
بدأت في الأسابيع الماضية، في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي الرقمية موجةٌ من النقاشات الحادّة بين منتمين إلى فصائل اليسار التونسي. وقد تكون تصريحات بعض رموز هذا التيّار، خصوصاً من يسار الموالاة الذي دعم (ولا يزال) الرئيس قيس سعيّد، وذهبت إلى تجريم أيّ حركات تحتجّ على تردّي خدمات الماء والكهرباء، هي التي دفعت إلى هذه التدوينات، فلقد أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي فضاءَ الحوار الوحيد المتاح حالياً.
لقد عمدت السلطة، منذ أسابيع خلت، إلى منع اجتماع كان سيُعقد في أحد الفضاءات الثقافية في العاصمة. وهو في الأصل قاعة سينما، فضلاً عن تضييقات مالية عديدة طاولته في السنتَين الأخيرتَين، بحسب بيانات متكرّرة أصدرها المشرف على هذا الفضاء، وقد تحوّل تدريجياً إلى فضاء ثقافي مفتوح ليحتضن أنشطةً عديدة، بما فيها ندوات تعقدها من حين إلى آخر مبادرات مناهضة لسياسات الرئيس قيس سعيّد. وقد تكون هذه الأسباب الحقيقية التي تقف خلف التضييقات الإدارية والمالية تلك.
يعمد اليسار التونسي إلى الاستيلاء على التراث الديمقراطي عامّةً واعتباره مكسباً يسارياً محضاً
ففي فضاء عمومي ينغلق، تتحوّل الشبكات الاجتماعية الرقمية إلى متنفَّس وحيد. والحقيقة أنّ الحوارات في شبكات التواصل الاجتماعي لا يمكن أن ترتقي إلى مرتبة الحوار الحقيقي والعميق، وهي بالأحرى تفاعلات عن بُعد، وعلى الرغم من هذا فإنّها، في العلوم الاجتماعية والإنسانية، مؤشِّرات مهمّةً يعكس جملةً من التوتّرات، وحتّى الحاجات، التي يُعبِّر عنها هذا الحوار الافتراضي، بحسب ما ذهب إليه هابرماس، حين عنى بها الجدل الجاري في هذه الشبكات فضاءً افتراضياً يُوسّع الفضاء العمومي الواقعي ويجعله أكثرَ سيولةً.
سنتجاوز ما ورد في هذه الحوارات، بالمعنى الذي حدّدناه سابقاً، من عتابات وملامات وصلت حدّ تبادل الاتهام بالخيانة والوشاية… إلخ، لأنّنا نعتقد أنّ أهمّ ما ورد فيها هو إثارته لجملة من المسائل التي إن بدت قضايا يسارية، فإنّها لا تهمّ اليسار فقط، على الرغم من أنّ بعضهم يريد أن يكون الحوار داخلياً حتّى بالمعنى التنظيمي، والحال أنّها مسائل تعني جملة النُّخب السياسية وحتّى الفكرية. ولعلّ من أهمّ ما أثير هو المسألة الديمقراطية التي لا يزال بعضٌ من اليسار التونسي يعتبرها ترفاً برجوازياً.
والغريب أنّ جل فصائل اليسار تحمل في تسمياتها لفظ الديمقراطية، على غرار “الوطنيون الديمقراطيون” و”وطنيون ديمقراطيون” و”الاشتراكيون الديمقراطيون” و”منظّمة العمل الديمقراطي” وغيرها، غير أنّ ما يضمّنونه في أدبياتهم لهذا اللفظ ليست له أيّ علاقة مضمونية بما استقرّ عليه المصطلح الذي يفيد عموماً جملة الحرّيات والحقوق التي نصّت عليها مواثيق الأمم المتحدة ومعاهداتها، فضلاً عمّا رسّخته الديمقراطيات العريقة من ممارسات، على غرار حرّية الرأي، والانتخابات الحرّة، والتداول السلمي للسلطة. بل تعدّ جلُّ فصائل اليسار وطيفُ واسعٌ من “الديمقراطيين” هذه الممارسات والتقاليد خدعاً برجوازية مضلِّلة، وهي من اختراع الطبقات المهيمنة لاستدامة تسلّطها واستغلالها.
ومع تطوّر أدبيات الديمقراطية ذاتها وتعدّد أشكالها: ديمقراطية تشاركية، وديمقراطية مباشرة إلى جانب الديمقراطية التمثيلية، فإنّ موقف اليسار التونسي لا يزال عموماً متحفّظاً، وهو أقرب إلى التنازل التكتيكي منه إلى التبنّي النظري للديمقراطية. والغريب أنّ اليسار يعمد إلى الاستيلاء على التراث الديمقراطي عامّةً واعتباره مكسباً يسارياً محضاً. يحرص اليسار في تحالفاته وتنسيقاته على التأكيد أنّ مبادراته لا تنفتح إلا على الديمقراطيين والتقدّميين، بل يذهب إلى احتكارها. ولا أحد يستطيع إنكار نضالية اليسار التونسي والتضحيات الجسيمة التي قدّمها في سبيل الحرّيات، ولكن يبدو أنّه يخلط بشكل جسيم بين الحرّية والديمقراطية، وهما ليسا مترادفَين، علماً أنّ هذا الخلط أيضاً تقع فيه جملة فصائل التيّارات القومية العروبية.
أمّا المسألة الثانية التي كانت مثار جدل في مختلف شبكات التواصل، كما أشرت سابقاً، فهي المسألة الوطنية التي يراد بها في أدبيات اليسار علاقات تونس بمحيطها، أي السيادة الوطنية والانعتاق الكلّي من جميع أشكال التبعية. فتونس، وفق تصوّرات اليسار عموماً مع بعض الاختلافات البسيطة بين فصيل وفصيل، هي وطن مُجهَض السيادة، علماً أنّ هذه المواقف قد تشكّلت في سبعينيّات القرن الماضي عموماً. ولقد انتهت هذه المسألة، بعد تكلّسها، إلى تصوّر الأوطان جزراً معزولةً لا يمكن تماماً أن تنفتح على بعضها. ففي جلّ المداولات عادةً ما يُقسّم العالم بين مخيّمَين: مخيّم الأشرار الذين يتربّصون بالوطن، تونس، ومخيّم آخر هو مخيّم الأخيار الذي يُطمح إلى ربط العلاقات معه: الاتحاد السوفياتي سابقاً، والصين، وفنزويلا، وكوبا… إلخ.
لم تُجِب تجربة الانتقال الديمقراطي المغدورة عن أسئلة الديمقراطية والسيادة، وكان ذلك أحد أسباب إخفاقها
والحقيقة أنّ هذا التصوّر الثنائي للعلاقات الدولية فيه كثير من الاختزال والسذاجة، خصوصاً بعد مراجعة أدبيات السيادة ونظرياتها منذ عقود. تنتهي عادةً مثل هذه التصوّرات إلى معاداة العديد من الدول باعتبارها دولاً إمبريالية ليس لها من هدف سوى نهب خيرات البلدان الضعيفة وإلحاقها ضمن بآليات تبعية مُحكَمة. والعالم المعاصر لا يخلو من إرادات الهيمنة، ولكن تظلّ الثنائية مختزلةً، غير قادرة على استحضار تعقّد العلاقات الدولية.
وبغض النظر عمّا يكون وراء هذه الاختلافات النظرية من انشقاقات داخلية وتناسل انقسامي أنتج مئات الفصائل السياسية، بعضها منتظم حزبياً، وبعضها الآخر رافض أصلاً لمبدأ التنظيم بوصفه شكلاً من أشكال التدجين والمراجعات المُخجِلة، ويتّهم هؤلاء بالفوضوية والراديكالية والعدمية، فإنّ القضايا التي طُرحت أخيراً تقع في صلب اهتمامات النُّخب، بغضّ النظر عن عقائدها.
هذه الأسئلة، وإن بدت أسئلةَ اليسار التونسي، فإنّها في الحقيقة أسئلة جيل كامل ونُخب متعاقبة ظلّت عاجزةً عن إيجاد توافق واسع حول الديمقراطية التي ننشد، والسيادة التي نأمل. هذه الأسئلة لم تُجِب عنها تجربة الانتقال الديمقراطي المغدورة، ولم تُنتج حولها توافقاً، وكان ذلك أحد أسباب إخفاقها.
المصدر: العربي الجديد






