
قد يبدو النقاش الدائر حول اللجنة البرلمانية المعنية بالشأن الخارجي في مجلس الشعب السوري شأناً تنظيمياً يتعلق باسم لجنة أو حدود اختصاصها، غير أن قيمته الحقيقية تكمن في السؤال الذي يثيره: من يملك القرار الخارجي في الدولة؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد توزيع إداري للاختصاصات، أم أنه يمس إحدى أهم القضايا الدستورية المرتبطة بممارسة السيادة الوطنية؟
إن أهمية هذا النقاش لا تنبع من تسمية لجنة بعينها، وإنما من كونه يفتح الباب أمام إعادة التفكير في الكيفية التي تُبنى بها السياسة الخارجية في الدولة الحديثة، ولا سيما في المراحل الانتقالية التي تُعاد فيها صياغة المؤسسات وتوزيع الاختصاصات ،فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، بل أيضاً بالطريقة التي يُصنع بها هذا القرار، وبالمؤسسات التي تمنحه الشرعية والاستمرار.
فالسيادة والسياسة الخارجية والدبلوماسية مفاهيم لا يجوز الخلط بينها، لأنه من أكثر مواطن الالتباس في الخطاب السياسي الخلط بين ثلاثة مفاهيم متمايزة: السيادة، والسياسة الخارجية، والدبلوماسية.
السيادة هي مصدر القرار الوطني، والتعبير الأعلى عن استقلال الدولة وإرادتها الحرة، أما السياسة الخارجية فهي الإطار الذي تُترجم من خلاله هذه الإرادة إلى مصالح وطنية وخيارات استراتيجية ومواقف تجاه العالم.
في حين تمثل الدبلوماسية بما فيها العمل القنصلي، الأداة التنفيذية التي تنقل تلك السياسة إلى حيز التطبيق عبر التفاوض والتمثيل وإدارة العلاقات الدولية.
وعليه فإن الدبلوماسية ليست السياسة الخارجية، بل إحدى وسائل تنفيذها، والسياسة الخارجية ليست السيادة، بل إحدى صور ممارستها.
وهذا التمييز ليس تمييزاً نظرياً فقط، بل يترتب عليه أثر دستوري بالغ الأهمية، لأن اختزال السياسة الخارجية في أدواتها التنفيذية يعني، بصورة غير مباشرة، اختزال القرار الاستراتيجي للدولة في الجانب الإداري، وإغفال طبيعته السيادية التي تستدعي مشاركة المؤسسات الدستورية في منحه الشرعية والرقابة.
لا خلاف على أن إدارة السياسة الخارجية من صميم اختصاص السلطة التنفيذية، فهي التي تتولى التفاوض، وتمثل الدولة، وتقود العمل الدبلوماسي بحكم طبيعة وظائفها.
القرارات المتعلقة بالمعاهدات الدولية، والتحالفات، والاعترافات، والعلاقات الإقليمية، والانضمام إلى المنظمات الدولية، لا تمس الحكومة والنظام السياسي فقط، وإنما تمس الدولة بكاملها، وتنعكس آثارها على أجيال متعاقبة.
غير أن ذلك لا يعني أن السياسة الخارجية تتحول إلى مجال مغلق على السلطة التنفيذية وحدها، فالقرارات المتعلقة بالمعاهدات الدولية، والتحالفات، والاعترافات، والعلاقات الإقليمية، والانضمام إلى المنظمات الدولية، لا تمس الحكومة والنظام السياسي فقط، وإنما تمس الدولة بكاملها، وتنعكس آثارها على أجيال متعاقبة.
ومن البديهي أن الشرعية المؤسسية للقرار الخارجي لا تكتمل بالكفاءة التنفيذية وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى الرقابة البرلمانية، والنقاش العام، والتوازن بين السلطات، بما يجعل القرار الوطني أكثر رسوخاً واستقراراً.
فالبرلمان لا يدير السياسة الخارجية، كما أن الحكومة لا تمارس الوظيفة التشريعية، غير أن كلاً منهما يؤدي دوراً مكملاً للآخر ضمن منظومة دستورية واحدة، هدفها حماية المصلحة الوطنية ومنع احتكار القرار العام.
لجنة الشؤون الخارجية… وظيفة دستورية قبل أن تكون لجنة برلمانية
ضمن هذا التصويب تكتسب لجنة الشؤون الخارجية في البرلمانات الحديثة مكانة تختلف عن كثير من اللجان الأخرى، لأنها لا تتعامل مع قطاع إداري بعينه، بل مع المجال الذي تتجلى فيه سيادة الدولة في أعلى صورها.
فهي تتابع الاتفاقيات الدولية، وتناقش التوجهات العامة للسياسة الخارجية، وتمارس الرقابة البرلمانية على هذا المجال، كما تشارك في الدبلوماسية البرلمانية التي أصبحت، في العقود الأخيرة، أحد روافد القوة الناعمة للدول، وأداة لبناء الثقة وتعزيز المصالح الوطنية عبر الحوار البرلماني الإقليمي والدولي.
ومن ثم فإن أهمية هذه اللجنة لا تنبع من اسمها، بل من طبيعة الاختصاص الذي تضطلع به، ومن موقعها في منظومة التوازن بين السلطات.
فالشؤون الخارجية أوسع من الدبلوماسية والقنصلية وهنا يبرز الفرق الجوهري بين مفهوم الشؤون الخارجية ومفهوم العلاقات الدبلوماسية والقنصلية:
- الأول: يشمل رسم التوجهات العامة للدولة ومناقشة الاتفاقيات الدولية ومتابعة التحولات الإقليمية والدولية والرقابة على السياسة الخارجية بوصفها سياسة سيادية.
- أما الثاني: فيتعلق بأحد أدوات تنفيذ تلك السياسة، أي إدارة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وفق القواعد القانونية المنظمة لها.
هذا يعني أن الفرق بين المفهومين ليس لغوياً أو في التسمية، بل هو فرق في مستوى الاختصاص، وإذا ارتبط أي تعديل في التسمية بإعادة تعريف الاختصاصات، فإن المسألة لا تعود مجرد تعديل شكلي، وإنما تصبح إعادة رسم للعلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في أحد أهم مجالات ممارسة السيادة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمنازعة الحكومة اختصاصها الأصيل في إدارة السياسة الخارجية، وإنما بالحفاظ على حق البرلمان في ممارسة دوره الرقابي والتشريعي، بما يحقق التكامل بين السلطات، لا التنافس بينها.
و تكتسب هذه المسألة بعداً أكثر عمقاً إذا ما وُضعت في سياق المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا. فالمرحلة الانتقالية ليست فترة زمنية تعالج آثار الماضي، ولا تقتصر وظيفتها على إدارة الشؤون العامة إلى حين استقرار الأوضاع الدستورية، بل هي لحظة تأسيسية تُرسم فيها ملامح الدولة التي ستستقر بعد اكتمال الانتقال السياسي.
ولذلك فإن القرارات المؤسسية التي تُتخذ خلالها لا ينبغي أن تُقاس بضرورات اللحظة وحدها، بل بما يمكن أن تتركه من آثار ممتدة على بنية الدولة الدائمة.
ومن المعلوم أن كثيراً من القواعد المؤسسية التي نشأت في ظروف انتقالية لم تبقَ تدابير مؤقتة، بل تحولت مع مرور الزمن إلى أعراف مستقرة، وإلى جزء من الثقافة الدستورية للدولة. فالأنظمة الداخلية، وتوزيع الاختصاصات، وحدود العلاقة بين السلطات، إذا ترسخت في مرحلة التأسيس، كثيراً ما تستمر حتى بعد اعتماد الدساتير الدائمة.
لذا فإن أي نقاش يتعلق بإعادة تعريف اختصاصات المؤسسات الدستورية، ولا سيما تلك المتصلة بممارسة السيادة الوطنية والرقابة على القرار الخارجي، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه استجابة تنظيمية لاحتياجات المرحلة الراهنة فحسب، بل باعتباره جزءاً من عملية بناء الدولة ذاتها.
فالمراحل الانتقالية لا تختبر قدرة الدولة على إدارة الأزمات فقط، وإنما تختبر أيضاً حكمتها في تجنب تأسيس اختلالات مؤسسية قد تتحول مع الزمن إلى واقع دائم.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول موقع البرلمان في السياسة الخارجية يتجاوز حدود لجنة بعينها أو تسمية محددة، ليصبح نقاشاً حول النموذج المؤسسي الذي نريد أن تقوم عليه الدولة السورية بعد اكتمال انتقالها السياسي، فإذا اعتادت المؤسسات، خلال المرحلة الانتقالية، على تضييق الاختصاصات التشريعية في القضايا السيادية، فقد يتحول ذلك إلى عرف مؤسسي يصعب تجاوزه مستقبلاً، حتى بعد إقرار دستور دائم.
إن بناء الدولة لا يبدأ من توزيع المناصب، بل من توزيع الاختصاصات، ولا يتحقق بتجميع السلطات، بل بتنظيم العلاقة بينها وفق قواعد دستورية واضحة.
السياسة الخارجية تحتاج إلى سلطة تنفيذية تمتلك الكفاءة والمرونة والقدرة على الحركة، لكنها تحتاج، في الوقت ذاته، إلى مؤسسات تشريعية تمارس دورها في الرقابة والنقاش وإضفاء الشرعية على الخيارات الكبرى للدولة.
فالسياسة الخارجية تحتاج إلى سلطة تنفيذية تمتلك الكفاءة والمرونة والقدرة على الحركة، لكنها تحتاج، في الوقت ذاته، إلى مؤسسات تشريعية تمارس دورها في الرقابة والنقاش وإضفاء الشرعية على الخيارات الكبرى للدولة.
ففي الدول المستقرة تُبنى السياسة الخارجية بالمؤسسات، أما في الدول الهشة فتُختزل في الأشخاص والفرق بين النموذجين لا يظهر فقط في طريقة اتخاذ القرار، بل في قدرته على الاستمرار واكتساب الشرعية والثقة.
إن أخطر ما في المراحل الانتقالية ليس ما تديره من أحداث، بل ما تؤسسه من مؤسسات ،فالقرارات السياسية قد تتغير بتغير الظروف، أما القواعد المؤسسية فغالباً ما تبقى، وتشكل ملامح الدولة لعقود.
ولذلك فإن الحكمة الدستورية تقتضي أن تُبنى مؤسسات المرحلة الانتقالية بعقل الدولة الدائمة لا بمنطق الظرف العابر، فالدساتير لا تُكتب لحماية الحاضر وحده، وإنما لضمان المستقبل، والسياسة الخارجية، بما تمثله من التجلي الأسمى للسيادة الوطنية، يجب أن تكون من أولى المجالات التي تُبنى على هذا الأساس.
فما يُكتب اليوم في الأنظمة الداخلية قد يُقرأ غداً بوصفه فلسفة للدولة، وما يُنشأ اليوم باعتباره تنظيماً مرحلياً قد يصبح غداً جزءاً من بنيتها الدستورية المستقرة.
التساؤل الأصح ليس ماهو اسم اللجنة؟ بل: أي دولة نريد أن نبني، وكيف نريد أن يُصنع قرارها الخارجي؟
المصدر: تلفزيون سوريا






