
ظهر الرئيس أحمد الشرع في لقاء على قناة الجزيرة، ووصفه المذيع بأنه قائد الثورة السورية، وهذا ما أثار جدلاً بين السوريين الذين عاشوا تجربة الثورة، واعترض معظمهم على هذا التوصيف، بمن فيهم مؤيدون للشرع نفسه. فالثورة السلمية لم تكن يوماً ذات تنظيم هرمي، وحتى طور العسكرة لم يكن ذو تنظيم هرمي، رغم الحاجة الميدانية إلى التنظيم والتنسيق بين مختلف خصوم الأسد آنذاك.
لسنا بصدد استعادة السجال، لكن بعضاً مما ورد فيه يستحق التوقف خارج المناسبة، لأنه يتكرر. نعني تحديداً الحجة التي تقول إن الأسد ما كان ليسقط إلا بالقوة، وقد فعلت ذلك القوةُ الأكثر تنظيماً وانضباطاً، وعقائدية أيضاً؛ أي هيئة تحرير الشام. وعطفاً على ذلك ينال التنظيم وزعيمه مكانة هي الأعلى بين خصوم الأسد، السلميين والعسكريين. بعضٌ من الكثر الذين يسوقون الحجة لا يفوتهم التنويه بالثورة السلمية، إما على سبيل اللباقة، أو على سبيل النزاهة في ذكر التراتب الزمني للأحداث.
لن نتطرق هنا إلى التأثيرات الدولية في سوريا، وفعاليتها في منع التغيير أو السماح به. ما يهمنا تأثير النقاش داخلياً، إذ تميل الكفة على نحو باهظ لصالح الإقرار بأن القوة العسكرية كانت لها الكلمة العليا. السوريون عايشوا مبكراً واحدة من نتائج ذاك الإقرار بعبارة “مَن يحرر يقرر”، وقد شاعت في الرد على منتقدي السلطة الجديدة إجمالاً، أو منتقدي بعض قراراتها. أبعد من ذلك، في طور العسكرة، كان كل انتقاد لسلبياتها ومساوئها على الأهالي في “المناطق المحررة” يُواجَه بأقوال من قبيل: مَن لا يعجبه الحال ليتفضّل ويشكّل “كتيبة غيفارا” ويقاتل. وليسوا بالقلائل أولئك الذين كانوا ينتقدون بشدة سلوكيات مستهجنة لبعض الفصائل أو انتهاكات جسيمة، ثم راحوا يدافعون عنها بشدة بعد إسقاط الأسد، كأن إسقاطه يغسل تلقائياً الانتقادات المحقة فيما سبق.
يبقى الأخطر ليس الاختلاف حول الماضي، إنما ما يرسّخه السجال في عقول المتحاورين والمتلقّين. وأول ملامح الخطورة تلك المقارنة المجحفة، لجهة الجدوى، بين الكلمة والرصاصة، بين البوط والكتاب. فمما لا خلاف فيه أن الرصاصة أسرع من الكلمة، بصرف النظر عن البندقية التي تنطلق منها والهدف الذي تصيبه. في الأصل، لم يكن يوماً رهان الأفكار على الجدوى المباشرة، ولا يوجد عاقل يعتقد أنه بمجرد طرح فكرة “صائبة” أو نافعة سيعتنقها ملايين البشر، فيتغيّرون ويغيِّرون بموجبها.
لكن لنتخيَّل، بناء على النتيجة السابقة، أن يُنظر إلى الأفكار، وإلى الثقافة عموماً، بوصفها ثرثرة عديمة الأثر. في الواقع لا داعي لنتخيَّل ذلك فقد قيل هذا مراراً وتكراراً من سوريين، أو من مادحي السلطة الجديدة من غير سوريين. والمسألة هنا تبدأ من مغالطة تخص الاستهانة بالثقافة، رغم أن أي دارس لتاريخ البشرية يعلم أنه تاريخ من الوقائع والأفكار، ومن الجدل (بالمعنى العميق) بينهما. وعلى نحو مباشر يمكن الإتيان بالكثير من الأمثلة عن مفكّرين استُلهمت أفكارهم بعد حين، والبعض منهم كان منبوذاً في زمنه. حتى عربياً لا يمكن فصل التيارات الحركية الحزبية عن منظّريها، سواء من اليسار أو من القوميين والإسلاميين بمختلف تياراتهم.
المؤسف أن قسماً معتبراً من تلك الأيديولوجيات التي سادت في منطقتنا يُعلي أيضاً من شأن العنف كوسيلة للتغيير، فلا مصادفة في ذلك وفي أن جمهوريات المنطقة عموماً شهدت حكماً عسكرياً. ويجوز القول إن كارثة سوريا والمنطقة هي العسكر والعسكرة، وكان المأمول بالضبط هو الانتقال من إعلاء شأن العسكرة إلى مجتمع ينبذها كوسيلة للصراع الداخلي؛ هذا هو فحوى قيم الحرية والديموقراطية التي نادت بها الثورة السلمية في بداياتها، وانقضّ عليها الأسد بالمزيد من العنف والوحشية.
لقد قال يوماً وزير دفاع الأسد في حديث لمجلة أجنبية، في معرض ردّه على الحراك السلمي قبل الثورة: “لقد أخذناها بالبارودة، ومن يريدها فليأخذها منا بالبارودة”. وهو قول تقمصته صياغات عديدة فيما بعد، منها “إذا ما أعجبك، شكّل كتيبة غيفارا” و”مَن يحرر يقرر”، ليكون التعبير عن الرأي والتغيير مرتبطين بالقوة العسكرية وحدها، وليكون عملياً الناسُ العُزَّل من السلاح هم الفئة الأضعف على كل الأصعدة، والأضعف بالمطلق على صعيد الفاعلية السياسية التي يُنظر إليها بازدراء.
كنا نفترض من قبل أن غاية الثورة تكون بالوصول إلى بلد يختلف ويتصارع أبناؤه من دون اللجوء إلى السلاح، وبالاحتكام إلى تصويت مواطنين سلميين. وحتى إذا كانت العسكرة ممراً إلزامياً لإسقاط الأسد فانتصار قيَم الثورة يجب أن يُترجم بالنظر إليها كاستثناء له ظروفه ولحظته، ويجب تالياً الحفاظ على استثنائيته فلا يكون وسيلة معتادة مرة أخرى. هذا ليس كلاماً “رومانسياً” كما يصوّره الذين يريدون القول إن الثورة انتصرت، لكن من دون أن يلتزموا بتبعات أقوالهم، وتحديداً إيجاد البيئة القانونية السلمية للصراع وتداول السلطة. هذا ليس خلافاً ثانوياً بالرأي، هو خلاف جوهري في النظر إلى مستقبل البلد ككل.
من تبعات تقديس القوة أن المستضعفين الذي لا يملكونها يترتب عليهم السعي لامتلاكها، ومن المقبول ضمناً أن يكون العنف وسيلة للتغيير، بل الوسيلة الوحيدة أو الأسمى ضمن مجتمع يهيمن فيه منطق القوة، ولن يندر أن تؤدي العدمية السياسية إلى الإرهاب. هي حلقة مفرغة، وما لم تُكسر بوعي عام مضاد للعسكرة فالدوران فيها مستمر إلى أجل غير مسمّى.
الآثار المستدامة للإعلاء من شأن العسكرة لا تقتصر على اعتمادها وسيلة لتغيير الحكم، بل تتعلق أولاً بكونها أداة للحكم واستمراره، وبحيث تكون الملمح الأساسي للبلد كله. التشجيع على التطوع في الجيش وأجهزة المخابرات هو تشجيع على ثقافة العسكرة، باستخدام مغريات معنوية ومعيشية معاً، يتجلى المعنوي منها بتلك السلطة التي يحوزها حامل السلاح ضمن مجتمعه الصغير والمجتمع الكبير. والحصول على عائد مجزٍ من العسكرة كفيل أيضاً بصنع نوع من الوجاهة الاجتماعية، وبما يجعل لهذه المكانة قدمين ومرغوبةً من الذين يطمحون إلى تحسن معيشتهم، أو إلى الترقّي الاجتماعي.
لنتخيَّل مجتمعاً يشعر فيه حامل السلاح بالتفوق على أصحاب المهن الأخرى، أو يجب ألا نتخيّل ذلك؛ يكفي أن تسترجع ذاكرتنا ما كان عليه الحال مع المستقوين بسلطة سلاحهم من عناصر الأمن والشرطة إلى بعض ضباط أو عناصر الجيش. هي النتيجة المنطقية عندما يكون السلاح سلطة على المواطن، لا حامياً له. ولا ينبغي انتظار الحل بأن يكون حملة السلاح الجدد أكثر انضباطاً من سابقيهم، فهذا تصوّر أخلاقوي لم تبرهن التجارب على صحته.
نقترح أن التصدّي لظاهرة العسكرة يكون على مستويين، أولهما المستوى الاقتصادي، فبلد غير قادر على خوض حروب، لا دفاعية ولا هجومية، من المحتم أن يكون إنفاقه العسكري موجَّهاً إلى الداخل، والمنطق البسيط يقضي بتقليص الإنفاق العسكري بحيث لا تكون العسكرة سمة للاقتصاد، وبحيث يجد الباحثون عن العمل فرصاً تغنيهم عن حمل السلاح ومغرياته. الشقّ الثاني يكون بالإصرار، ثم الإصرار، على أن العسكرة الوحيدة الحميدة هي ذلك الاستثناء الذي لا يؤسس لسلطة العسكر مجدداً، والعسكر الجيدون هم أول من يرفض مقولات من نوع “مَن يحرر يقرر”، ولا فضل لعسكر يتوسّلون بأسلحتهم مغانم السلطة. ويبقى الأمر برمته أبعد من كلام في السلطة أو صراع عليها، هو في نوعية المستقبل الذي يريده السوريون لأبنائهم، إذا أرادوا عدم تكرار الماضي القريب.
المصدر: المدن






