
عادت ألمانيا في الأسبوعين الماضيين إلى واجهة الأحداث لسببَيْن. فمن ناحية، تصدّر الحزب اليميني “البديل من أجل ألمانيا” الانتخابات في إقليم ساكسونيا أنهالت، محقّقاً أكبر فوز منذ انتهاء النازية. ومن ناحية أخرى، تزايد التصعيد بين كلّ من برلين وموسكو، فتبادل الطرفان التهديدات، ما أثّر في الحالة الأمنية، خصوصاً بعدما طاول الاستهداف مطار لايبزيغ، المهمّ مدنياً وعسكرياً.
الحدثان، اللذان يبدوان للوهلة الأولى بعيدَيْن من بعضهما، شديدا الارتباط. فبينما يزداد الوضع سوءاً إلى درجة الحديث عن اقتراب الدخول في حرب مباشرة روسية ألمانية، يصبّ سياسيون يمينيون الزيت على النار، وهم يعبّرون عن قناعاتهم بضرورة خوض الحروب حتّى تستعيد ألمانيا مكانتها التاريخية.
المستشار الألماني فريدريك ميرتز كان قد تحدّث بحزن عن تقدّم حزب البديل، معبّراً عن إحساسه بالصدمة، لأنّ النتيجة، برأيه، لن تؤثّر فقط في إقليم ساكسونيا أنهالت، وإنّما سيتّسع مداها حتّى تشمل ألمانيا وأوروبا.
يأتي ذلك كلّه في وقت يتحدّث الناس عن صعود ثانٍ للنازية. صحيح أنّه، حتّى الآن، لا يجرؤ أحد على إعلان انتمائه للنازية بشكل صريح، إلّا أنّ كثيرين يعتبرون أنّ الجيل الجديد يحتاج أن ينهل من تلك الشعارات القومية في عالم يشهد تذويباً للهُويّات.
التمييز ضدّ الأجانب، وتقسيم المواطنين إلى أصيلين وعابرين، وهو ما بدأ في الولايات المتحدة بشكل فجّ بعد ولادة تيّار لا يتحلّى باللياقة الكافية التي تجعله يخفي أفكاره، سرعان ما وجد صداه في دول أوروبية في مقدمتها ألمانيا، التي أصبح كثيرون فيها، وفي مقدّمهم المنتمون إلى حزب البديل، يعبّرون صراحةً عن رفضهم الأجانب وسياسة التعدّد الثقافي والتنوّع.
أعادت التهديدات الروسية طرح سؤال: كيف يمكن لبلد متعدّد الثقافات أن يحارب؟ في لحظة الحرب، لن تحتاج البلاد إلى الملايين من المقيمين أو حتّى من المجنّسين، وإنّما إلى “أبناء العرق الألماني” المنتمين بشكل صادق إلى تراب وطنهم.
هذا المنطق العاطفي يخفي وراءه حقيقةً أكثر وضوحاً، أنّ ألمانيا غير مستعدّة لحرب جادّة، وذلك ليس لأنّها مليئة بالأجانب، كما يقول هذا المنطق البسيط، وإنّما لأنّها كانت تعيش عقوداً من دون تفكير في أنّها قد تحتاج إلى استعادة روح المعركة، ما جعلها تبدو حلقةً ضعيفةً في مواجهة التهديدات.
حتّى الاتكاء على حلف شمال الأطلسي (ناتو) لم يعد أمراً موثوقاً به. ألمانيون شرقيون يمينيون يأخذهم الحنين إلى فترة الشيوعية، التي كانوا فيها جزءاً من الكبرياء السوفييتي. الوضع اليوم مختلف، ومادة الدفاع المشترك الأطلسية لا تعني، في أيّ حال، أنّ الأمن الألماني جزء من الأمن الإقليمي. وهنا مفارقة يجب أن نقف عندها، وهي المتمثّلة في دورة الأيام، التي جعلت يمينيين يحنّون إلى الحكم الشيوعي، كما جعلت شرقيين كان آباؤهم ممَّن جرّبوا العيش تحت وطأة الاحتلال السوفييتي يتحوّلون إلى مقرّبين من روسيا.
يعبّر المنتمون إلى حزب البديل في ألمانيا صراحةً عن رفضهم للأجانب ولسياسة التعدّد الثقافي والتنوّع
الحقيقة أنّ حزب البديل بات يُصنّف حزباً مقرّباً من روسيا، وذلك وفق تصريحات كثيرين من أتباعه ورموزه، مثل أولريتش سيغموند، السياسي الشابّ والمتحدّث اللبق، الذي كان من أبرز المنافحين عن العلاقة مع روسيا. ولاستيعاب حساسية ذلك، نذكّر بأنّ ألمانيا من الداعمين الماليين الأكبر لأوكرانيا في حربها الحالية. صعود حزب مناصر لروسيا يأتي في وقت تفكّر أوروبا في الردّ على الاستفزازات الروسية، وتبدأ فيه ألمانيا بإغلاق ما تبقّى من قنصلياتها ومراكزها الثقافية في روسيا. هذه الحساسية تفسّر لماذا وضعت مجلة دير شبيغل الألمانية صورة سيغموند على غلافها، معنونةً: “الرجل الأخطر في ألمانيا”.
ارتباك كبير حدث لمجرّد فوز الحزب ببعض السلطات في إقليم صغير لا يتجاوز عدد سكّانه مليوني نسمة. هذه الضجّة العالمية كانت تقدّم شعوراً خادعاً بأنّ الحزب قد تصدّر المشهد السياسي فعلياً، وهو أمر غير دقيق، بل لا توجد دلائل على أنّ ما حدث قد يتكرّر في أقاليم أخرى. الاهتمام الإقليمي والعالمي الكبير كان يعبر عن الخشية من أن تقود التطوّرات المتسارعة إلى وصول الحزب إلى السلطة، ومن ثمّ انفراده بها.
يجب أن نعلم أنّ تعبير “اليمين” فضفاض وواسع ويمثّل أصواتاً مختلفة، فليس صحيحاً مثلاً أنّ جميع اليمينيين الأوروبيين مؤيّدون لروسيا. في بولندا مثلاً، التي تلقّت منطقة على حدودها ضربة روسية قبل أيام، يرتبط اليمين بالقوميين الذين يعتبرون أنّ روسيا هي الخطر الأكبر على بلادهم. بل حتّى في ألمانيا، سرعان ما يكتشف المرء أنّ تعاطف حزب البديل مع روسيا لا يعبّر عن جميع أجنحة الحزب، بقدر ما يعبّر عن تيّارات الشرق الألماني.
مزاج قد يقود في المستقبل القريب إلى سيطرة اليمين المتطرّف ليس فقط على الساحة السياسية الألمانية، وإنّما حتّى على المؤسّسات الأوروبية
ربّما يخفّف هذا من شأن المبالغات السائدة، والتي تدّعي تنسيقاً مباشراً بين روسيا ومجمل اليمين الأوروبي. أمّا في الداخل الألماني، فهذا يعيدنا إلى نقطة محورية، وهي أنّ ذلك الشرخ القديم بين الشرق والغرب لم يلتئم بعد. الواقع يخبرنا أنه، وعلى الرغم ممّا بُذل من سياسات، إلّا أنّ العقليات لا تزال مختلفةً حتّى بين أبناء الحزب والحلف الواحد المنتمين إلى مساحات جغرافية مختلفة.
لوضع الأمور في نصابها، نقول إنّ هذه الانتصارات الإقليمية لن يكون لها أثر يُذكر في ما يتعلّق بتنفيذ تغييرات سياسية ودستورية في الوقت الحالي، وخاصّةً في المجالات المتعلّقة بالسياسة الخارجية الألمانية التي يضع المستشار خطوطها العريضة ويكون مسؤولاً عن تنفيذها. وهذا يحدّ من قدرة الحزب ما لم يدخل في تحالفات واسعة مع غيره.
مع هذا، يصعب تجاهل هذه النتيجة التي تعبّر عن تغيّر واضح في المزاج العام الألماني، ولكن أيضاً العالمي، وهو مزاج قد يقود في المستقبل القريب إلى سيطرة اليمين المتطرّف ليس فقط على الساحة السياسية الألمانية بسبب ضعف الأحزاب المعتدلة وتشاكسها، وإنّما حتّى على المؤسّسات الأوروبية.
المصدر: العربي الجديد






