
تواصل الجهات الرسمية السورية، بالتعاون مع الهيئة الوطنية للمفقودين والمؤسسات الأممية والدولية المختصة، بناء مسار وطني متكامل لمعالجة ملف المقابر الجماعية، وكشف مصير المفقودين والمختفين قسرا، من خلال تطوير الأطر القانونية والفنية، وتوظيف تقنيات التحقق من هوية الرفات، وحماية الأدلة، وصون كرامة ضحايا نظام الأسد المخلوع وحقوق عائلاتهم.
وجاء اللقاء الذي جمع الوزير الداخلية أنس خطاب ورئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي، الاثنين، في مبنى وزارة الداخلية، ضمن جهود حكومية تهدف إلى الكشف عن مواقع المقابر الجماعية التي ما تزال مجهولة، والوصول إلى معلومات حاسمة بشأن مصير مئات آلاف السوريين الذين فقدوا خلال العقود الماضية.
وذكرت وزارة الداخلية، عبر قناتها الرسمية على “تلغرام”، أن الاجتماع تناول سبل استخدام التقنيات الحديثة للتحقق الدقيق من هوية الرفات، والتحضيرات لإعداد خطة عمل متكاملة ضمن مشروع وطني تشارك فيه جميع الجهات ذات الصلة، إلى جانب إرساء آلية مشتركة بين الوزارة والهيئة لمتابعة عمليات الكشف عن المقابر الجماعية.
وأكد الجانبان أهمية تنسيق الجهود وتكامل الأدوار، للوصول إلى نتائج موثوقة في هذا الملف الإنساني، وكشف مصير المفقودين، وحفظ حقوق ذويهم، ووضع إجراءات مهنية موحدة تراعي المتطلبات القانونية والفنية واللوجستية.
وتستهدف الجهود الحالية تقدير حجم الاحتياجات المتعلقة بعمليات المسح والحماية والتوثيق ورفع الرفات وتحليلها، وتحديد الجهات المسؤولة عن كل مرحلة، بما يضمن سلامة سلسلة حفظ الأدلة، ويمنع العبث بالمواقع، ويحافظ على إمكان استخدامها في التحقيقات القضائية ومسارات العدالة الانتقالية.
وتواجه سوريا واحدة من أكبر أزمات المفقودين في العالم، إذ تتراوح التقديرات الحكومية لعددهم بين 130 ألفا و300 ألف شخص خلال نحو خمسة عقود، غالبيتهم فقدوا بعد عام 2011، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 23 مليون نسمة.
وتضع هذه الأرقام سوريا بين الدول الأكثر تضررا من حيث العدد المطلق والنسبة إلى السكان، وتجعل قضية المفقودين ملفا يمس معظم العائلات بصورة مباشرة أو عبر الأقارب والمجتمعات المحلية، مع ما يترتب عليه من آثار إنسانية وقانونية واجتماعية واقتصادية ونفسية ممتدة.
وتمثل معرفة المصير حقا أصيلا للعائلات، وشرطا لأي مسار جاد نحو الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وبناء السلام، إذ بقي آلاف الأزواج والأبناء والآباء لسنوات من دون معلومات موثوقة، أو وثائق وفاة، أو قدرة على تسوية الأوضاع القانونية المتعلقة بالميراث والزواج والملكية والحقوق المدنية.
آلية وطنية لكشف المصير
أتاح سقوط نظام الأسد المخلوع في الثامن من كانون الأول 2024 فرصة غير مسبوقة لمعالجة الأزمة، بعد أن أصبح ممكنا إجراء عمليات البحث داخل الأراضي السورية، والوصول إلى السجون والمراكز الأمنية والمواقع المحتملة للدفن، والتواصل المباشر مع العائلات، وإنشاء هيئة وطنية متخصصة تقود العمل في هذا المجال.
واستجابت الهيئة الوطنية للمفقودين، في التاسع والعشرين من تموز الماضي، لبلاغ قدمه أهال عن موقع يشتبه باحتوائه على رفات بشرية في حي جوبر بدمشق، وأجرت بالتنسيق مع الجهات المختصة تقييما ميدانيا أوليا لتحديد متطلبات الاستجابة الفنية والقانونية واللوجستية.
وتهدف المعاينة الأولية إلى حماية الموقع، وتقييم طبيعته ومساحته، وتحديد احتمالات وجود رفات بشرية، وتقدير حاجته إلى خبراء في الطب الشرعي والآثار الجنائية والهندسة والمسح، تمهيدا لاتخاذ الإجراءات وفق المعايير المهنية المعتمدة.
كما استجابت الهيئة في التاسع من تموز لبلاغ مماثل بشأن موقع في بلدة عيشة بريف حلب الشرقي، ونفذت تقييما أوليا بالتنسيق مع الجهات المعنية، مع التشديد على حماية الأدلة وصون كرامة الضحايا.
وأكدت الهيئة أن التعامل مع البلاغات يجري ضمن مقاربة إنسانية ومهنية تراعي حق العائلات في معرفة الحقيقة، وتحافظ على سلامة عمليات التوثيق والتحقق، وتمنع اتخاذ خطوات متسرعة قد تؤدي إلى تلف الأدلة أو اختلاط الرفات أو فقدان المعلومات المرتبطة بمكان العثور عليها.
ودعت الأهالي إلى عدم الاقتراب من المواقع المشتبه باحتوائها على رفات بشرية أو مقابر جماعية، وعدم نقل أي موجودات منها، والإبلاغ عنها عبر القنوات الرسمية، ومنها البريد الإلكتروني والأرقام التي خصصتها الهيئة لاستقبال المعلومات.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية ميدانية وقضائية، لأن تحريك العظام أو الملابس أو المتعلقات الشخصية يغير السياق الأصلي للموقع، ويصعب تحديد عدد الضحايا وطريقة الوفاة والتسلسل الزمني، ويضعف القدرة على ربط الأدلة بالجهات والأشخاص المسؤولين عن الجرائم.
مقابر منتشرة وحاجة إلى المهنية
عثرت الجهات المختصة منذ تحرير البلاد على مواقع دفن ومقابر جماعية في مناطق سورية عدة، تضم رفات أشخاص يرجح أنهم قضوا نتيجة جرائم وانتهاكات ارتكبها النظام المخلوع وأجهزته وميليشياته خلال سنوات الثورة.
ودعت الهيئة الوطنية للمفقودين، في حزيران الماضي، وسائل الإعلام والصحفيين والناشطين والجمهور إلى الامتناع عن تصوير الرفات البشرية أو مواقع الدفن المحتملة ونشرها خارج الأطر المهنية والقانونية، حفاظا على كرامة الضحايا وسلامة الأدلة.
وأوضحت أن التداول غير المسؤول لهذه المشاهد قد يلحق أذى نفسيا بالعائلات، ويخلق استنتاجات غير دقيقة حول هوية الضحايا، ويؤثر في التحقيقات، ويعرض الأشخاص المتدخلين في الموقع لمسؤوليات قانونية.
ويضع هذا التوجيه وسائل الإعلام أمام مسؤولية أخلاقية تتطلب الفصل بين حق الجمهور في المعرفة واحترام حرمة الموتى وخصوصية الأسر، والاعتماد على البيانات الرسمية والمعلومات التي تثبتها الجهات الفنية، وتجنب نشر الصور الصادمة أو الأسماء غير المؤكدة.
قانون وطني شامل
قال المستشار القانوني في الهيئة الوطنية للمفقودين أنور مجني، في مقابلة تلفزيونية خلال تموز الماضي، إن الهيئة تعمل على إعداد مشروع قانون وطني شامل للمفقودين، وفق نهج تشاركي يضمن مشاركة العائلات وروابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني والخبراء والجهات الدولية المختصة.
وسجل نحو 500 مشارك وجهة في المشاورات الوطنية الخاصة بإعداد المبادئ الحاكمة للقانون، في مؤشر على اتساع الاهتمام بالملف، وحاجة العائلات إلى إطار قانوني ينظم البحث والتوثيق وتبادل البيانات والتعرف إلى الرفات وتقديم الدعم.
وأوضح مجني أن خطة المشاورات تعتمد الشفافية والتشاركية، وتسعى إلى جمع مقترحات ذوي المفقودين وتحويل احتياجاتهم إلى نصوص قانونية قابلة للتطبيق، مع إبقاء محاور النقاش مفتوحة أمام الأفكار والملاحظات.
وتبدأ عملية إعداد المسودة باستقبال المداخلات وتحليلها وتصنيفها، ثم مناقشتها مع قانونيين وأكاديميين وخبراء في الطب الشرعي وإدارة البيانات وحقوق الإنسان، وصولا إلى صيغة متكاملة تحال إلى مجلس الشعب لإقرارها وفق الأصول.
وتشمل محاور القانون شكل الهيئة واختصاصاتها وصلاحياتها واستقلالها، والوضع القانوني للمفقودين وحقوق ذويهم، وإدارة المقابر الجماعية، وحماية المعلومات، وإنشاء قواعد البيانات، والتعاون الدولي، وآليات تقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي.
كما تعمل الهيئة على افتتاح مكاتب في المحافظات، لمساعدة العائلات على إدخال المعلومات عبر المنصة الإلكترونية المرتقبة، وتقديم الخدمات القانونية والنفسية، وتنفيذ زيارات ميدانية تصل إلى الأسر في أماكن وجودها.
ويرى مراقبون أن المشاورات تمثل خطوة تأسيسية لمسار طويل، غايته تحويل حق معرفة الحقيقة إلى التزام مؤسسي دائم، وبناء الثقة بين الدولة والعائلات، ووضع قواعد تمنع التشتت وتضارب الصلاحيات وضياع الأدلة.
العدالة والمحاسبة
قال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو، في حديث لـ”الثورة السورية”، إن المقابر الجماعية التي حفرها النظام المخلوع وأخفى فيها جثث الضحايا تنتشر في مناطق كثيرة، وإن عمليات الدفن هدفت إلى طمس الأدلة ومنع الوصول إلى معلومات تدين المسؤولين عن الجرائم.
وأشار إلى أن تعقيد الملف واتساعه يجعلان إنجازه يحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل، بسبب العدد الكبير للمفقودين وتعدد المواقع ومحدودية الإمكانات البشرية والتقنية والمالية.
وأكد أن الكشف عن المقابر وتحديد هوية الضحايا جزء أساسي من العدالة الانتقالية، ومسار ضروري لمحاسبة الجناة، وفي مقدمتهم بشار الأسد والمسؤولون عن أجهزة النظام المخلوع وعمليات الاعتقال والتعذيب والقتل والإخفاء.
وشدد سعدو على الحاجة إلى مختبرات الحمض النووي “DNA”، وقواعد بيانات مرجعية لعينات العائلات، وخبراء قادرين على تحليل الرفات ومقارنتها، مع توفير التمويل والتعاون الدولي اللازمين.
ولا تقتصر أهمية التحليل الجيني على تحديد اسم الضحية، إذ يساعد في تسليم الرفات إلى العائلة، وإصدار الوثائق القانونية، وتحديد أنماط الجرائم، وربط الضحايا بمراكز الاحتجاز أو مواقع العمليات، ودعم الملفات القضائية.
هيئة مستقلة وصلاحيات وطنية
أصدر الرئيس أحمد الشرع، في السابع عشر من أيار 2025، المرسوم رقم 19 القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين، وكلفها البحث عن المفقودين والمختفين قسرا، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني للعائلات.
ولاقى تأسيس الهيئة ترحيبا عربيا ودوليا، إذ اعتبرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الخطوة بداية ضرورية لمعالجة أحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيدا في سوريا.
كما رحبت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين “ICMP” بإنشاء الهيئة، ورأت فيه فرصة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة والكشف عن مصير نحو 200 ألف شخص، وتعزيز مسؤولية الدولة تجاه الضحايا وأسرهم.
وجرى خلال لقاء رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في دمشق، التأكيد على مركزية العائلات وحقوقها واحتياجاتها في جميع الجهود.
كما أكد اللقاء القيادة الوطنية للملف، وتنظيم التعاون مع الأمم المتحدة والمجتمع المدني والشركاء وفق توزيع واضح للأدوار، يدعم المؤسسات السورية ويمنع الازدواجية وتداخل الاختصاصات.
معالجة آلاف الوثائق
قالت رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا كارلا كينتانا إن المؤسسة عالجت أكثر من 75 ألف وثيقة خلال عام 2025، ما أتاح البدء في تقديم بعض الإجابات للعائلات، وفهم أنماط الاختفاء بصورة أدق.
وأوضحت أن العمل يشمل حالات الاختفاء القسري في عهد النظام المخلوع، والمهاجرين المفقودين، والأطفال الذين فقدوا في سياق الاحتجاز لدى الأجهزة الأمنية، والأشخاص الذين اختفوا على يد جماعات مسلحة بينها تنظيم “داعش”، إضافة إلى الحالات الراهنة.
وأكدت استمرار العمل على ملف الأطفال الذين فقدوا داخل مراكز الاحتجاز أو بعد فصلهم عن أسرهم، بهدف تتبع مساراتهم ومعرفة ما تعرضوا له وتقديم المعلومات المتاحة إلى ذويهم.
وأشارت إلى تعاون المؤسسة مع الهيئة الوطنية في إعداد خرائط لمئات المقابر الجماعية، وتطوير آليات لتحليل المعلومات وتبادلها، بما يدعم عمليات الطب الشرعي والتعرف إلى الهوية مستقبلا.
وتقدمت المؤسسة بطلب لإنشاء مكتب دائم في سوريا، بما يسمح لها بالعمل المباشر مع العائلات والجهات الحكومية وتنفيذ ولايتها ميدانيا، وتعزيز الثقة والتنسيق داخل البلاد.
وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أنشأت المؤسسة المستقلة في حزيران 2023، بهدف تحديد مصير ومكان جميع الأشخاص المفقودين في سوريا، ودعم الناجين وأسر المفقودين.
نساء عائلات المفقودين
التقى جلخي ومندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، في السابع والعشرين من تموز، عددا من نساء عائلات المفقودين والمختفين قسرا، ضمن جلسة ناقشت مبادرة اعتماد يوم دولي لنساء عائلات المفقودين.
وجاء اللقاء للاستماع إلى تجارب النساء واحتياجاتهن، وإشراكهن في تصميم المبادرة، تقديرا لدورهن في حفظ الذاكرة والدفاع عن حق معرفة المصير وإبقاء القضية حاضرة وطنيا ودوليا.
وأكد جلخي أن أي مبادرة تخص العائلات يجب أن تبنى بالشراكة مع أصحاب القضية، وخاصة النساء اللواتي تحملن أعباء الغياب والبحث والإعالة والانتظار لسنوات طويلة.
وتتنوع أسباب الفقد في سوريا بين الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والقتل داخل السجون والدفن في مواقع مجهولة، والهجرة غير النظامية، والاختفاء على يد التنظيمات المسلحة، وفصل الأطفال قسرا عن أسرهم وإيداعهم في مؤسسات كانت تتبع للنظام المخلوع.
ويمثل المشروع الوطني الجاري محاولة لجمع هذه المسارات ضمن منظومة واحدة، تقودها الدولة بالشراكة مع العائلات والخبراء والمؤسسات المتخصصة، وتجمع بين الحقيقة والطب الشرعي والقانون والدعم النفسي والمساءلة.
ويحتاج الوصول إلى نتائج حاسمة إلى وقت وموارد وخبرات، مع التزام ثابت بحماية الأدلة وكرامة الضحايا واستقلال التحقيقات، لأن كل رفات يستعاد ويحمل اسما يعيد إلى عائلة جزءا من حقها، ويقرب سوريا خطوة من كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإنصاف مئات آلاف الأسر.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






