، وهو ما يحصر أثر توزيع الضغط في إرباك الخصوم واختبار دفاعاتهم، من غير أن يثبت قدرة المليشيا على فتح الجبهات كلّها في وقت واحد.
وتفتح خسائر الرويك والعبر والثنية سؤالاً آخر يتعلّق بأداء القوات الحكومية نفسها؛ فالمعسكرات المستهدَفة مواقع ثابتة ومكشوفة، وقد ضاعف ضعف الإنذار المبكّر وغياب الانتشار الآمن أثر الصواريخ والمسيّرات. ولهذا تعكس الحصيلة هشاشة المنظومة الدفاعية إلى جانب امتلاك المليشيا أدوات ضرب بعيدة المدى، ولا يصحّ اتخاذ نجاحها في إصابة أهداف ضعيفة الحماية مقياساً لتفوّق عسكري شامل. فالانتقال من هذه الضربات إلى حرب مفتوحة يتطلّب إمداداً يحافظ على وتيرة القتال، وقيادة تضبط حركة القوات عبر مساحات واسعة، ثمّ يفرض الاحتفاظ بالأرض أعباءً إضافية تتّصل بتعويض الخسائر وتأمين طرق الإسناد. وتمنح خبرة مليشيا الحوثي في القتال غير المتكافئ، وما راكمته من صواريخ ومسيّرات، قدرةً مستمرّةً على الإيذاء ورفع الكلفة، فيما تظلّ تحرّكاتها البرّية قابلةً للرصد والاستهداف، ويزيد اتساع الجبهات من أعبائها في ظلّ غياب قوّة جوية تقليدية تسند مقاتليها على الأرض.
ضمن هذه الحدود، يصبح توزيع الضغط وسيلةً للإكراه السياسي المسلّح، إذ تسعى المليشيا إلى إبقاء خصومها في حالة استنفار، وإقناع السعودية بأنّ الهدوء على حدودها وأمن طرق تصدير النفط قابلان للاهتزاز. وتسمح لها أدواتها النارية بتنفيذ ضربات متباعدة، من دون أن تكشف حجم مخزونها الفعلي أو تثبت قدرتها على المحافظة على الوتيرة نفسها في حرب طويلة، كما لم تسفر تحرّكاتها البرية أخيراً عن مكاسب ميدانية مهمّة وفق الرواية الحكومية وخرائط السيطرة المتاحة.
ويمتدّ أثر هذا السلوك إلى مسار التفاوض مع الرياض، فبعد استهداف مدرّج مطار صنعاء في 13 يوليو/ تمّوز الماضي لمنع هبوط طائرة إيرانية، حملت المليشيا السعودية المسؤولية وأعلنت انتهاء خفض التصعيد، ثمّ أطلقت صواريخ باتجاه جنوب المملكة وتبنّت استهداف مطار أبها، قبل أن تعلن ما سمّته “حظراً بحرياً” على السعودية. وبهذا نقلت التهديد من خطوط التماس اليمنية إلى المطارات وطرق تصدير النفط، في محاولة لفرض نفسها على الرياض طرفاً مقابلاً في تفاوض مباشر، بما يدفع الحكومة اليمنية إلى موقع هامشي.
وتتّصل مطالب المليشيا بتشغيل مطار صنعاء وتخفيف القيود على ميناء الحديدة، إضافة إلى ملفّ الرواتب وخريطة الطريق المتعثّرة، فيما يرمي استخدامها القوّة إلى الوصول إلى وضع سياسي أوسع يمنحها اعترافاً عملياً بسلطتها ويفتح باب انتزاع التزامات سعودية مباشرة. ويتقاطع ذلك مع مصلحة إيران في إبقاء اليمن ورقةً مؤثّرةً في صراعات المنطقة، من دون أن يلغي ما للمليشيا من حسابات محلّية متّصلة بصراعها على السلطة داخل البلاد.
وفي الجانب الحكومي، يثقل تعدّد القوى العسكرية قدرة مجلس القيادة على إدارة مواجهة ممتدّة؛ فإلى جانب الوحدات التابعة لوزارة الدفاع، تعمل قوات درع الوطن والعمالقة وتشكيلات محلّية ذات مرجعيات مختلفة، وقد أُنشئ بعضها بدعم وتمويل سعودي، ويرتبط عملياً بترتيبات قيادة تشرف عليها قوات التحالف، فيما تظلّ صلته بالتسلسل التقليدي لوزارة الدفاع ملتبسة. وقد أتاح هذا التكوين صدّ هجمات موضعية وتنفيذ عمليات محدودة، كما حدث في حريب والضالع، من غير أن يُنتج مؤسّسة عسكرية موحّدة تستطيع العمل بقرار مستقلّ في جبهات عدّة.
تسعى مليشيا الحوثي إلى إبقاء خصومها في حالة استنفار وإقناع السعودية بأنّ الهدوء على حدودها وأمن طرق تصدير النفط قابلان للاهتزاز
وتظهر كلفة هذا التشظّي عند الحاجة إلى دفاع جوي يغطّي المعسكرات، أو إلى غرفة عمليات تدير انتقال القوات بين المحافظات، في وقت يبقى فيه القرار المالي والتسليحي مرتبطاً إلى حدّ بعيد بالخارج. ومن هنا، يعبّر وصف العلاقة بالحبل السُرّي السعودي عن اعتماد فعلي في التمويل والتشغيل، حتّى مع احتفاظ بعض التشكيلات بهامش ميداني خاصّ. فالقوات الحكومية تملك القدرة على الدفاع الموضعي، وتتوقّف قدرتها على خوض معركة مصيرية على بناء قيادة موحَّدة واستعادة مؤسّسات الدولة لقرارها العسكري.
ومنذ هدنة 2022، تعاملت السعودية مع اليمن بمنطق إدارة التهديد بعدما تراجعت أولوية الحسم العسكري، وصارت حماية الداخل من ارتدادات الحرب هي الحاكمة لسلوكها، سواء على الحدود أو في منشآت الطاقة، مع تجنّب العودة إلى سنوات الضربات المتبادلة. ولذلك أبقت الرياض قنوات الاتصال مفتوحةً واستمرّ دعمها للقوات اليمنية، فيما جاءت ردودها محسوبةً كي لا يتحوّل كلّ هجوم إلى حملة جوّية تعيد فتح الحرب على امتداد اليمن.
وقد خفّضت هذه السياسة احتمال المواجهة خلال الأعوام الماضية، وكان من آثارها منح المليشيا مساحةً لاختبار سقف التحمّل السعودي. فالرياض تتردّد في توجيه ضربة واسعة خشية أن يستعيد الحوثيون خطاب التعبئة ويوسّعوا دائرة المواجهة، وتستخدم المليشيا هذا التردّد لرفع الضغط طلباً لمزيد من التنازلات. ويحتاج تجاوز هذه المعضلة إلى دفاع يقلّل أثر الصواريخ والمسيّرات، وإلى قرار يمني أكثر استقلالاً، فلا تبقى الحكومة غطاءً قانونياً لقوى تتلقّى أوامرها ومواردها من خارج مؤسّساتها.
وتشير المعطيات إلى حملة لتوزيع الضغط واختبار الدفاعات، من دون دليل كافٍ على استعداد لحرب برّية مفتوحة في جبهات متزامنة. فمليشيا الحوثي تحاول تحويل قدرتها على الإيذاء إلى مكاسب تفاوضية، مستفيدةً من قوّة محدودة لا تمنحها أدوات الحسم. ويظلّ خطر الانزلاق قائماً، لأنّ ضربة محدودة قد تستدعي ردّاً أوسع، ولأنّ الخطأ في قراءة الموقف السعودي يمكن أن يدفع الجميع إلى حرب تتجاوز الحسابات التي بدأت منها.
المصدر: العربي الجديد






