
لا يمكن ضمان نجاح الانتقال السياسي بمجرد انهيار نظام سلطوي، أو تشكيل حكومة جديدة، أو اعتماد ترتيبات دستورية جديدة. فاستدامة هذا الانتقال تتوقف على مدى شعور المواطنين بوجود قطيعة موثوقة مع مؤسسات الماضي وممارساته ومنطقه الأخلاقي.
ومن ثم، ينبغي فهم العدالة الانتقالية بوصفها مشروعًا سياسيًا ومؤسسيًا موجّهًا نحو المستقبل بقدر ما هي استجابة للانتهاكات التاريخية. فالمسألة المطروحة تتصل بكيفية ممارسة السلطة العامة في الحاضر بقدر اتصالها بالإقرار بجرائم الماضي.
ليست الشرعية رصيدًا مجردًا يحتفظ به القادة السياسيون، بل تُعاد صياغتها أو تُضعف أو تُفقد من خلال التفاعلات المتكررة بين المؤسسات والأشخاص الخاضعين لسلطتها. فالمواطنون الذين عانوا الاعتقال التعسفي والتعذيب والفساد والإذلال البيروقراطي يقيّمون النظام الجديد من خلال تعاملاتهم اليومية مع الدولة: هل يمكن الحصول على وثائق من دون دفع رشاوى؟ وهل تستطيع أسرة معرفة مصير قريب لها تعرّض للاعتقال؟ وهل يُضطر معتقل سابق إلى العودة إلى المؤسسة الأمنية نفسها طلبًا للانتصاف؟ وهل لا يزال مسؤولو الأجهزة المتورطة في الانتهاكات يمارسون سلطة بلا رقابة؟ وهل ما زالت القوانين المصممة لتركيز السلطة سارية؟ هذه هي الاختبارات العملية التي يحدد المواطنون من خلالها ما إذا كان الانتقال حقيقيًا.
ولهذا السبب، فإنَّ أشد ما يهدد السلطة الانتقالية ويقوّضها ليس النقد، بل ترسخ الاعتقاد بأنَّ العهد الجديد يعيد إنتاج ممارسات العهد السابق. فقد تكتسب صورة واحدة للتعذيب، أو ادعاء موثوق بالرشوة، أو وفاة غير مفسرة في أثناء الاحتجاز، أو إجراء إداري مهين، قوة رمزية تتجاوز الواقعة ذاتها، فتُعيد تنشيط الذاكرة الجماعية. وقد ينظر المواطنون إلى هذه الوقائع بوصفها مؤشرًا على أنَّ النظام السابق ما يزال قائمًا تحت إدارة جديدة. وحين يظل المواطن مضطرًا إلى مراجعة الأجهزة الأمنية مرارًا، أو إلى توكيل محامين لإلغاء قيود غير قانونية، أو إلى الاعتماد على وسطاء لضمان حقوق أساسية، يصبح من المعقول أن يستنتج أنَّ السلطة ما زالت تُمارس تعسفًا، وعندئذ يفقد الانتقال ما يميزه عن النظام السابق.
لا يمكن أن يحل التدقيق في أهلية الموظفين محل المساءلة الجنائية، بل يجب ربطه بتقصي الحقيقة وجبر الضرر وإعادة تصميم المؤسسات، بدلًا من التعامل معه باعتباره حلًا قائمًا بذاته.
الإصلاح المؤسسي ليس ملحقًا تقنيًا بالتغيير السياسي، بل عنصر محوري في ضمانات عدم التكرار، أي التدابير الرامية إلى منع عودة الانتهاكات الجسيمة من خلال تغيير الظروف التي أتاحت وقوعها. وتضع مبادئ الأمم المتحدة الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر، الواردة في القرار 60/147، ضمانات عدم التكرار إلى جانب الرد والتعويض وإعادة التأهيل والترضية، باعتبارها جزءًا من الالتزام بجبر الضرر المستحق للضحايا. ومن ثم، فإنَّ الإصلاح جزء من سبل الانتصاف، فالاعتراف وحده لا يكفل الحماية الكاملة لضحية التعذيب أو الاختفاء القسري أو المعاملة التمييزية، بل تتطلب الحماية أيضًا ضمانًا موثوقًا بأنَّ المؤسسة المسؤولة لن تتمكن من إيقاع ضرر مماثل مرة أخرى.
ويجب أن يتناول الإصلاح الأفراد والهياكل معًا. فإبعاد الأفراد المتورطين في الانتهاكات مع الإبقاء على الصلاحيات القانونية ذاتها، وسلاسل القيادة نفسها، وآليات الإفلات من العقاب ذاتها، لا يؤدي إلا إلى تغيير وجوه القمع. كما أنَّ إلغاء القوانين التعسفية من دون التصدي للمسؤولين عنها وللثقافات المؤسسية التي أتاحت تنفيذها يترك المواطنين عرضة للممارسات نفسها تحت مسميات جديدة. وينبغي إعطاء الأولوية للمؤسسات التي مارست سلطة قسرية أو يسّرت الإفلات من العقاب، وفي مقدمتها أجهزة الأمن والاستخبارات والشرطة والقوات المسلحة، على أن تخضع لسلطة مدنية واضحة وقيود قانونية محددة؛ وسلطة قضائية يستند استقلالها إلى شفافية التعيينات، وضمان الاستقرار الوظيفي، والحماية من التدخل السياسي، لا إلى النصوص الدستورية وحدها؛ وأنظمة احتجاز تخضع لمراجعة قضائية سريعة وتفتيش مستقل؛ وإجراءات إدارية لا تجبر المواطنين على اللجوء إلى الوسطاء أو دفع رسوم غير رسمية لممارسة حقوقهم العادية.
وللتدقيق في أهلية الموظفين (vetting) دور مهم، وإن كان محدودًا، ولا سيما في قطاعي الأمن والعدالة. فهو ليس، في حد ذاته، عقابًا جماعيًا أو تطهيرًا سياسيًا. وعندما يُصمَّم على نحو سليم، فإنَّه يستند إلى تقييم فردي، ومعايير واضحة، ومعلومات موثوقة، وضمانات إجرائية عادلة، وقرارات معللة، وإمكانية للمراجعة. ويميّز الإطار التشغيلي الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) عام 2006 بين عملية المراجعة، التي يُفحَص فيها الموظفون العاملون لتحديد مدى أهليتهم للاستمرار في الخدمة، وعملية إعادة التعيين، التي تُحل فيها المؤسسة ويتنافس العاملون على مناصب في هيئة أُعيد تشكيلها. ويتوقف اختيار النهج الملائم على مدى تورط بنية المؤسسة وثقافتها في الانتهاكات. ولا يمكن أن يحل التدقيق في أهلية الموظفين محل المساءلة الجنائية، بل يجب ربطه بتقصي الحقيقة وجبر الضرر وإعادة تصميم المؤسسات، بدلًا من التعامل معه باعتباره حلًا قائمًا بذاته.
يكمن التمييز الأساسي بين دولة تسعى بصورة ملموسة نحو سيادة القانون والمواطنة المتساوية، ودولة تواصل تطبيع التعسف.
ولا يمكن أن يكون الإصلاح الطويل الأجل هو مجمل أجندة المرحلة الانتقالية. فالتجديد الدستوري، وإعادة هيكلة القضاء، وإضفاء الطابع المهني على قطاع الأمن، كلها مسارات تستغرق وقتًا طويلًا، ولكن لا يجوز للمرحلة الانتقالية أن تؤجل التغيير الملموس إلى حين اكتمالها. ولذلك، ثمة حاجة إلى تدابير مبكرة، من بينها نشر قائمة باللوائح القمعية التي عُلّقت أو أُلغيت أو أُخضعت للمراجعة؛ وإعادة إصدار الوثائق المدنية من خلال آليات ميسّرة؛ واشتراط أن تكون القرارات الإدارية مكتوبة ومعللة مع توفير قنوات للطعن فيها؛ وحظر الرسوم غير الرسمية؛ والإفصاح عن الأساس القانوني لكل حالة احتجاز ومدتها؛ وإنشاء هيئات مستقلة لتلقي الادعاءات المتعلقة بالتعذيب والفساد وسوء المعاملة. وتُظهر هذه التدابير أنَّ المواطنين لم يعودوا مضطرين إلى الاعتماد على المال أو العلاقات أو الوسطاء لممارسة حقوقهم الأساسية، كما تحد من الكلفة المالية والنفسية والإجرائية المترتبة على ممارسة المواطنة. والإصلاح الذي يُفرض من دون تفسير قد يبدو انتقائيًا أو شكليًا؛ لذلك، فإنَّ المشاركة والشفافية عنصران لا غنى عنهما. ويجب التعامل مع الضحايا بوصفهم أصحاب حقوق يمتلكون معرفة مباشرة بكيفية تسبب المؤسسات في الضرر، لا باعتبارهم مجرد مصادر للشهادة يُستشارون بعد اتخاذ القرارات
ويكمن التمييز الأساسي بين دولة تسعى بصورة ملموسة نحو سيادة القانون والمواطنة المتساوية، ودولة تواصل تطبيع التعسف. فالشرعية بعد الحكم السلطوي تُبنى من خلال تحول ظاهر في كيفية ممارسة السلطة. ويجب أن يكون المواطنون قادرين، في تعاملاتهم العادية مع الدولة، على إدراك أنَّ الإكراه مقيّد، والفساد يُعاقب عليه، والكرامة مصونة، وأنَّ الحقوق يمكن المطالبة بها من دون خوف أو حاجة إلى علاقات شخصية. ويجب أن تجعل المرحلة الانتقالية الوصول إلى العدالة أيسر من تحمّل الظلم. وليس مطلوبًا من النظام السياسي الجديد أن يعد بازدهار فوري أو بمؤسسات مثالية، بل أن يثبت أنَّه تخلى عن منطق الحكم الذي ساد في الحقبة السابقة. وحيث يظل التعذيب والاعتقال التعسفي والإفلات من العقاب والقوانين التمييزية والبيروقراطية المهينة سمات واضحة في الحياة العامة، فإنَّ الدولة تخاطر بأن ترث، إلى جانب مؤسسات النظام السابق، أزمة شرعيته.
المصدر: تلفزيون سوريا






