التعليم العالي في سوريا بين وهم التوسع ورهان التعافي

  عبد الناصر الجاسم

تعد المراحل الانتقالية من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الشعوب والبلدان حيث يتم فيها رسم الأساسات الرئيسة للبناء، فعندما تنتهي النزاعات المزمنة والتي تخلف دماراً كبيراً في الحجر والبشر كما هو الحال في السياق السوري، تتجه الأنظار عادةً نحو ترميم البنى التحتية وإعادة بناء ما تم تدميره، ليس من الحجر فقط بل إن الرهان الحقيقي والأكثر خطورة يكمن في كيفية إعادة بناء الإنسان، وهنا تحديداً يأتي دور منظومة  التعليم – وعلى رأسها الجامعات – في قلب معركة التعافي الوطني، ولا يقتصر دورها على منح الشهادات الجامعية الجافة فقط، بل يجب أن تكون داعماً رئيساً ومشاركاً فاعلاً في إعادة إنتاج رأس المال الاجتماعي، وضخ الكفاءات اللازمة لإدارة أزمات ما بعد النزاع، وصياغة عقد اجتماعي جديد يرتكز على المعرفة المتنوعة والخبرات المكتسبة والحوار الفعال، وتكون حاضنات للتنوع والتعايش ومساحات آمنة للحوار التنموي.

والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ببالغ الأهمية: أي تعليم عالٍ نحتاج في مرحلة التعافي؟ هل نحتاج إلى توسع “أفقي” يمارس الاستيعاب الكمي ونقع في هذا الفخ اللطيف، أم إلى توسع “عمودي” يراهن على الجودة والتميز؟

غالباً ما تقتضي الضغوط الاجتماعية والسياسية في مراحل ما بعد الصراع استيعاب أعداد كبيرة من الشباب المقيمين والنازحين والعائدين، وإتاحة الفرصة لهم لدخول التعليم الجامعي، ويرافق ذلك اندفاع نحو افتتاح فروع جامعية جديدة، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للكليات، واستحداث تخصصات متعددة وفي أحيان كثيرة يتم التساهل مع تجارة التعليم الخاص وذلك يعود لأسباب عديدة منها المحسوبيات والفساد المستتر.

ظاهرياً، يبدو التوسع الأفقي منطقياً وضرورياً لاستيعاب أكبر للطلبة وتنويع أكثر للتخصصات، وكذلك لمواجهة البطالة المبكرة وحماية الشباب من التهميش المجتمعي، لكن الاستغراق في التوسع الأفقي من دون دراسة عميقة يحوله إلى “فخ لطيف”، حيث إن افتتاح التخصصات والكليات والفروع في ظل نزيف العقول والخبرات، وكثير من أعضاء التدريسية وعدم إعادتهم إلى مواقع عملهم، ونقص التجهيزات والمختبرات، يؤدي حتماً إلى ظاهرة “التضخم الأكاديمي”، حيث تنتج الجامعات آلاف الخريجين الذين يحملون ألقاباً علمية وشهادات ورقية، لكنهم يفتقرون للمهارات الأساسية التي يتطلبها سوق العمل المعقد في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار بكل جوانبه.

كما أن تحويل الجامعات إلى مجرد “معامل للمؤهلات الهشة” لا يحل مشكلة البطالة، بل يؤجلها ويضاعف خطورتها، محولاً إياها من بطالة هيكلية إلى حالة من الإحباط المجتمعي العميق لدى شباب استثمروا سنوات من حياتهم ليجدوا أنفسهم بلا مهارات حقيقية.

ومن الزاوية الأخرى، يبرز التوسع العمودي في التعليم كمطلب لا يقبل التأجيل، والمقصود به ليس الانكفاء أو النخبوية، بل التركيز الصارم على جودة التعليم، وتطوير المناهج لتلائم التفكير النقدي وحل المشكلات، ودعم البحث العلمي التطبيقي الموجه لمشاكل التعافي (كإدارة الموارد، التعافي الاقتصادي، السلم الأهلي، إعادة ترميم رأس المال الاجتماعي)، إلى جانب الاستثمار في إعادة تأهيل الهيئات التدريسية والتعليمية والفنية، وتفعيل الشراكات مع الخبرات السورية في بلدان الاغتراب ومع الجهات الدولية الداعمة.

من دون هذا التوسع العمودي، ستظل الجامعات السورية معزولة عن التنمية الواقعية، وغير قادرة على مد القطاعات الحيوية بمهندسين وأطباء وإداريين ومخططين استراتيجيين يمتلكون الأدوات الحديثة والمهارات اللازمة لبناء الدولة والمجتمع.

كيف يمكن تحقيق معادلة التوازن الحرج؟

استناداً إلى تجارب عالمية سابقة في بلدان مرت بنزاعات طويلة ومع مراعاة الظروف الموضوعية للسياق السوري فإن السياسات المتاحة أمام قادة التعليم العالي في سوريا تقع في ثلاثة خيارات على النحو الآتي:

الخيار الأول وهو الاستمرار في الوضع القائم، وهذا يعني استمرار افتتاح الفروع والجامعات من دون ضوابط استجابة للضغط العددي والمصلحي النفعي، وهذا الخيار سوف يقود إلى الانهيار الكامل لجودة منظومة التعليم العالي.

الخيار الثاني وهو الكبح القسري للتوسع الأفقي، وهذا يعني إغلاق الفروع الحديثة وتجميد الاستيعاب وتخصيص الموارد المتاحة على الكليات القائمة فقط، وهذا الخيار قد ينجم عنه أزمة اجتماعية وسياسية ناتجة عن حرمان آلاف الشباب من المقاعد الجامعية وحرمان بعض المستثمرين من منافع الاتجار الخاص في التعليم العالي.

الخيار الموصى به، التوازن الذكي وهو عدم إيقاف التوسع الأفقي كلياً، بل ربطه بمعايير اعتماد جودة مرحلية صارمة، بالتوازي مع إطلاق مبادرات سريعة للتوسع العمودي. وهذا الخيار سوف يؤدي إلى حماية حق الوصول للتعليم مع صيانة أدنى مستويات الجودة والمهارات.

الخيار الثالث وهو الخيار الموصى به، التوازن الذكي وهو عدم إيقاف التوسع الأفقي كلياً، بل ربطه بمعايير اعتماد جودة مرحلية صارمة، بالتوازي مع إطلاق مبادرات سريعة للتوسع العمودي. هذا الخيار سوف يؤدي إلى حماية حق الوصول للتعليم مع صيانة أدنى مستويات الجودة والمهارات.

والتحدي الذي يواجه التعليم العالي في سوريا لا يتطلب مفاضلة تعسفية بين إغلاق الأبواب أمام الشباب أو فتحها على مصراعيها من دون معايير، بل يتطلب إدارة حكيمة للتوازن بين الاتجاهين، مما يستوجب توجيه التوسع الأفقي نحو التعليم الفني والتطبيقي والمعاهد التقنية والمهنية الحديثة، بدلاً من التوسع العشوائي في التخصصات النظرية المكتظة أصلاً، هذا المسار يضمن استيعاب الشباب وتزويدهم بمهارات سريعة النفاذ لسوق العمل وهذا يتوافق مع احتياجات سوق العمل.

كما يستوجب ربط التوسع الأكاديمي بنظام اعتماد ومراقبة جودة صارم ومستقل، يطبق على التعليم العام والخاص بلا استثناء، من أجل تحقيق الحد الأدنى من الكفاءة والموارد قبل الشروع به، فكثير من القرارات التي صدرت عن وزارة التعليم العالي مؤخراً ذات الصلة بافتتاح كليات وأقسام أو تعادل الشهادات أو تعليمات التعاقد والتدريس، لا يبدو أنها مرت عبر نظام اعتماد ومراقبة جودة.

وكذلك ينبغي التوجه نحو الاستثمار الاستراتيجي في التوسع العمودي من خلال مراكز تميز بحثية وتوظيف تقنيات “التعليم المدمج”، للاستفادة من الكفاءات الأكاديمية السورية المنتشرة حول العالم والاستفادة من الشراكات الدولية وذلك عبر الفضاء الرقمي.

وفي الختام يمكننا القول بأن دور التعليم العالي في بناء المستقبل السوري لن يتحقق بمجرد زيادة أعداد حملة الشهادات الجامعية، بل بنوعية المعرفة والمهارات والقيم التي يخرج بها هؤلاء الشباب إلى مجتمعاتهم وميادين عملهم، كما أن الاستمرار في التوسع الأفقي غير المدروس هو تأجيل للأزمة وتعميق لها، في حين يظل الاستثمار في جودة التعليم وعموديته هو القاطرة الحقيقية للتعافي وإعادة البناء وفق الأدوات والأساليب الحديثة والتي تتسق مع الحالة السورية.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى