
لن يكون المشهد السياسي الداخلي التركي، بعد إعلان أوزغور أوزيل انشقاقه عن حزب الشعب الجمهوري مع 91 نائباً من الحزب، وتأسيسه حزباً جديداً لقيادة المعارضة التركية، كما كان قبله. فهذه الخطوة تتجاوز أنّها مجرّد انشقاق داخل أكبر أحزاب المعارضة، لتشكّل لحظةً سياسيةً فارقةً قد تعيد رسم توازنات الحياة الحزبية في تركيا، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل خريطة المعارضة، بما تحمله من تداعيات على موازين القوى الداخلية ومستقبل الاستحقاقات الانتخابية وطبيعة المنافسة السياسية في البلاد.
تُظهر القراءة العميقة للمشهد السياسي الداخلي التركي أنّ ما يجري اليوم يُمثّل أزمةً بنيويةً تعيشها المعارضة، منذ سنوات، تتعلّق بعجزها عن بناء مشروع سياسي موحّد قادر على منافسة حزب العدالة والتنمية. إذ لم تكن المشكلة خلال العقدَين الماضيَين مرتبطةً فقط بضعف الأداء الانتخابي للمعارضة أو محدودية الخطاب السياسي، بقدر ما ارتبطت بصورة أعمق بأزمة هُويّة سياسية حالت دون انتقال المعارضة من موقع رفض سياسات السلطة إلى موقع تقديم بديل سياسي متكامل. ولعلّ فهم هذه الأزمة لا يكتمل من دون النظر إلى طبيعة التحوّلات التي شهدها المشهد السياسي التركي خلال العقدَين الماضيَين. فلم يكن صعود حزب العدالة والتنمية قائماً فقط على ضعف خصومه السياسيين، بل ارتبط أيضاً بقدرته على بناء سردية سياسية متماسكة استطاعت إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتوسيع قاعدته الانتخابية عبر مخاطبة شرائح اجتماعية مختلفة. في المقابل، بقيت المعارضة التركية، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، تعاني إشكالية التوازن بين ماضيها الأيديولوجي ومتطلّبات التحوّل الاجتماعي والسياسي في تركيا الحديثة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم خطوة أوزغور أوزيل المتمثّلة بتأسيس حزب سياسي جديد لقيادة المعارضة: بوصفها محاولةً لإعادة تعريف موقع التيّار المعارض داخل المجتمع التركي المتغيّر، وليس مجرّد تحرّك تنظيمي منفصل عن السياق الأوسع للأزمة التي تعيشها المعارضة. فحزب الشعب الجمهوري الذي تأسّس على إرث جمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وظلّ عقوداً طويلة يُمثّل تيّاراً سياسياً يرتبط بالمدن الكُبرى والنُّخب العلمانية، واجه صعوبةً في بناء خطاب قادر على اختراق الشرائح الاجتماعية المحافظة التي شكّلت القاعدة الانتخابية الأوسع لحزب العدالة والتنمية. وعلى الرغم من محاولة الحزب خلال السنوات الماضية تجاوز هذه المعضلة، بتبنّي خطاب أكثر انفتاحاً على قضايا العدالة والحرّيات، إضافة إلى بناء تحالفات سياسية أوسع مع قوى مختلفة أيديولوجياً، إلّا أنّ هذه التحوّلات بقيت تواجه تحدّياً أساسياً يتمثّل بالفجوة بين التغيير الخطابي والقدرة على إنتاج هُويّة سياسية جديدة واضحة تقنع الناخبين بأنّها تمثّل بديلاً مستقرّاً للحكم.
أزمةً بنيويةً تعيشها المعارضة، منذ سنوات، تتعلّق بعجزها عن بناء مشروع سياسي موحّد قادر على منافسة حزب العدالة والتنمية
ومن هنا أهمية خطوة أوزغور أوزيل. ويمكن قراءتها من أحد جوانبها بوصفها تعبيراً عن تيّار داخل المعارضة التركية يرى أنّ المشكلة لا تكمن فقط في مواجهة حزب العدالة والتنمية، بل في ضرورة إعادة بناء المعارضة نفسها على أسس جديدة. ولعلّ ما يعزّز هذا التفسير، أنّ أوزيل حرص على أن يمنح مشروعه السياسي، منذ لحظة إعلانه، بعداً رمزياً يتجاوز الاعتبارات التنظيمية التقليدية.
فمن جهة، جاء أوّل إعلان للحزب خلال آخر اجتماع للمجموعة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري، في توقيت تزامن مع مرور شهرَين على قرار محكمة الاستئناف الإقليمية في أنقرة القاضي ببطلان المؤتمر العام الذي انتُخب فيه أوزيل رئيساً للحزب، وقد حمل هذا الإعلان رسالةً واضحةً مفادها أنّ الشرعية السياسية، من وجهة نظر أوزيل، لا تُستمدّ فقط من الأحكام القضائية أو الهياكل التنظيمية، بل من القدرة على الحفاظ على التمثيل السياسي للقاعدة المعارضة واستمرار مشروعها.
ومن جهةٍ أخرى، عكس اختيار 24 يوليو/ تموز الحالي موعداً لإيداع أوراق تأسيس الحزب، بالتزامن مع الذكرى الـ103 لمعاهدة لوزان، سعياً واضحاً إلى ربط المشروع السياسي الجديد بإحدى أكثر المحطّات تأسيساً في ذاكرة الجمهورية التركية، في محاولة من أوزيل لتوجيه رسالة سياسية، مفادها أنّ مشروعه لا يُمثّل قطيعةً مع الجمهورية الكمالية، بل محاولةً لاستعادة المبادئ المؤسّسة للجمهورية، وتحريرها من الاحتكار الحزبي الذي ارتبط تاريخياً بحزب الشعب الجمهوري.
يدرك أوزيل أنّ معركته لا تقتصر على منافسة “العدالة والتنمية”، بل تبدأ من إعادة تشكيل الوعي السياسي داخل معسكر المعارضة
وتتضح هذه الرمزية بصورة أكبر في اختيار الإعلان الجماهيري عن الحزب عقب صلاة الجمعة في محيط مبنى البرلمان التركي الأوّل في منطقة أولوص التاريخية في أنقرة، وهي منطقة ترتبط عضوياً ببدايات الدولة الجمهورية وبالذاكرة السياسية لمصطفى كمال أتاتورك.
وبالتالي، لم يكن الجمع بين الرمزية الوطنية للمكان والبعد الشعبي للإعلان مجرّد توظيف للمشهد السياسي، بل يعكس محاولةً لإعادة صياغة العلاقة بين الإرث الجمهوري والشرعية الشعبية عبر تقديم الحزب الجديد باعتباره امتداداً لمشروع الجمهورية، من جهة، وتعبيراً عن الإرادة الشعبية من جهة أخرى. كذلك يكشف الاستخدام المكثّف للرموز التاريخية أنّ أوزيل يدرك أنّ معركته الحقيقية لا تقتصر على منافسة حزب العدالة والتنمية، بل تبدأ من إعادة تشكيل الوعي السياسي داخل معسكر المعارضة نفسه، في محاولة منه لإعادة تعريف مفهوم المعارضة وبناء شرعية سياسية مستقلّة عن حزب الشعب الجمهوري، بما يسمح له بتقديم نفسه قائداً لمشروع سياسي جديد، لا مجرّد رئيس سابق لحزب تاريخي.
ختاماً، يمكن القول إنّ قدرة أوزيل على تحويل هذا المشروع السياسي إلى قوة قادرة على تغيير موازين القوى ستبقى رهناً بمدى نجاحه في تجاوز حدود الرمزية التاريخية، وبناء قاعدة اجتماعية وتنظيمية جديدة تتجاوز جمهور حزب الشعب الجمهوري التقليدي. فالتاريخ السياسي التركي يثبت أنّ الرموز وحدها لا تكفي لإنتاج التحوّلات الكُبرى، ما لم تقترن بقدرة فعلية على تقديم خطاب سياسي يستجيب للتحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع التركي. ومن هنا، فإنّ السؤال المركزي الذي يفرض نفسه لا يتعلّق فقط بمستقبل الحزب الجديد أو بقدرة أوزيل على قيادة المعارضة، بل بمدى قدرة المعارضة التركية على الانتقال من مرحلة تجميع أصوات المعترضين على حزب العدالة والتنمية إلى مرحلة بناء مشروع سياسي بديل يمتلك رؤية واضحة للحكم وإدارة الدولة. فإذا نجح أوزيل في تحقيق هذا التحوّل، فقد يُشكّل انشقاقه نقطة بداية لإعادة تشكيل الخريطة الحزبية التركية، أمّا إذا بقي المشروع أسير الصراع داخل النُّخبة المعارضة، فقد يتحوّل إلى حلقة جديدة في سلسلة الانقسامات التي لم تنجح، حتّى الآن، في تغيير المعادلة السياسية التركية.
المصدر: العربي الجديد






