
جمال الشوفي
مما لا شك فيه أن الثورات حقٌّ للشعوب في استرداد حقوقها المسلوبة من سلطات العنف والأيديولوجيا، أيّاً كانت سماتها وصفاتها؛ فلم يحدث تغيير تاريخي في البنى المجتمعية، أو انتقال من حال سياسي إلى آخر مختلف، إلا بفعل ثوري. لكن هل الثورة بذاتها هي التي وطّنت ووطّدت البديل المستحق عن البنى الاجتماعية والسياسية التي سبقتها، وكانت الثورة ضدها؟
تاريخياً وبنيوياً، تصنع الثورة، وما قد يرافقها غالباً من عنف وعنف مضاد، الشرعيات الثورية التي تعمل على فرض سلطتها كسلطة بديلة، ولا تنتقل من مرحلة الثورة إلى مرحلة الاستقرار وبناء الدولة إلا بعد حلقات من العنف الثوري وممارسة فرض شرعياتها الثورية كسلطة بديلة.
وبمراجعة كثيفة وسريعة لتاريخ الثورات، ولا سيما أشهرها عالمياً (فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي)، نجد أنها لم تستقر إلا بعد إفراغ حمولتها الشعورية والعنفية بكل تناقضاتها وتبايناتها وصراعاتها، ثم أتى التغيير الممكن وبناء الدولة الحقوقية والدستورية؛ في حين لا تزال ثورات الربيع العربي المعاصرة تخوض ذات المخاض ما قبل الاستقرار الفعلي والممكن.
يبدو النقد متسرعاً في الحكم على الحالة السورية الراهنة، فهي لا تزال تعيش مرحلة مخاض ثوري عمومي متعدد الاستقطاب والأيديولوجيا.
فرغم الاستقرار النسبي لغالبية دول الربيع العربي، فإنها لم تتمكن، حتى اليوم، من الدخول في بنيان مختلف عن السلطات السابقة، ولم تحقق بعد عوامل الاستقرار في سيادة القانون وتحقيق العدالة ورفع المظالم وتحقيق الازدهار المادي والاقتصادي. هذا، ولا تزال سوريا تعجّ بفوضى المشاعر الثورية وفرض سطواتها متعددة الاتجاهات، والمرتبطة بممارسة العنف ومفهوم الغلبة وفرض وحدانية شكل سلطاتها متعددة الأيديولوجيات والمناطق، ولا أستثني أحداً. فهل العنف ميزة ثورية، والوصول إلى السلطة غايتها؟ وماذا عن الدولة؟
قد تكون المقدمة كثيفة وتحتاج إلى تفصيل وأدلة، وتبدو متعجلة أيضاً! لكن الدراسات والأبحاث التحليلية السابقة تعفينا من الخوض في تاريخ الثورات بدلالاتها ومساراتها. وقد يبدو النقد متسرعاً في الحكم على الحالة السورية الراهنة، فهي لا تزال تعيش مرحلة مخاض ثوري عمومي متعدد الاستقطاب والأيديولوجيا. لكن الكتابة وممارسة النقد ضرورة بنيوية للاستفادة من تجارب التاريخ، ولتخفيف حدة الموجات العنفية في المراحل الانتقالية، تستهدف فتح بوابات التغيير الممكن والاستقرار المطلوب في الدولة.
والقول في هذا السياق ليس متعجلاً، بل يطرح أسئلة نقدية مرت بها تجارب شعوب سابقة؛ فإمكانية الوصول إلى رفع المظالم وشفاء النفوس قد بدأت فعلياً بالفعل الثوري وإسقاط السلطة السابقة، لكن موضوع التغيير المطلوب ليس استبدال سلطة بسلطة، بل بناء دولة، وهذا موضوع مختلف جذرياً. والأسئلة المطروحة ليست متناقضة، ولا تشكك في أهمية وضرورة الثورات، لكن الفرضية المبدئية، التاريخية والمنطقية، تفيد بأن الثورة شرط لازم للتغيير، لكنه غير كافٍ للبناء المختلف بنيوياً!
لا تختلف أدوات الفكر بعمومها حول مفهوم الثورة، فهي تشير إلى فيض المظالم والمشاعر، حيث الغضب والهيجان الشعوري، وما يرافقهما من صور العنف النفسي والمادي، وصولاً إلى العمل المسلح الدموي. الثورة ليست فعلاً إصلاحياً سلساً يؤدي إلى نقل صلاحيات دستورية وسياسية من سلطة إلى أخرى، وليست انقلاباً عسكرياً سريعاً يطيح بحاكم ويأتي بغيره، والحالتان لم تحدثا في التجربة السورية.
وما حدث هو ثورة تطورت مراحلها من سلمية إلى عنفية، وعمل النظام المخلوع، بكل عنفه العسكري والأمني، على سحقها، ورغم ذلك سقط! مخلّفاً تركة واسعة من المظالم تكاد تطال غالبية السوريين، ما يجعل متلازمة الشرعية الثورية والعنف حدثاً طبيعياً في المشهد العام. لكن سؤال الثورة والسلطة والعنف، كسؤال محوري في التاريخ، وسوريا ليست استثناءً، يقودنا إلى سؤال الدولة والبناء المختلف. فبحسب ماو تسي تونغ الصيني: “السلطة تأتي من فوهة البندقية”، وهي المقولة الأكثر ارتباطاً بالثورات وعنفها والوصول إلى السلطة، والتي تبرر ممارسة سطوة القوة وإنتاج القيادات الكاريزمية البديلة، لتقع الثورات في فخ العنف وأدواته، وهو ما تقوم الثورات أساساً ضده.
فاستخدام العنف من قبل أي سلطة ضد الشعب يُسقط عنها صفتها الشرعية كسلطة دولة، وتتحول إلى سلطة عنف ديكتاتورية، وهذه سمات نظام الأسد المخلوع. وما تشهده المرحلة الانتقالية السورية لا يعبّر إلا عن تلازم الشرعية الثورية والعنف الذي تقع فيه سلطات ما بعد الثورات، مستندة إلى الأحقية الثورية ومظالمها العامة.
والحديث هنا لا يقتصر على سلطة المرحلة الانتقالية وحسب، بل يتناول الصراعات متعددة الأطراف الأخرى في وقائع دموية متتالية تكاد تكون ميزة المرحلة السورية الانتقالية عموماً. فالكل يبحث عن تغيير القادة أيديولوجياً ومناطقياً وطائفياً، وترسيخ منطقة نفوذه العسكري عبر بندقيته ومشروعه السلطوي، حتى وإن كان على قدر إدارة ناحية أو مؤسسة! مع سيادة اعتقاد مغلق ومقلق بالأحقية المطلقة شعورياً ونفسياً، ما يجعل العنف متوالداً ومتكرراً، ولا أحد يريد أن يعترف بخطئه وبإمكانية التراجع عنه وعلاجه، وأنه كان بالإمكان تلافي نتائجه العنفية من الأساس بالحوار والتوافق، حتى لو استمر زمناً أطول، فكلفته لا تُقارن بكلفة العنف الناشئ!
إذا ما بقيت كل جهة أو طائفة أو فرد يشعر بأن حقه حق كلي ومطلق، فلن يتمكن من رؤية حق الآخر ومظلوميته، فكيف إذا ما تم التنازع على هذه الحقوق بالعنف وشروط الغلبة؟
في تبرير العنف الذي شهدته الفترة الماضية من المرحلة الانتقالية، يتم الحديث عن انقلاب الفلول، والحركات الانفصالية، وانتشار فوضى السلاح خارج منظومة الدولة، مخالفاً لمفاهيم الدولة أساساً وللإعلان الدستوري. ورغم أن شواهد هذا القول قائمة فعلياً، فإن ممارسة العنف لم ولن تتمكن من علاجها، ما يستدعي النقد جذرياً! فلا تزال المشاعر الثورية المرتبطة عضوياً بالقوة هي المتحكمة بالمشهد السوري بكل أطرافه، وهذه تمّ ويتمّ تفنيدها في مقالات ودراسات منفردة تطول كل حالة منها، لكن ارتباط العنف بالثورة والسلطة هو الذي يتوجب علاجه جذرياً.
إن كانت الثورة حقاً للمظلوم حين لا يتمكن من تحصيل حقوقه بالطرق السلمية، فإن انتزاع الحقوق بالعنف، وممارسة ذات الدور الذي كان يُمارس ضده، هو عنف مضاد حتى وإن كان ثورياً! في حين أن القاعدة العامة التي رسّخها التاريخ هي أن الثورة بذاتها، مهما حاولت ممارسة أحقيتها وشرعيتها في الحكم البديل، لن تتمكن من دخول معركة البناء إلا على أرضية الحوار والتوافق، وهذا يعني الإقرار بوجود مظالم متعددة الجوانب يجب إنصافها والإقرار بأحقيتها! فلا يوجد حق مطلق، بل حقوق نسبية تطال المجتمع كله لتصل به إلى مرحلة الاستقرار الأولي القابل للبناء عليه. بينما إذا ما بقيت كل جهة أو طائفة أو فرد يشعر بأن حقه حق كلي ومطلق، فلن يتمكن من رؤية حق الآخر ومظلوميته، فكيف إذا ما تم التنازع على هذه الحقوق بالعنف وشروط الغلبة؟
إن احتكار الاعتقاد بالمظلومية المطلقة لجهة دون غيرها يغلق جميع بوابات الرؤية والسماع لمظلومية الآخر، ويؤدي إلى صراع دموي يولّد مظالم جديدة! وأي صيغة للحكم تقوم على استخدام العنف وقوة السلاح هي تقويض لمشروع الدولة، وتعيد الأمر إلى ذات بنية سلطة النظام المخلوع الذي فقد سلطته السياسية باستخدامه القوة أمنياً وعسكرياً. ومع هذا، لا يزال بالإمكان العمل على استعادة التوازن وتجفيف منابع العنف وتخفيف حدة المشاعر الثورية ومصائد الأحقية ومكاسب النفوذ والصراع حولها، بتحقيق العدالة والعمل المؤسسي واستعادة منابر الحوار حول حقوق المواطنة المتساوية وحرية الرأي واحترام الأديان، ونفي العنف عقلياً وثورياً ونفسياً. وهذا ليس نقداً أو مجرد كلام نظري، بل هو فعل مكتمل الأركان سياسياً ومادياً، يتطلب صناعة أدواته المعرفية والحوارية وحلقاته الاستشارية العقلانية بمشاركة جميع البنى الاجتماعية السورية. وأظن أننا حينها سنجد نتائج مختلفة عما نعيشه حتى اليوم، وإلا أعدنا تجارب التاريخ ولم نتعلم منها، فهلّا أبلغت..؟
المصدر: تلفزيون سوريا






