
يعيش العالم اليوم سباقاً جديداً في التسلح والتصنيع العسكري، يكاد يشبه ذلك السباق الذي شهده في القرن العشرين خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، بل أصبح التوجه الرئيسي للدول وشغلها الشاغل بناء قاعدة صناعية عسكرية، تحقق لها الاكتفاء الذاتي، أو على الأقل جزءاً كبيراً منه.
لم يأتِ هذا التوجه عبثاً، وإنما جاء بعد عقود من الزمن، أثبتت فيها السياسة العالمية أن القوة لا تُشترى بالمال، والإرادة لا تُستورد من الآخرين، وأنّ الأموال الطائلة التي يمكنها شراء أسراب من الطائرات الحديثة والصواريخ العابرة للقارات قد تصبح في لحظة ما غير قادرة على منحك حتى بندقية صيد، نتيجة صفقة أو تفاهم سياسي بين دول كبرى.
وهذا ما شهدناه بوضوح خلال الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الهندية الباكستانية، واليوم نشهده في الحرب الأمريكية الإيرانية.
يتوجب على العرب اليوم أن يكونوا أكثر الناس تفهماً لهذه المعادلة، لأنهم كانوا ضحايا لمثل هذه الصفقات منذ سنين طويلة، ولطالما كان شراؤهم للسلاح وسيلةً لتدخل الآخرين في شؤونهم السياسية، والتأثير في قراراتهم السيادية.
ولنا في التجربة المصرية قبل حرب أكتوبر عام 1973 درس مهم كان ينبغي ألّا ننساه ، فقد اصطدمت مصر آنذاك بتردد الاتحاد السوفييتي في تزويدها ببعض أنواع الأسلحة والتقنيات العسكرية المتقدمة، نتيجة حساباته السياسية وعلاقاته بالولايات المتحدة، الأمر الذي كشف أن مصالح الدول الكبرى قد تتقدم على مصالح أقرب حلفائها عندما تتعارض معها ، ولولا القرارات الشجاعة التي اتخذها المصريون آنذاك، لما تمكنوا من كسر حالة الجمود التي فرضتها تلك القيود.
وفي هذا الإطار، لا بد أن نستذكر أيضاً ما شهدته الحرب العراقية الإيرانية في سنواتها الأولى، عندما خضعت إمدادات السلاح لحسابات الدول الكبرى، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على موازين القوى في ساحة المعركة، وأثبت أنّ السلاح لم يكن يوماً مجرد سلعة، بل أداة من أدوات السياسة.
إنّ هذين المثالين يجعلاننا نقف أمام حقيقة تاريخية، وهي أنّ السلاح والقوة هما أساس الإرادة واستقلال القرار، وأنّ الأمة التي تشتري قوتها من الآخرين هي أمة منزوعة الإرادة، مسلوبة القرار، ولن يكون لها قرار مستقل يمثل مصالحها في مسرح السياسة الدولي، لأنها تبقى مكبلة بقيود التبعية والخوف الدائم من تخلي الآخرين عنها.
لقد كانت تركيا، لسنوات طويلة، ذات قرار سياسي وعسكري مقيداً، ومرتهناً إلى حد كبير للآخرين، فقد اعتمدت تاريخياً بصورة شبه كاملة، على الولايات المتحدة والدول الأوروبية لتلبية احتياجات جيشها، مما جعلها عرضة لتقلبات التحالفات والضغوط السياسية المرتبطة بصفقات التسليح.
وفي عام 1974، فرضت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية حظراً على تصدير السلاح إلى أنقرة على خلفية التدخل التركي في قبرص، مما تسبب في عجز حاد في قطع الغيار والعتاد نتيجة عدم امتلاكها قاعدة صناعية عسكرية محلية
ولطالما فرضت الولايات المتحدة قيوداً على استخدام بعض الأسلحة الأمريكية في عمليات لا توافق عليها واشنطن، كما ربطت بعض الدول الغربية صفقات التسليح بشروط سياسية وفنية، الأمر الذي جعل القرار السيادي التركي في كثير من الأحيان مقيداً بخطوط حمراء يرسمها الحلفاء الغربيون.
وقد دفعت هذه السياسات تركيا إلى التوجه نحو التصنيع العسكري المحلي، والتخلص تدريجياً من الاعتماد الكلي على الخارج في تسليح جيشها، بهدف التحرر من القيود التي كانت تصادر إرادتها السياسية والعسكرية.
واستطاعت تركيا من خلال هذا التوجه ، الوصول إلى مستوى لا بأس به من الاستقلال العسكري، وتحقيق إنجازات وابتكارات كبيرة، جعلتها تحتل مكاناً متقدماً في عالم الصناعات الدفاعية، وأن تتحول إلى دولة مصدرة للسلاح، وتعقد صفقات توريد بمليارات الدولارات، وهو ما أسهم في دعم اقتصادها بصورة كبيرة، بعد أن كانت تستجدي على أبواب العواصم الأوروبية لشراء بعض الدبابات والطائرات.
نستخلص من التجربة التركية أنّ التصنيع العسكري المحلي يعد أحد أهم ركائز الاستقلال بمختلف أنواعه:
الاستقلال السياسي:
لن تكون الدولة المصنعة للسلاح ذات قرار مرتهن يتوافق حصراً مع مصالح الدولة الموردة للسلاح وسياساتها.
الاستقلال العسكري:
لن يكون القرار العسكري خلال الحروب مرتبطاً بإرادة الدول الموردة للسلاح، التي تستطيع التأثير في سير الحرب ونتيجتها ومدتها من خلال تقليص الدعم والإمداد أو إيقافه متى شاءت.
الاستقلال الاقتصادي:
تسهم الصناعات العسكرية في تعزيز الاقتصاد الوطني من خلال استقطاب صفقات بمليارات الدولارات، وتوفير مئات الآلاف من فرص العمل، مما يساعد الدولة على تحقيق استقلال اقتصادي حقيقي.
ما الذي يتوجب على العرب اليوم؟
إن التطور الكبير الذي شهدته وسائل الحروب في السنوات الأخيرة، ودخولها مرحلة جديدة تقوم على التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطائرات المسيّرة، يمنح العرب فرصة تاريخية قد لا تتكرر، للدخول بقوة إلى عالم الصناعات العسكرية الحديثة.
ورغم استمرار تفوق الدول الكبرى في كثير من المجالات العسكرية، فإن التطورات التكنولوجية المتسارعة فتحت المجال أمام الدول الصاعدة للحاق بهذا الركب، إذا أحسنت الاستثمار في البحث العلمي والصناعة الوطنية.
وعلى العرب أن يستغلوا هذه الفرصة، وأن يوظفوا الثروات والإمكانات المالية الكبيرة التي يمتلكونها في إنشاء مراكز للبحوث والدراسات والتطوير، وتوفير جميع الإمكانات اللازمة للعقول والكفاءات الوطنية، ورصد ميزانيات ضخمة للبحث العلمي والصناعة المحلية، بوصفهما المفتاح الحقيقي للإرادة والاستقلال.
إن الأمم لا تُقاس بما تملكه من ثروات فحسب، بل بما تمتلكه من قدرة على تحويل تلك الثروات إلى قوة علمية وصناعية وعسكرية تضمن استقلال قرارها، وتحمي مصالحها، وتصنع مستقبلها بنفسها.






