الضفة الغربية… ما قبل وما بعد

أسامة عثمان

في الضفة الغربية، كلُّ العوامل تدفع نحو التصعيد والانفجار الخطير، منها ما هو مباشر، مثل تصاعد عمليات القتل والاعتقال، ومصادرة الأراضي، وهدم البيوت، وغير ذلك، ومنها غير المباشر مثل تعزيز سلطة المستوطنين، ودعم تهويد المسجد الأقصى، وهو ما لا تعمل حكومة بنيامين نتنياهو وأضرابه على تجنّبه.
بعدما حصل في بلدة تل، جنوبي نابلس، حيث قتل فلسطيني مستوطنين في معرض الدفاع عن النفس والأهل، وقتلت قوات الاحتلال معه أربعة فلسطينيين، وجرحت آخرين، بعضهم في حالات حرجة، وما تبعها من جرائم احتلالية استيطانية منفلتة، فإنّ ذلك ينذر بعواقب نوعية، وارتدادات على مجمل الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس المحتلّة. ويُسعّر هذه الحالة ساسة إسرائيليون باتوا في موقع القرار، من خلال تسليح المستوطنين، وإطلاق العنان لهم في القتل والتخريب والترويع وحرق المساجد، وتعطيل أنشطة الفلسطينيين اليومية، وفي ذروة انهماكهم في العمل بأراضيهم وقضاء مصالحهم الضرورية. وعقب جريمة تل بحقّ الفلسطينيين، أثار معلّقون وسياسيون معارضون إسرائيليون مقارنة بين ما لو اقتحم فلسطيني مسلّح مستوطنة مستهدفاً مستوطنين، وما ارتكبه مستوطنون في بلدة تل: كيف سيُنظر إلى الفلسطيني، وكيف سيتعاملون معه؟ ولكن من الواضح أنّ الهجمات المنظّمة التي يشنّها المستوطنون تهدف إلى تكريس هذه الاستباحة، تحت زعم أنّها أرضهم، حتّى لو كان يقطنها فلسطينيون.

التزامات السلطة الفلسطينية تجعلها، في أقل تقدير، غير قادرة على دعم الصمود الفلسطيني أو الدفاع عن الفلسطينيين

ليست الجريمة البربرية في تل معزولة، فهي تأتي في سياق أكبر، من ضمنه زيارة مَن يسمّى “وزير الأمن القومي” إيتمار بن غفير، واحتفاؤه الاستفزازي بانتهاك حرمة المسجد الأقصى، على رأس مجموعات من المستوطنين الداعين إلى هدم المسجد وإقامة الهيكل على أنقاضه، مفتخراً بأداء صلوات في باحات الأقصى، فضلاً عن جولته في القدس، وتحدّيه المقدسيين، وتهديده من لا يرضخ لسياسات الاحتلال منهم، ومن الفلسطينيين عموماً. ولم يكن لهذا الهياج، ولتلك الاستباحة الاحتلالية الاستيطانية، أن يتفاقما في الضفة الغربية، لولا اختلالات متعدّدة النطاقات، ابتداءً من الدائرة الفلسطينية المباشرة، حيث الانقسام في الرؤية السياسية والمنطلقات الفكرية أدّى إلى إضعاف الحالة الفلسطينية عموماً، ليس فقط في التأثيرين النفسي والمعنوي، ولكن في تناقضات فعلية في المسارات بين نهج المقاومة ونهج التفاوض، مع أن أمام كلا الخيارين تحدّيات كبيرة. إلا أن التزامات السلطة الفلسطينية، التي لا تزال قائمة، تجعلها، في أقل تقدير، غير قادرة على دعم الصمود الفلسطيني أو الدفاع عن الفلسطينيين.
بالطبع، ليست لدى السلطة من القوة العسكرية، بالمقارنة بقدرات الاحتلال، ما يمكّنها من الدخول في مواجهة معه، لكن الأمر تعدى هذه المنطقة إلى ما يشبه التوحّد في الهدف مع الاحتلال، وإن كان بتبريرات أو منطلقات يُدَّعى أنّها فلسطينية، نحو توفير بيئة مسالمة غير عنفية. بالطبع، ليس الجدال هنا في إسقاط الجماعات الفلسطينية المقاومة على السلطة، فالفجوة واسعة، وليس المطلب دخول الفلسطينيين في الضفة الغربية في مواجهة مفتوحة مع الاحتلال؛ فقد لا تتوافر القدرة عليها، وقد لا يصبّ ذلك (في محصلته النهائية) في تثبيت الفلسطينيين في وطنهم.
ذلك أن تجربة غزّة أثبتت أن قادة الاحتلال يتنافسون في الإجرام، وهم الآن على أعتاب انتخابات عامة تأتي في منعطف مهم، وأن العالم وقف عاجزاً عن كبح تلك الجرائم الإبادية المستطيرة، وكذلك العرب والمسلمون، لكن السلطة تتحمّل المسؤولية الكبرى، فهي تضبط الوضع الفلسطيني، وتعمل على صياغته، وتجهض أي خيارات أخرى، من دون أن تكون قادرة على الخروج من حالة الإفلاس والعجز.
ومع أن الذرائع في الضفة الغربية أقل توافراً لنتنياهو ومن على شاكلته، إلّا أن العامل الأيديولوجي والديني المتطرّف، ودرجة الاستهداف في مجمل السلّم الاستراتيجي، لا تقل، بل هي أقوى في الضفة الغربية منها في غزّة. ومما يدل على ذلك هذا التنظيم وهذا الدعم وتلك الرعاية التي توليها حكومة الاحتلال لحركة الاستيطان والمستوطنين. فهم في حالة انتشار واسع وكثيف استوقفت دولاً غربية تنبّهت إلى مصيرية المرحلة، ومحاذير اللاعودة فيما لو تُرك الحال على ما هو عليه، مثل حظر كلّ من هولندا وبلجيكا التعامل، شراءً وبيعاً، مع المستوطنات المقامة في الضفة الغربية.
لكن، على الرغم من أهمية مثل هذه الخطوات العقابية، التي قد تتوسع أوروبياً، فإن ردّة الفعل لن تكون قادرة على احتواء الخطر المستشري، ما لم تتحوّل إلى سياسة ثابتة، ومن تكتلات دولية كبرى، كالاتحاد الأوروبي، وقبله الولايات المتحدة. وهذه الأخيرة لا تُؤمّل منها مواقف يُعوّل عليها تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب بتاريخه، وباختراقاته التاريخية من نقل السفارة الأميركية إلى القدس، إلى التماهي مع نتنياهو في عزل الفلسطينيين بوسائل عدة، منها استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، بما يحرم الفلسطينيين من خدماتها، وكذلك يصبّ في خدمة طمس قضية اللاجئين الفلسطينيين. ولا يعوّل على هذا الرئيس، فهو يتذبذب ويساوم في ظل غياب رؤية استراتيجية شاملة، ولن يلتزم بها إن وجدت.

تساوم إسرائيل باعتداءاتها على لبنان وسورية للحصول على التغاضي العربي والدولي عمّا تفعله في الضفة أو تأييده

وإجمالاً، يتقدم الخطر متوازياً: تدمير حياة الفلسطينيين مع تكثيف تهويد المسجد الأقصى. ومن نافلة القول إنه لا مفرّ من إجراءات عاجلة وملموسة، لكن للأسف، نجحت إسرائيل في إشغال العالم والعرب بما تفرضه من اعتداءات جديدة على لبنان وسورية، وربما تجعل بعضها ورقة مساومة تحصل بموجبها على مزيد من التغاضي عمّا تفعله في الضفة الغربية أو تأييده، وقبلها في غزّة.
السلطة الفلسطينية تعيد مطلبها بالحماية الدولية، مع أنها ترجّح أنه لن تكون هناك استجابة ما لم تقتنع واشنطن المتسلطة على الشأن في فلسطين، وهي التي لا تزال تحمي دولة الاحتلال في المؤسسات الدولية، من مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية. وحتى لو تحقق وجود دولي ما، وهو ما لا مؤشرات عليه، فإن السيطرة الاحتلالية والاستيطانية المباشرة غير الآبهة بالأمم المتحدة، بل المعادية لها، ستغريها بالمضي فيما بدأته من محاولة فرض السيادة على فلسطين كلها، في استجابة لا مفاضلة فيها لصالح القواعد اليمينية المتطرّفة، فيما تراه فرصة سانحة، وفي خطوات تتسارع لفرض وقائع لا رجوع عنها.
ومع أن أنظار العالم تتجه نحو إيران ومنطقة الخليج، إلا أن إسرائيل تربط بين الساحتين ربطاً وثيقاً، فما تحصده في الخارج إنما تريده وقائع راسخة في فلسطين والضفة الغربية. وهذه الحكومة المروّجة للحروب، إنما تسعى إلى توسيع نطاق العداء من إيران إلى تركيا وغيرهما، وتحاول، مع أهدافها التوسعية الإقليمية، أن تمهّد للإجهاز الكامل (والصعب) على فلسطين.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى