
مع جلسة المجلس التشريعي في السادس والعشرين من تموز الجاري، للبدء في أعماله بعد انتخاب هيئته الرئاسية وأداء أعضائه القسم الدستوري في الثاني عشر من الشهر ذاته، يجد المجلس نفسه أمام استحقاقات وطنية مهمة ومعضلات معقدة، وسيكون نجاحه أو إخفاقه مرهوناً بقدرته على التعامل معها بحكمة ومسؤولية.
وتتمثل أولى هذه المعضلات بطبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية: كيف ينبغي أن تُبنى؟ وما الحدود الفاصلة بين اختصاصات كل منهما؟ وهل تقوم هذه العلاقة على التكامل والتوازن والرقابة المتبادلة، أم على التنازع ومحاولات الهيمنة؟
إن الدولة الحديثة لا تُبنى إلا على مبدأ الفصل بين السلطات، بوصفه الضمانة الأساسية لاستقلال كل سلطة في ممارسة اختصاصاتها، ضمن منظومة من التوازن والرقابة المتبادلة التي تمنع تغول إحداها على الأخرى، وتحول دون الصدام أو التنازع على الصلاحيات، وقد أسس لهذا المبدأ عدد من كبار فلاسفة الفكر السياسي، وفي مقدمتهم أرسطو وأفلاطون، ثم طوره لاحقاً جون لوك، قبل أن يمنحه الفيلسوف الفرنسي شارل مونتسكيو صيغته الدستورية الحديثة في كتابه “روح القوانين”.
ومن البديهي أن أي تجاوز من السلطة التنفيذية على اختصاصات السلطتين التشريعية أو القضائية يشكل انحرافاً عن أسس الدولة الديمقراطية، ويفتح الباب أمام عودة الاستبداد بكل ما يحمله من شمولية وإقصاء وقهر، بعد أن دفع السوريون أثماناً بشرية ووطنية باهظة في سبيل الخلاص منه، من شهداء ومصابين ومعتقلين ومهجّرين، على امتداد عقود طويلة.
واليوم، وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، ومع وجود إعلان دستوري مؤقت ينظم شؤون الدولة إلى حين إقرار دستور دائم وإجراء انتخابات حرة ونزيهة وفق المعايير الدولية، تزداد الحاجة إلى رسم حدود واضحة للعلاقة بين السلطات الثلاث، بما ينسجم مع خصوصية هذه المرحلة وتعقيداتها.
وما نشهده من اجتهادات قانونية متباينة، بل ومتعارضة أحياناً، بشأن صلاحيات كل سلطة وعلاقتها بالأخرى، يعكس الحاجة الملحة إلى قواعد دستورية وقانونية واضحة تحسم هذا الجدل، فليس من المقبول أن تسعى أي سلطة إلى فرض إرادتها، أو التحرر من الضوابط القانونية، أو احتواء السلطات الأخرى، لأن ذلك يقوض مبدأ سيادة القانون، ويضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
لقد شهدت دول عديدة مرت بمراحل انتقالية مشابهة، ولا سيما في أوروبا الشرقية، اضطراباً في التشريعات، وتداخلاً في الاختصاصات، وانتشاراً للفساد والفوضى خلال مراحل التحول، ومن هنا، فإن استخلاص الدروس من تلك التجارب يقتضي احترام استقلال كل سلطة، والتروي في إصدار التشريعات والقوانين والمراسيم، وإخضاعها لنقاشات معمقة ومسؤولة تراعي المصلحة الوطنية، بعيداً عن الاستعجال أو الحسابات الضيقة.
كما أن كثيراً من المواطنين لا يدركون الآليات الدستورية لسن القوانين، ولا المرجعيات القانونية التي تنظم هذه العملية، ولا الدور الذي تضطلع به المحكمة الدستورية العليا في الرقابة على دستورية التشريعات، لذلك، فإن من الضروري أن تتضمن اللائحة الداخلية للمجلس التشريعي، المزمع إقرارها في جلسته المقبلة، نصوصاً واضحة تنظم هذه الإجراءات، وتحدد الاختصاصات والمرجعيات، بما يعزز الشفافية ويحد من تضارب التفسيرات.
وتبرز كذلك مسألة لا تقل أهمية، تتمثل بالدور الرقابي للمجلس التشريعي على السلطة التنفيذية، وحقه الأصيل في مساءلتها ومحاسبتها عن أدائها، وتقييم ما أنجزته وما أخفقت فيه، ويعود جانب من الجدل الدائر في هذا الشأن إلى بعض أوجه القصور في الإعلان الدستوري، الأمر الذي يستوجب معالجته بما يعزز التوازن بين السلطات، ويكرس مبدأ المساءلة السياسية. فالمجلس التشريعي ليس هيئة تقتصر مهمتها على المصادقة على مشاريع القوانين المحالة إليه من السلطة التنفيذية، بل هو سلطة دستورية مستقلة تمتلك إرادتها الكاملة في التشريع والرقابة والمناقشة واتخاذ القرار.
وعليه، فإن جميع مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسات السيادية، مطالبة باحترام هذه الاستقلالية، وترسيخ قناعة راسخة بأن مؤسسات الدولة وجدت لخدمة الشعب، وتستمد شرعيتها منه، وليست فوقه ولا وصية عليه، كما أن نجاح المجلس في ممارسة دوره الحقيقي من شأنه أن يبدد الصورة التي ترسخت في أذهان السوريين، وفي ذاكرتهم المثقلة، عن مجلس الشعب في ظل نظام آل الأسد، حيث غلبت مظاهر التهريج والتصفيق والتزوير على دوره الدستوري، وغابت الرقابة والتشريع الحقيقيان.
إن ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات ليس مجرد مسألة دستورية أو قانونية، بل هو الركيزة الأساسية لبناء دولة المؤسسات والقانون، والضمانة الحقيقية للحيلولة دون عودة الاستبداد بأشكاله المختلفة، وعندما نؤكد ضرورة الفصل بين السلطات، فهذا لا يعني أن تعمل كل سلطة بمعزل عن الأخرى أو وفق أهوائها، وإنما يعني أن تمارس كل منها اختصاصاتها ضمن حدود الدستور، وفي إطار من التعاون والتوازن والتكامل، بحيث تبقى مصلحة الدولة السورية فوق كل اعتبار.
وإذا أخفقنا في تكريس هذا المبدأ خلال المرحلة الانتقالية، فإننا نكون قد أضعنا فرصة تاريخية لبناء دولة حديثة، وقد نجد أنفسنا مجدداً أمام الممارسات ذاتها التي ثار السوريون عليها، وفي قبضة الاستبداد الذي لا يمكن أن يكون أساساً لدولة عادلة أو مستقرة.
وأخيراً، فإن الحديث عن الفصل بين السلطات ليس انتقاصاً من مكانة أي مسؤول، مهما كان موقعه، ولا سحباً لصلاحياته، ولاسيما حين يتعلق الأمر بالرئيس أحمد الشرع، فالقضية ليست مرتبطة بشخص الرئيس أو بصلاحياته، وإنما ببناء قواعد دستورية راسخة تستمر مع تعاقب الأشخاص والمؤسسات، فما يُرسى اليوم من أعراف دستورية خلال المرحلة الانتقالية سيغدو سوابق يحتكم إليها السوريون لعقود مقبلة.
لذلك، فإن ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات ليس خياراً سياسياً عابراً، بل هو استثمارٌ في مستقبل سوريا، وضمانة لدولة يحكمها القانون، وتُصان فيها الحقوق، وتُمارس فيها السلطة بوصفها تكليفاً لا امتيازاً.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






