
لا يحتاج المرء إلى اختصاصيّ في علم السياسة، ليدرك أن إجراء انتخابات تحت احتلال عسكري أمر غير منطقي أو واقعي. … لا يمكن أن يهيّئ احتلال غاشم، يرفض الاعتراف بالهوية الوطنية للشعب تحت احتلاله، الظروف اللازمة لاقتراع حرٍّ ونزيه بحق. ومع هذا، تكرار القول إنّ غياب الأفق السياسي سبب رئيسيّ للاستمرار في حالة عدم الاستقرار داخل الأراضي المحتلة، رأت الولايات المتحدة وإسرائيل أن لديهما “حلّاً سحرياً”: الإصرار على أن أي تعامل مع القيادة الفلسطينية القائمة في رام الله لن يكون ممكناً إلّا بعد تنفيذ قائمة طويلة من “الإصلاحات الديمقراطية”.
ومع إدراك القيادة الفلسطينية تماماً أن لا ديمقراطية مع الاحتلال، وأن الإصلاح الحقيقي في غياب الاستقلال مستحيل، ولو قبلت الشروط المطلوبة. ففي سبتمبر/ أيلول العام الماضي (2025)، وعلى الرغم من رفض منحهم تأشيرات واضطرارهم إلى الحضور افتراضياً، تعهد الرئيس الفلسطيني، محمود عبّاس، لدى المجتمعين بقيادة فرنسا والسعودية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، الالتزام بالإصلاحات المقترحة.
شملت الإصلاحات إنهاء الدعم المالي الحكومي لعائلات الأسرى والشهداء الفلسطينيين وإجراء تعديلات على المناهج المدرسية، وإجراء انتخابات تضمن أن يتمتع الفلسطينيون المشاركون في المفاوضات السياسية المرتقبة بشرعية شعبية.
وفي العام الماضي، عملت قيادة رام الله بشكل دقيق لتنفيذ كل بنود الإصلاح. وعندما ادّعى مسؤولون أميركيون، بالاعتماد على ادعاءات إسرائيلية كاذبة، أن الفلسطينيين لم يمتثلوا، استعانت السلطة الفلسطينية بمُدقق مستقل للتحقق من أنها توقفت فعلاً عن تقديم المدفوعات المباشرة إلى العائلات المعنية، وقامت بتعديلات في المناهج.
وكان الشرط المتبقي إجراء الانتخابات. فقد جرى وضع جدول زمني: البدء بالانتخابات البلدية، ثم التشريعية، ثم الرئاسية. وقد أُجريت الانتخابات البلدية الفلسطينية في 25 إبريل/ نيسان في كل أنحاء الضفة الغربية، وفي مدينة دير البلح في غزّة. وأشاد مركز كارتر بالنجاح التقني للعملية، وأورد في تقريره أن “الإجراءات تأثرت بالآثار المستمرة لحرب غزّة، وتصاعد التوترات في الضفة الغربية، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وغياب التنافس المحدود، وغياب الانتخابات الوطنية فترة طويلة”.
عندما بدأ الفلسطينيون بالفعل عملية انتخابية، تراجعت واشنطن، وأصبحت غير راغبة في تأكيد وضمان إجراء الانتخابات
ثم صدر مرسوم رئاسي يعلن موعد الانتخابات التشريعية يوم 28 نوفمبر/ تشرين الثاني، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من عام 2027. وقد اضطلعت اللجنة المركزية للانتخابات مجدداً بعملها، من خلال فتح باب التسجيل وتوفير جميع الجوانب الفنية للانتخابات العامة. وأعلنت أن 87% من الفلسطينيين في الضفة الغربية سجلوا، مع ملاحظة أن الناخبين في قطاع غزّة والقدس الشرقية يمكنهم التصويت من دون تسجيل مسبق.
ومع بدء الأحزاب والفصائل الفلسطينية في اقتراح مرشحين والعمل على تشكيل تحالفات، ظهرت الشكوك حول مدى التزام الولايات المتحدة بتنفيذ وعدها بإجراء الانتخابات التشريعية. ويأتي هذا رغم شرط المجتمع الدولي برئاسة بأن يكون جميع المرشحين ملتزمين بالتعهدات السياسية الدولية لمنظمة التحرير كما وردت في “إعلان مبادئ” عام 1993 (اتفاق أوسلو الأول)، والذي جرى توقيعه على أرض البيت الأبيض، ويضمن الاعتراف بإسرائيل.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، بات فلسطينيون كثيرون يتساءلون عن موقف الولايات المتحدة الحقيقي، فمعظمهم يعرفون موقف حكومة نتنياهو المعارض. لكن وبالنظر إلى أن الانتخابات الفلسطينية من المقرر أن تُجرى بعد شهر من الانتخابات الإسرائيلية، وإلى ما تزعمه أميركا من رغبتها في تحقيق السلام عبر الإصلاح، يصبح مهماً للغاية معرفة ما الذي تريده واشنطن.
وقد أثار إعلانان لوزارة الخارجية الأميركية في النصف الثاني من سبتمبر/ أيلول الجاري مخاوف عميقة بشأن الإرادة السياسية لإدارة ترامب تجاه الانتخابات ووجود إرادة حقيقة للسلام. ففي 16 منه، أصدرت الوزارة تقريراً غريباً إلى الكونغرس، زعمت فيه أن حظر التأشيرات لدخول الوفد الفلسطيني، الذي ظل سارياً خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، يهدف إلى الدفاع عن “السلام”، بينما كان هذا عمليّاً بمثابة ترويج مُقنّع لرواية إسرائيل، كما تضمن البيان إشارة إلى تقرير مليء بالمزاعم الكاذبة حول أنّ الحكومة الفلسطينية “واصلت دفع مخصّصات للإرهابيين وتمجيد أعمال الإرهاب والإرهابيين في التصريحات العامة وفي الكتب المدرسية”، ولفتت هذه الاتهامات إلى نقطة مهمة في ما يخص ادّعاء واشنطن بالرغبة بوجود إصلاح فلسطيني مزعوم، إذ لم يتضمن البيان أي إشارة إلى الانتخابات الفلسطينية التي تمّت أو المقرّرة.
القضية الفلسطينية صراع سياسي يجب تسويته وفق القانون الدولي، وفي مقدّمته حق تقرير المصير
غياب الالتزام بالانتخابات نفسها، كشفه يوم 21 سبتمبر الجاري قول المتحدث باسم وزارة الخارجية على سؤال صحافي فلسطينيّ ما إذا كان لدى الولايات المتحدة التزام بدعم الانتخابات الفلسطينية، بدلاً من الجواب الإيجابي السريع المتوقع، لم يحصل الصحافي على جواب واضح. فقد قيل للصحافي وليد نصار، وهو رئيس تحرير إذاعة “أجيال” في رام الله، إنّ “الولايات المتحدة تواصل مساءلة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيتَين عن تنفيذ إصلاحات يمكن التحقق منها والالتزام بالتعهدات والاتفاقات القائمة منذ وقت طويل”. وواضح هنا أنّ واشنطن تكتفي بتقديم خدمة لفظية لفكرة الإصلاح، فيما يمتنع مسؤولوها عن إعطاء التزام واضح بدعم إجراء الانتخابات الفلسطينية في موعدها. وما يمكن استنتاجه أن الولايات المتحدة وقعت في الفخ الإسرائيلي، والتقطت الطُعم القائل إنّ قادة الفلسطينيين ليسوا ممثلين شرعيين لأنهم، على حد الرواية الإسرائيلية، يرفضون الإصلاح وإجراء انتخابات ديمقراطية. غير أنه عندما بدأ الفلسطينيون بالفعل عملية انتخابية، تراجعت واشنطن، وأصبحت غير راغبة في تأكيد وضمان إجراء الانتخابات.
ليست القضية الفلسطينية مرتبطة بالكتب المدرسية أو بالمزايا الاجتماعية للسجناء أو حتّى الانتخابات تحت الاحتلال. إنها صراع سياسي يجب تسويته وفق القانون الدولي، وفي مقدّمته حق تقرير المصير وإقامة الدولة. … تدعو المادة 19 من خطة ترامب للسلام بشأن غزّة (20 نقطة)، والتي أقرّها مجلس الأمن، إلى عملية إصلاح تشمل حق التقرير للشعب الفلسطيني وتنتهي بإقامة الدولة. والآن بعد بدء هذه العملية وفضح “المراوغة” الأميركية الإسرائيلية، هل ستتحلّى واشنطن أخيراً بالشجاعة لإنهاء دعمها الأعمى إسرائيل، والتوقف عن إعادة تدوير المقولات الإسرائيلية التي فشلت؟
الطريق إلى السلام واضح: من دون أفق سياسي يمنح الفلسطينيين الأمل، ستظل المنطقة مهدّدة سنوات، وربما عقوداً، من عدم الاستقرار. المطلوب الآن البدء بتفكيك الاحتلال الغاشم وإقرار حق الشعب الفلسطيني كغيره من الشعوب بتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
المصدر: العربي الجديد






