
في مساء الخميس 6 آب/أغسطس 2026، هز انفجار عبوة ناسفة حافلة للنقل الداخلي في مدينة جرمانا بريف دمشق، موقعًا ضحايا من المدنيين. ولم يكن هذا الحادث الأول من نوعه، إذ سبقته تفجيرات مشابهة استهدفت العاصمة في مناسبات مختلفة، ما يؤكد أن هناك من يسعى إلى إبقاء السوريين أسرى الخوف، وإعاقة عودة الحياة الطبيعية إلى البلاد.
إن التفجيرات التي تستهدف المدنيين لا تحقق أي مكسب عسكري، ولذلك فإن قراءتها يجب أن تكون سياسية ونفسية أكثر منها أمنية. فالهدف لا يقتصر على إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، بل يتعداه إلى ضرب الشعور بالأمان، وإقناع السوريين بأن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن الاستقرار ما يزال هشًا وقابلًا للانهيار في أي لحظة. كما أنها ترسل رسالة إلى المجتمع الدولي بأن سوريا لا تزال بيئة مضطربة، وهو ما قد ينعكس على قرارات الاستثمار، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، والانفتاح السياسي والدبلوماسي.
وتزداد أهمية هذا التحليل إذا نظرنا إلى توقيت بعض العمليات التي تزامنت في السابق مع مناسبات سياسية وزيارات خارجية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هذه الأعمال تهدف إلى التشويش على أي تقدم تحققه الدولة السورية في علاقاتها الخارجية. فالرسائل السياسية التي تحملها القنابل قد تكون، في بعض الأحيان، أهم بالنسبة إلى منفذيها من حجم الخسائر البشرية نفسها.
ومن الطبيعي أن يثار السؤال: من المستفيد من بقاء سوريا في حالة اضطراب؟ وحتى الآن لا توجد نتائج تحقيق رسمية تسمح بتحديد المسؤولية، لكن النقاش السياسي يطرح عدة احتمالات. فمن جهة، قد ترى إيران أن أي مسار يعزز استقلال القرار السوري ويقلص نفوذها داخل البلاد لا يخدم مصالحها، بينما قد تنظر إسرائيل إلى استمرار الاضطراب الداخلي بوصفه عاملًا يحد من تعافي سوريا واستعادة قدراتها، ويُبقيها منشغلة بأزماتها الداخلية. كما أن بقايا النظام السابق والشبكات المرتبطة به قد تجد في الفوضى فرصة لإثبات أن المرحلة الجديدة غير قادرة على فرض الأمن، وأن البلاد لا يمكن أن تستقر من دون عودة منظومة الحكم القديمة أو استمرار نفوذها. وهذه الاحتمالات تبقى في إطار التحليل السياسي، ولا تغني عن انتظار نتائج التحقيقات والأدلة القضائية.
إن استهداف المدنيين ليس مجرد جريمة، بل هو محاولة لضرب الثقة بين المواطن والدولة، وإبطاء أي مشروع لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع. فالأمن هو الشرط الأول لأي نهضة، وعندما يتزعزع الأمن تتراجع الاستثمارات، وتتأخر مشاريع الإعمار، ويزداد تردد السوريين في العودة إلى مدنهم وقراهم.
لقد دفعت سوريا ثمنًا باهظًا خلال سنوات الحرب، ومن المؤلم أن يستمر الأبرياء في دفع هذا الثمن بعد كل ما جرى. غير أن مواجهة الإرهاب لا تكون بالخوف، بل ببناء مؤسسات أمنية قوية، وتعزيز سيادة القانون، وكشف كل من يقف خلف هذه الجرائم ومحاسبته. فالاستقرار هو المعركة الحقيقية اليوم، وكل من يسعى إلى تقويضه، أيًا كانت هويته أو دوافعه، إنما يستهدف مستقبل سوريا قبل أن يستهدف أبناءها.






