
يصعب اختزال ما جرى في سبتة في حادثة حدودية تنتهي بانفضاض الجموع وعودة السياج إلى وظيفته المعتادة. ففي أواخر الشهر الماضي (يوليو/ تمّوز)، ظهر بكثافة جارحة أثر تاريخ اجتماعي طويل جعل الهجرة جزءاً من تصوّر المستقبل لدى أجيال متعاقبة من المغاربة. تجاوز عدد من دخلوا المدينة خلال موجة العبور الأخيرة ستّين ألفاً، فيما ارتفعت حصيلة الوفيات المُعلَنة إلى مئة شخص حتّى 6 أغسطس/ آب الحالي. يستدعي هول الأرقام سؤال الحدود، غير أنّ ما يستحقّ التفكير يتجاوزها إلى تلك الرغبة التي تستطيع، في لحظة بعينها، أن تدفع هذا العدد الهائل من البشر إلى الجهة نفسها.
الهجرة في المغرب أقدم، بالطبع، من صور سبتة الراهنة. خلال الستينيّات، فتحت حاجة أوروبا الغربية إلى العمّال مساراً منظّماً نحو الشمال، فوقّعت المملكة اتفاقات لتشغيل اليد العاملة مع ألمانيا الغربية وفرنسا سنة 1963، ثمّ بلجيكا سنة 1964 وهولندا سنة 1969. كان التصوّر قائماً على عمل مؤقّت تعقبه العودة، غير أنّ المسار الذي تشكّل لاحقاً كان أوسع من ذلك؛ استقرّ كثيرٌ من العمّال، وتكوّنت الأسر، واتّسعت شبكات الهجرة حتّى غدت أوروبا امتداداً بشرياً مألوفاً داخل المجتمع المغربي. الرحلة التي بدأت بعقد شغل راكمت مع مرور الزمن ذاكرةً كاملةً.
قد يكون أشدّ أشكال التعلّق بالمكان ذلك الألم الذي يصيب صاحبه حين يعجز عن رؤية نفسه فيه بعد أعوام
ولعلّ هذه الذاكرة أهمّ من الطريق نفسه، لأنّ ما ينتقل بين الأجيال لا يقتصر على معرفة المدن والمسالك، وإنّما يشمل تصوّراً مخصوصاً لما يمكن أن يصنعه الرحيل في السيرة الشخصية. منذ عقود صار المهاجر حاضراً داخل البيت الذي غادره، وفي المخيال الذي تركه خلفه، حتّى أصبحت الهجرة معرفةً اجتماعيةً لها خبرتها ورموزها وصورتها الخاصّة عن النجاح والإخفاق، لهذا قد يبدأ التفكير في الرحيل قبل أن تضيق الحال فعلياً، وقد يظهر وسط حياة مستقرّة نسبياً، لأنّ الخارج استقرّ في المخيّلة قبل أن يتحوّل إلى وجهة.
هنا يجد عنوان “طقوس العبور” معناه من دون تحميله أكثر ممّا يحتمل. حين نشر أرنولد فان جينيب كتابه المذكور سنة 1909، قرأ الطقوس التي تصاحب انتقال الإنسان من وضع اجتماعي إلى آخر، بوصفها حركةً تمرّ من الانفصال إلى العتبة ثمّ إلى الاندماج. لم يكن الرجل يتحدّث عن مهاجري المغرب، خصوصاً، غير أنّ مفهوم العتبة يمنحنا طريقةً دقيقةً لرؤية ما يحدث عند الحدود، شخص يفكّ صلته، ولو مؤقّتاً، بالموقع الذي يعرفه، ثمّ يدخل مجالاً لا ينتمي فيه تماماً إلى ما غادر ولا إلى ما يقصده. في الطقس القديم كانت الجماعة تعرف كيف ينتهي العبور؛ عند الحدود الحديثة يستطيع البحر أن يحتفظ بالعابر في منتصف الحكاية. في موجة سبتة أخيراً كان للشائعة أثر حاسم في تسريع ما كان كامناً أصلاً. فقد انتشر في شبكات التواصل تأويل خاطئ لحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في يوليو 2026، وفُهم منه أنّ الوصول إلى سبتة بحراً يفتح باب البقاء في إسبانيا. الحكم لم يكن بهذا المعنى؛ اقتصر على تقييد الإعادة الفورية في حالات بعينها، من دون أن يمنح حقّاً تلقائياً في الإقامة. ما فعلته الشائعة أنّها اختصرت المسافة بين الرغبة والفعل، وأعطت حلماً قديماً لحظة بدا فيها قابلاً للتنفيذ. أمّا الرغبة نفسها فقد سبقتها بزمن طويل. ومن بين من تحدّثت إليهم الوكالة شبّان يعملون بالفعل، وهو تفصيل صغير يربك الصورة المعتادة التي تجعل الفقر التفسير الوحيد لكلّ مَن يتّجه شمالاً.
في هذا كله شيء من العتب على الجغرافيا. فالإنسان قد يملك أسباباً كافيةً للاستمرار في مكانه، ثمّ يشعر بأنّ المسافة بين ما يستطيع أن يكونه وما تتيحه له حياته أطول ممّا ينبغي. عند هذه النقطة تتغيّر دلالة الهجرة؛ تصير المقارنة جزءاً من الوعي بالذات، ويصبح المكان نفسه طرفاً في السؤال. وهذا ما يجعل العلاقة بين الرحيل واليأس أقلّ بساطةً ممّا تبدو. ففي مسح نشره أفروباروميتر سنة 2025، اعتماداً على بيانات جُمعت في المغرب خلال 2024، قال 28% من الشباب إنّهم فكّروا كثيراً في الهجرة، فيما رأى 73% منهم أنّ البلد يسير في الاتجاه الصحيح. تكفي هذه المفارقة لخلخلة التصوّر الذي يجعل الرغبة في الرحيل مرادفة لليأس من الوطن؛ فقد يجتمع التطلّع إلى المغادرة مع قدر من الثقة في المسار العام للبلد، وهو ما ينقل السؤال من الرضا والسخط إلى علاقة أشدّ تركيباً بالمكان والمستقبل.
ويزداد الأمر تعقيداً عند النظر إلى التعليم. فقد عرف المغرب توسّعاً واضحاً في الولوج إلى المدرسة، وانخفضت نسبة غير الملتحقين بالتعليم في سنّ الإعدادي من 42% سنة 2000 إلى 6% سنة 2023، وفق تقرير منظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) لعام 2026. وفي سوق الشغل، ظلّ حاملو الشهادات أكثر تعرّضاً للبطالة، التي بلغت بينهم 19.1% سنة 2025، بحسب المندوبية السامية للتخطيط. لا تكفي هاتان النقطتان وحدهما لبناء علاقة سببية، إلّا أنّهما تضعاننا أمام مفارقة اجتماعية تستحقّ النظر، اتساع دائرة التعليم رافقه جيل أعلى تكويناً وتطلعاً، فيما لا تتحوّل الشهادة دائماً بالسرعة نفسها إلى موقع مهني يوافق ما علق بها من انتظار.
لا تقدّم المقارنة سبباً جاهزاً للهجرة، لكنّها تفتح سؤالاً أشدّ أهميةً عن مجتمع نجح في توسيع أفق أبنائه، بينما ظلّت إمكانات تحويل المعرفة إلى انتقال اجتماعي أبطأ من الطموح الذي ولدته، ولا تمنح الشهادة وحدها؛ إنّها تغيّر المقياس الذي يُرى به الفرد موقعه في العالم. وكلّما اتّسع ذلك المقياس صار القبول بالمكان الموروث أصعب حين يبدو المستقبل أضيقَ من التكوين الذي يحمله صاحبه. ربّما لهذا ينبغي ألّا نفاجأ تماماً حين نجد بين الراغبين في الهجرة متعلّمين وأُجراء وأبناء طبقات اجتماعية مختلفة. المسألة تتّصل أيضاً بإحساس الإنسان بقيمة الزمن الذي ينفقه كي يصل إلى حياة يراها، من وراء المتوسّط، قابلة للتحقّق في زمن أقصر.
حين يصبح تغيير الضفّة أيسر في المخيّلة من تغيير المصير فوق الضفّة نفسها، تكون الهجرة قد تجاوزت البحث عن بلد آخر، وصارت بحثاً عن زمن آخر للحياة
عندئذ يتغيّر سؤال الوطن نفسه. يخرج من دائرة الشعارات إلى معنى أكثر التباساً، مقدار المستقبل الذي يستطيع الإنسان أن يتخيّله داخل المكان الذي ينتمي إليه. فالوطنية لا تختبرها المسافة التي تفصل المرء عن الحدود، والهجرة لا تمحو وحدها ما يربطه بأرضه؛ قد يكون أشدّ أشكال التعلّق بالمكان ذلك الألم الذي يصيب صاحبه حين يعجز عن رؤية نفسه فيه بعد أعوام.
لهذا تترك سبتة وراءها صورةً يصعب ردّها إلى خبر عابر. عشرات الآلاف تحرّكوا في وقت واحد نحو فتحة ظنّوها قد ظهرت في الجغرافيا، ثمّ عاد كثير منهم بعدما اكتشفوا أنّ العبور لم يفتح الطريق الذي تخيّلوه. بقي البحر في مكانه، وبقي السؤال هنا. فحين يصبح تغيير الضفّة أيسر في المخيّلة من تغيير المصير فوق الضفّة نفسها، تكون الهجرة قد تجاوزت البحث عن بلد آخر، وصارت بحثاً عن زمن آخر للحياة. وفي تلك المسافة بين العمر الذي يمضي والعمر الذي يبدو ممكناً في مكان آخر، تبدأ الحدود قبل أن يصل إليها أحد.
المصدر: العربي الجديد






