
“انتصرت الدولة ونصرت الشعب”، بهذه العبارة لخّص رئيس بلدية عين منين في ريف دمشق نهاية أزمة شغلت الرأي العام السوري، خلال الأيام الماضية.
الأزمة بدأت باعتراض أهالي البلدة على أعمال مرتبطة بأحد آبار المياه، قبل أن تتسع سريعاً وتتحول إلى احتجاجات شعبية وتوتر أمني وتوقيفات وإصابات، ثم تنتهي باللجوء إلى الحوار، والإفراج عن الموقوفين، وتشكيل لجنة تتولى دراسة ملف المياه والبحث عن حل يراعي حقوق الأطراف المعنية.
غير أن دلالة العبارة لا تقتصر على إعلان انتهاء الأزمة، بل تتجاوزها إلى المعنى السياسي والوطني الذي تحمله. فرئيس البلدية قال إن “الدولة انتصرت”، ولم يقل إن الحكومة أو السلطة انتصرت.
والتمييز بين هذه المفاهيم ليس مسألة لغوية أو شكلية، بل يمس جوهر العلاقة التي ينبغي للسوريين أن يعيدوا بناءها مع مؤسساتهم، بعد عقود من الخلط المتعمد بين الدولة والحاكم والحزب والأجهزة الأمنية.
الدولة ليست الحكومة، والحكومة ليست السلطة، والسلطة ليست الأجهزة الأمنية، الدولة هي الإطار الجامع، الذي يضم المواطنين والمؤسسات والقانون والمصلحة العامة، وهي لا تقف في مواجهة المجتمع، لأنّ المجتمع ليس طرفاً خارجها، بل هو أساس وجودها ومصدر شرعيتها.
هيبة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إسكات المواطنين، بل بقدرتها على الاستماع إليهم، والتفاعل مع مطالبهم، وإنصافهم، وتطبيق القانون عليهم وعلى مؤسساتها بالقدر نفسه..
أمّا الحكومة فهي جهاز تنفيذي يدير شؤون البلاد، يصيب ويخطئ، ويخضع للمساءلة والمحاسبة، والموظف العام، مهما علا موقعه، ليس الدولة، كما أن قرار المؤسسة الحكومية لا يصبح مقدساً لمجرد صدوره عنها.
يمكن مراجعة القرارات والمراسيم والتشريعات وتعديلها، ويمكن مساءلة المسؤولين عن أخطائهم، في حين تبقى الدولة إطاراً جامعاً لجميع مواطنيها، لا ملكاً لحكومة أو حزب أو جهاز أمني.
لهذا، لم يكن انتصار الدولة في عين منين ممكناً عبر فرض مشروع المياه بالقوة، أو كسر احتجاج الأهالي، أو إبقاء الموقوفين خلف القضبان تحت ذريعة الحفاظ على “هيبة الدولة”، الانتصار تحقّق عندما سُحب فتيل التوتر، وأُفرج عن الموقوفين، وفُتح باب الحوار، وبدأ البحث عن حل يضمن العدالة في توزيع الموارد ويحفظ حقوق مختلف الأطراف.
إذاً، هيبة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إسكات المواطنين، بل بقدرتها على الاستماع إليهم، والتفاعل مع مطالبهم، وإنصافهم، وتطبيق القانون عليهم وعلى مؤسساتها بالقدر نفسه، وعندما تعترف مؤسسة رسمية بخطأ، أو تراجع قراراً ثبت عدم صوابه، فإنها لا تفقد هيبتها، بل تعزز ثقة المواطنين بها.
كشفت أحداث عين منين أيضاً، مدى سهولة استدعاء الحساسيات بين المدن والبلدات والقرى المتجاورة في سوريا، حتى عندما تنتمي هذه المناطق إلى البيئة الاجتماعية والثقافية نفسها، وتجمعها روابط عائلية وأهلية وثيقة.
لم يعمل حكم “عائلة الأسد” و”حزب البعث”، طوال عقود، على احتواء هذه الحساسيات أو معالجتها عبر بناء مؤسسات عادلة، بل استثمرها في كثير من الأحيان، وعززها، واستخدمها أداة لإحكام السيطرة وإضعاف الروابط بين المجتمعات المحلية.
وبدلاً من بناء مواطنة متساوية، جرى التعامل مع السوريين على أساس مناطقهم وطوائفهم وعائلاتهم وولاءاتهم، كما تحوّلت الإدارة المحلية، في كثير من الأحيان، من مساحة للتعاون وخدمة السكان إلى امتداد للأجهزة الأمنية وشبكات النفوذ السياسي والاقتصادي.
وخلال لقائه أهالي عين منين، أشار مدير الأمن الداخلي في ريف دمشق، العميد أحمد الدالاتي، إلى أن عائلة الأسد “أورثت السوريين حساسيات مناطقية”، وهي ملاحظة ينبغي ألا تبقى في إطار التشخيص، بل أن تتحوّل إلى مسار عمل واضح، لأن الاعتراف بالإرث وحده لا يكفي، وإنما يجب تفكيكه بالعدالة والشفافية والتواصل المباشر بين المجتمعات المحلية.
فلا يمكن بناء سوريا الجديدة عبر تبديل المسؤولين والإبقاء على آليات الحكم القديمة، المطلوب إنهاء الطريقة، التي تجعل كل بلدة تشعر بأنها مضطرة إلى الدفاع عن حقوقها في مواجهة جيرانها، أو أن الموارد لا توزع وفق الحاجة والقانون، بل وفق النفوذ والقرب من مراكز القرار.
من حق السوريين أن يسألوا عن قدرة مجلس الشعب ولجانه المختصة على استدعاء المسؤولين، وطلب توضيحات بشأن الأسباب، التي حوّلت خلافاً خدمياً إلى توتر أمني، والتحقق من كيفية التعامل مع المحتجين، ومتابعة أوضاع المصابين والموقوفين..
وعلى سبيل المثال، لو كانت قنوات المشاركة المحلية أكثر فاعلية، لكان من الممكن معالجة الخلاف قبل وصول الحفارة إلى موقع البئر، وقبل اضطرار الأهالي إلى النزول إلى الشارع.
ويمكن للمجالس المحلية إنشاء لجان مشتركة بين المناطق المتجاورة، تتولى إدارة الملفات الخلافية ومنع تحولها إلى صراع أهلي، كما يمكن لهذه اللجان أن تضم مختصين ووجهاء وممثلين عن الشباب والفعاليات الاقتصادية والمجتمع المدني، بدلاً من إبقاء النقاش محصوراً بين الأجهزة التنفيذية وبعض الشخصيات النافذة.
كذلك، لا ينبغي أن يغيب دور مجلس الشعب عن هذا النوع من القضايا، حتى عندما تبدو المشكلة محلية وخدمية، فمن واجب النواب الممثلين لمحافظة ريف دمشق متابعة ما جرى، والاستماع إلى أهالي عين منين والتل، وطلب البيانات الفنية من مؤسسة المياه، والتحقق من قانونية المشروع وسلامة إجراءاته وعدالة توزيع الموارد.
ومن حق السوريين أن يسألوا عن قدرة مجلس الشعب ولجانه المختصة على استدعاء المسؤولين، وطلب توضيحات بشأن الأسباب، التي حوّلت خلافاً خدمياً إلى توتر أمني، والتحقق من كيفية التعامل مع المحتجين، ومتابعة أوضاع المصابين والموقوفين.
وتقع على السلطة التشريعية مسؤولية أوسع تتمثل في مراجعة القوانين المتعلقة بإدارة المياه والملكية والإدارة المحلية والاحتجاج السلمي، وسد الثغرات التي تسمح للنفوذ الشخصي بأن يتقدم على القانون والمصلحة العامة.
من أخطر الظواهر، التي رافقت أزمة عين منين انتشار خطاب جاهز لتخوين أهالي البلدة، والدفاع الأعمى عن أي إجراء حكومي أو أمني.
وظهرت تعليقات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تعاملت مع البلدة بأكملها بوصفها موضع شبهة، وطالبت بفرض ما سمته الأمن والاستقرار بالقوة، حتى لو استدعى ذلك استخدام السلاح. وحاول آخرون التشكيك في إضراب التجار، متسائلين: لماذا لم يقدموا على خطوة مماثلة في عهد “الأسد”؟
يتجاهل هذا السؤال حقيقة واضحة: في عهد “الأسد” لم يكن الإضراب متاحاً أصلاً، كان الاعتراض على قرار حكومي أو إغلاق متجر احتجاجاً كافياً للاعتقال ومصادرة الممتلكات وفتح المحال بالقوة، لذلك، فإن قدرة السوريين اليوم على الاحتجاج السلمي ليست دليلاً ضدهم، بل علامة على بداية تحرر المجتمع وكسر جدران الخوف.
ولا يمكن بناء دولة القانون إذا استمر بعض السوريين في استخدام قاموس الأجهزة الأمنية القديمة، قاموس لا يبحث عن الحقيقة، بل يلغيها، ولا يميز بين من ارتكب مخالفة ومن مارس حقه في الاعتراض.
والأخطر من ذلك هو النظر إلى القوة بوصفها الحل الأسرع لكل خلاف. فإطلاق النار في الهواء ليس إجراءً عابراً في مجتمع خرج من حرب طويلة، وما تزال ذاكرته مثقلة بأصوات القصف والمداهمات والمجازر، وعلى مقربة من موقع البئر نفسه شهدت عين منين، في صباح عيد الفطر عام 2012، واحدة من أقسى اللحظات في تاريخها، عقب موجة من القصف طالت مدينة التل.
فقد اقتحمت قوات النظام المخلوع البلدة، ونفذت حملات مداهمة واعتقال واسعة، ما اضطر عدداً من شبابها إلى الفرار نحو الجبال القريبة، وهناك، فتحت القوات نيران الرشاشات المتوسطة والثقيلة، فسقط ضحايا ما تزال ذكراهم حاضرة في قلوب عائلاتهم وأبناء البلدة.
لذلك، فإن حساسية الأهالي تجاه أصوات الرصاص ليست مبالغة، بل استجابة لذاكرة موجعة لم تلتئم جراحها بعد، وهي حالة لا تقتصر على عين منين، بل تمتد إلى معظم المدن والبلدات السورية التي عاشت تجارب مماثلة.
من الدروس المهمة أيضاً أن الخلافات بين المناطق لا تُعالج بالانحياز إلى طرف، أو باستدعاء حساسيات الماضي، بل بالإدارة العادلة للموارد، وفتح حوار مباشر بين المجتمعات المتجاورة..
ومن هنا، ينبغي للمؤسسات الأمنية أن تدرك أن التعامل مع المجتمع السوري اليوم لا يمكن أن يقوم على استنساخ أساليب الماضي، وأن أي استخدام غير منضبط للسلاح قد يستدعي لدى الناس ذاكرة كاملة من الخوف والعنف، ويعيد فتح جروح لم تندمل بعد.
انتهت أزمة عين منين، لكن أهميتها لا تتوقف عند الطريقة التي انتهت بها، بل تمتد إلى القضايا التي كشفتها والدروس التي ينبغي استخلاصها منها، وأولى هذه الخلاصات أن الملفات الخدمية ليست مسائل فنية معزولة، بل قضايا تمس حياة الناس وكرامتهم وشعورهم بالعدالة، ولذلك لا يمكن إدارتها بقرارات مغلقة أو بإجراءات تفتقر إلى الشفافية والمشاركة المحلية.
وأظهرت الأزمة أن الاحتجاج السلمي لا يشكل خطراً على الدولة، وأن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تغيب القنوات التي تتيح للمواطنين التعبير عن اعتراضاتهم، فيتراكم الغضب ويتحول إلى توتر، كما أكدت أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يقوم أساساً على الثقة، وأن بناء هذه الثقة يحتاج إلى قانون واضح ومؤسسات تشرح قراراتها، وتتحمل مسؤولياتها، وتخضع للمساءلة.
ومن الدروس المهمة أيضاً أن الخلافات بين المناطق لا تُعالج بالانحياز إلى طرف، أو باستدعاء حساسيات الماضي، بل بالإدارة العادلة للموارد، وفتح حوار مباشر بين المجتمعات المتجاورة، وبناء مؤسسات تحول من دون تحوّل التنافس على الخدمات إلى نزاع اجتماعي.
أمّا الخلاصة الأبرز، فهي أنّ السوريين بحاجة إلى إعادة تعريف علاقتهم بالدولة، فالدولة ليست شخصاً أو حزباً أو جهازاً أمنياً، ولا ينبغي أن يكون المواطن مجرد متلقٍ سلبي لما يصدر عن مؤسساتها من قرارات.
نعم، الدولة عقد بين المواطنين ومؤسساتهم، يحمي الحقوق، ويحدد الواجبات، ويُخضع الجميع للقانون، وبهذا المعنى، انتصرت الدولة في عين منين عندما لم تنتصر على أهلها، بل انتصرت بهم ولهم.
المصدر: تلفزيون سوريا






