
في العلاقات الدولية، لا تُقاس الزيارات الرسمية بعدد الاجتماعات التي تُعقد أو البيانات التي تُصدر، بل بما تحمله من رسائل سياسية، وما تعكسه من تحولات في موازين القوى واتجاهات المجتمع الدولي. ومن هذه الزاوية، تكتسب زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق أهمية استثنائية، لأنها لا تأتي في سياق بروتوكولي عابر، بل في لحظة تشهد تغيراً واضحاً في النظرة الدولية إلى سوريا وموقعها في الإقليم.
فالزيارة هي الأولى لغوتيريش إلى دمشق منذ توليه منصبه، وتأتي بعد سلسلة من الانفتاحات العربية والدولية على القيادة السورية الجديدة، وبعد أن بدأت قناعة تتبلور لدى العديد من العواصم بأن استمرار سياسة العزل التي مورست ضد سورية في عهد النظام البائد لم يعد يحقق أهدافها، وأن مقاربة أكثر واقعية تقوم على الحوار والتعاون أصبحت ضرورة لمعالجة الملفات السورية المعقدة.
البرنامج الرسمي للزيارة يتضمن لقاء الرئيس أحمد الشرع وكبار المسؤولين، والبحث في قضايا التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، والملفات الإنسانية، وعودة اللاجئين، إضافة إلى زيارة قوات الأمم المتحدة العاملة في الجولان. لكن هذه العناوين، على أهميتها، لا تختصر حقيقة الزيارة، لأن الرسائل السياسية الكامنة وراءها تبدو أكثر أهمية من جدول أعمالها. ويبرز هنا السؤال الذي يفرض نفسه: هل تمثل هذه الزيارة اعترافاً أممياً بالحكومة السورية الجديدة؟
من الناحية القانونية، لا تملك الأمم المتحدة صلاحية الاعتراف بالحكومات، فهذه مسألة سيادية تعود إلى الدول الأعضاء. غير أن العلاقات الدولية لا تُدار بالنصوص القانونية وحدها، بل بالممارسات السياسية أيضاً، وعندما يزور الأمين العام للأمم المتحدة دمشق بدعوة رسمية، ويجتمع مع رئيس الجمهورية بصفته رئيساً للدولة، ويبحث معه مستقبل التعاون بين المنظمة الدولية وسوريا، فإن ذلك يعني عملياً أن الأمم المتحدة تتعامل مع الحكومة الحالية باعتبارها الشريك الرسمي الذي يمثل الدولة السورية.
وهذا، وإن لم يكن اعترافاً قانونياً بالمعنى التقليدي، فإنه يحمل دلالة سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية، كما تعكس الزيارة تحولاً في أولويات المجتمع الدولي. فبعد سنوات انصب فيها الاهتمام على إدارة الصراع، بات التركيز يتجه نحو إدارة مرحلة ما بعد الصراع، بما تتطلبه من استقرار سياسي، وتعافٍ اقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة ملايين اللاجئين والنازحين. وهذه الملفات لا يمكن للأمم المتحدة أن تتعامل معها بمعزل عن القيادة السورية التي تقود مرحلة بناء سورية وإعادة إنتاج بنية الدولة على الصعيد المؤسساتي والاجتماعي والاقتصادي.
ولا ينبغي المبالغة في تفسير الزيارة على أنها نهاية لجميع الخلافات أو بداية تطبيع كامل بين سوريا والمجتمع الدولي. فلا تزال هناك ملفات معقّدة تتعلق بالإصلاحات السياسية، والعقوبات الاقتصادية، وإعادة الإعمار، والعلاقة مع القوى الإقليمية والدولية. لكن الصحيح أيضاً أن الزيارة تمثل خطوة متقدّمة في مسار إعادة دمج سوريا في محيطها الدولي، وتعكس اعترافاً بالواقع السياسي القائم أكثر مما تعكس تغييراً في المبادئ القانونية.
لقد أدركت الأمم المتحدة، كما أدركت دول كثيرة، أن استقرار سوريا لم يعد شأناً داخلياً، بل عنصر أساسي في استقرار الشرق الأوسط بأكمله، وأن استمرار القطيعة لا يصنع حلولاً، بينما يفتح الحوار قنوات لمعالجة الأزمات المتراكمة. لذلك، فإن القيمة الحقيقية لزيارة غوتيريش لا تكمن في الصور التذكارية أو البيانات الختامية، بل في الرسالة التي تحملها: أن سوريا عادت لتكون طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص مستقبل المنطقة، وأن التعامل معها لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها حقائق السياسة والجغرافيا معاً.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






