حيث يبدأ الاقتصاد

  لمى الجمل

قبل أن تتحرك الأسواق، وقبل أن ترتفع المؤشرات، وقبل أن تُفتتح المصانع أو تُعلن الحكومات عن خططها الاقتصادية، يحدث شيء أكثر هدوءًا… وأكثر أهمية.

يقرر إنسانٌ ما أن المستقبل أصبح يستحق أن يبني عليه جزءًا من حياته. قد يبدو هذا قرارًا شخصيًا، لكنه في الحقيقة اللحظة التي يبدأ عندها الاقتصاد.

اعتدنا أن ننظر إلى الاقتصاد من خلال نتائجه؛ نتحدث عن النمو، والاستثمار، والإنتاج، والتضخم، وكأنها نقطة البداية. لكنها ليست سوى المشهد الأخير في قصة أطول بكثير.

فالاقتصاد لا يولد عندما يدخل رأس المال إلى السوق، بل عندما يقرر الناس أن المستقبل لم يعد مكانًا للخوف، بل مساحة يمكن التخطيط لها. هذه هي الثروة التي لا تظهر في الموازنات.

فالمجتمعات لا تبني اقتصادها بالأموال وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج قرارات طويلة الأجل. وكل قرار من هذا النوع يحمل في داخله سلسلة كاملة من الآثار الاقتصادية، حتى وإن بدا في ظاهره شأنًا فرديًا.

حين يفتتح شاب مشروعه الأول، لا يولد مشروع واحد فقط، بل تبدأ معه وظائف جديدة، وعلاقات إنتاج، وحركة اقتصادية تمتد إلى ما هو أبعد من صاحب المشروع نفسه.

وحين تقرر أسرة شراء منزل، لا تنشط سوق العقارات وحدها، بل تتحرك معها عشرات القطاعات التي تعتمد على هذا القرار.

وحين يختار طبيب العودة إلى مدينته، أو يقرر مزارع غرس شجرة لن يقطف ثمارها إلا بعد سنوات، فإنهما لا يتخذان قرارًا شخصيًا فحسب، بل يضيفان لبنة جديدة إلى اقتصاد المستقبل. لهذا، لا يكون السؤال الاقتصادي الأهم: كم بلغ حجم الاستثمار؟ بل: كم إنسانًا أصبح مستعدًا لأن يراهن على الغد؟

الاقتصادات القوية لا تتميز فقط بحجم رؤوس الأموال التي تمتلكها، وإنما بعدد الناس الذين يشعرون أن المستقبل يستحق أن تُبنى عليه قرارات كبيرة.

فالاقتصادات القوية لا تتميز فقط بحجم رؤوس الأموال التي تمتلكها، وإنما بعدد الناس الذين يشعرون أن المستقبل يستحق أن تُبنى عليه قرارات كبيرة.

وعلى النقيض من ذلك، لا تبدأ الأزمات الاقتصادية دائمًا بانخفاض الإنتاج أو تراجع الاستثمار، بل تبدأ عندما يتقلص الأفق الزمني للمجتمع.

عندما يصبح التفكير في الشهر القادم أكثر من التفكير في السنوات القادمة. وعندما يتحول الانتظار إلى سلوك اقتصادي دائم. وعندما يصبح تأجيل القرار أكثر عقلانية من اتخاذه.

عندها لا يتوقف الاستثمار وحده، بل يتغير إيقاع المجتمع كله. ولعل هذه هي إحدى القضايا التي تستحق التأمل في سوريا اليوم.

فالحديث عن القوانين، والإصلاحات، والاستثمارات، وإعادة الإعمار، يظل ضروريًا، لكنه لا يكفي وحده لقياس التعافي. لأن السؤال الأعمق ليس فقط ما إذا كانت المؤشرات تتحسن، بل ما إذا كان السوريون قد بدأوا يستعيدون قدرتهم على التخطيط، لا لأيامهم القادمة فقط، بل لسنواتهم القادمة أيضًا.

فالتعافي الاقتصادي لا يبدأ عندما تتحسن الأرقام وحدها، بل عندما يشعر الإنسان أن قراره لم يعد رهينة الغموض. عندما يصبح افتتاح مشروع خطوة طبيعية، لا مقامرة. وعندما يصبح شراء منزل خطة، لا حلمًا مؤجلًا.

وعندما يصبح البقاء قرارًا يُبنى عليه المستقبل، لا مجرد انتظار لفرصة أخرى. عندها فقط، تكون دورة الاقتصاد قد بدأت بالفعل.

نجاح أي سياسة اقتصادية لا يُقاس بما تضيفه إلى الناتج المحلي وحده، بل بما تمنحه للناس من قدرة على اتخاذ قرارات لم يكونوا يملكون شجاعة اتخاذها من قبل.

ولهذا، فإن نجاح أي سياسة اقتصادية لا يُقاس بما تضيفه إلى الناتج المحلي وحده، بل بما تمنحه للناس من قدرة على اتخاذ قرارات لم يكونوا يملكون شجاعة اتخاذها من قبل. فالاقتصاد، في جوهره، ليس حركة الأموال بين الأسواق. إنه حركة الزمن داخل المجتمع.

إنه قدرة الناس على تحويل المستقبل إلى قرارات تُتخذ في الحاضر. وربما تبدأ نهضة الدول يوم تعود المصانع إلى العمل، وترتفع الاستثمارات، وتتحسن المؤشرات. لكن نهضة المجتمع تبدأ قبل ذلك بكثير.

تبدأ في اللحظة التي يزرع فيها مزارع شجرة لا ينتظر ثمارها هذا العام، ويشتري أبٌ كتابًا لطفله وهو يفكر بما سيكون عليه بعد عشر سنوات، ويفتتح شاب مشروعًا لأنه يثق أن الغد لن يكون أقل استقرارًا من اليوم.

هناك… حيث يقرر الإنسان أن المستقبل يستحق أن يُبنى عليه… يبدأ الاقتصاد.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى