
تشير التجربة المعاصرة لعدة دول ما بعد النزاعات الأهلية نجحت في عملية الانتقال السياسي، فما هي أهم الدروس التي كان يمكن أن نستفيد منها في سوريا الجديدة؟
إذ إنّ عددًا من هذه التجارب الأكثر نجاحًا، كما هو الحال في جنوب إفريقيا ورواندا، عرف أشكالًا متنوعة من البرلمانات بعد التحوّلات السياسية، اعتمدت على الجمعيات التأسيسية التوافقية بين المكوّنات السياسية والاجتماعية، بوصفها مدخلًا لإنجاح المرحلة الانتقالية.
في حين لم تتبنَّ سلطة المرحلة الانتقالية في سوريا هذا النموذج، وإنما جرى الاعتماد على قادة الفصائل العسكرية خلال “مؤتمر النصر” الذي عُقد مطلع عام 2025، والذي اتخذ القرارات الأساسية المتعلقة بمستقبل البلاد.
وفي مقدمتها تعيين أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا لمدة خمس سنوات، الذي عيّن لجنة المؤتمر الوطني، الذي جاء بصورة شكلية لعدة ساعات، ولم يشهد حوارًا وطنيًا جادًا، قبل أن تتبعه خطوات أخرى تمثلت في إصدار الإعلان الدستوري واتخاذ سلسلة من القرارات السيادية.
وفيما يتعلق بتشكيل مجلس الشعب، لا شكَّ أنّ الظروف الاستثنائية التي تعيشها سوريا، بعد أكثر من أربعة عشر عامًا من الحراك الشعبي، وغياب السجلات المدنية، ووجود أعداد كبيرة من السوريين في الخارج، قد تبرر اللجوء إلى آليات غير انتخابية مباشرة في تشكيل المجلس.
ولكنّ آلية اختيار أعضاء اللجان المشرفة على تشكيل الهيئات الناخبة في المحافظات جرى تشكيلها تحت إشراف الهيئة السياسية التابعة للسلطة الانتقالية. والنهج نفسه استمر حتى مرحلة تعيين الأعضاء السبعين الذين اختارهم الرئيس المؤقت، آخذًا بعين الاعتبار التوازن المناطقي والطائفي والجندري، مع غياب لتمثيل التيارات السياسية، مما سيؤدي إلى انعدام البرامج لرسم سياسات عقلانية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. إذ إنّ وجود أحزاب سياسية يعد من أهم مرتكزات الدولة الحديثة، لما ينطوي عليه من احتواء سلمي للاختلاف، بعيدًا عن العنف والاقصاء.
هل سيستطيع المجلس إصدار قانون عصري ومرن ينظم تشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني؟ وهل سيكون قادرًا على إقرار تشريعات تعترف بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان؟
وكان مجلس الشعب الذي افتُتحت جلسته الأولى مؤخرًا، أقرب إلى مجلس تابع للرئيس، مما يحدُّ من قدرته على أداء الوظائف التقليدية المنوطة بالبرلمانات. والمتمثلة في الرقابة على السلطة التنفيذية ومحاسبتها، إلى جانب تمتعه باستقلالية تشريعية، في حين أنّ المجلس الحالي، من حيث المبدأ، لن يكون قادرًا على القيام بهذا الدور.
فمثلًا الرئيس الانتقالي أصدر، خلال الأشهر الماضية، عددًا كبيرًا من المراسيم التي أصبحت نافذة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، فهل سيتمكن المجلس من مراجعة تلك المراسيم أو تعديلها؟ وهل سيستطيع المجلس إصدار قانون عصري ومرن ينظم تشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني؟ وهل سيكون قادرًا على إقرار تشريعات تعترف بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان؟
وبصورة عامة، يمكن القول إنّ سوريا لم تسلك المسار الذي أثبت نجاحه في تجارب انتقالية أخرى، والقائم على تشكيل جمعية تأسيسية توافقية تقود البلاد نحو مرحلة انتقالية مستقرة، في حين أنها أحوج ما تكون إلى دولة الحق والقانون التي تثبت مصداقيتها في الانفتاح على العالم، بعد سنوات من العزلة والعقوبات الدولية. وفي هذا السياق، يبدو أنّ تنظيم حياة سياسية تعددية يمنح المؤسسات الدولية مؤشرات على جدية عملية الانتقال السياسي، بما يفتح المجال للتعاون الاستثماري وجهود إعادة الإعمار.
وهكذا، ينتظر السوريون أن يقوم مجلس الشعب بأدواره الرقابية والتشريعية، ومساءلة السلطة التنفيذية عن حالات التقصير في ضبط الأمن العام، كي يطمئن المواطنون جميعًا على حياتهم وممتلكاتهم وأعراضهم.
المصدر: تلفزيون سوريا





