
رندة حيدر
المواجهة العسكرية حالياً بين إيران والولايات المتحدة، والضربات الإيرانية الموجهة إلى دول الخليج جزء أساسي من صراع إيران دفاعاً عن نفوذها بصورة خاصة في لبنان والعراق، في وجه المحاولات الأميركية لمحاربة هذا النفوذ، والسيطرة مجدّداً على الحياة السياسية في البلدين اللذيْن خضعا لعقود لنفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي.
وفي ما يتعلق بلبنان تحديداً، اتخذت هذه المواجهة أشكالاً متعددة. وبرز في هذا السياق المسعى الإيراني إلى ربط وقف النار في لبنان بالمفاوضات الإيرانية الأميركية، ومن خلال الحملة العنيفة التي يخوضها حزب الله ضد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، ورفضه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وإعلانه القاطع تمسكه بسلاحه ورفض الاعتراف باتفاق الإطار الذي توصل إليه الطرفان.
وقد أشاع توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 13 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، في لبنان وبين أنصار حزب الله شعوراً بأن الولايات المتحدة خضعت للمطالب الإيرانية، ما زاد حزب الله تعنّتاً ورفع مستوى التحدّي والاستفزاز للسلطة اللبنانية التي براها الأمين العام للحزب نعيم قاسم ترتكب “خطأ شنيعاً” عليها التراجع عنه. لكن الوضع ما لبث أن انقلب مع التصعيد العسكري أخيراً بين الولايات المتحدة وإيران، وانهيار مذكّرة التفاهم وتوسّع الضربات الإيرانية ضد دول الخيج والأردن، الأمر الذي دفع مراقبين إسرائيليين إلى وصف ما يجري بأننا نشهد حرباً إيرانية للدفاع عن نفوذها الإقليمي في المنطقة، ما يزيد في تعقيد الوضع وتداعياته على دول المنطقة وبالأخص لبنان.
ما تزال محاولات الدولة أخيراً في لعب دور في إعادة سكان البلدات الجنوبية إلى قراهم أو مساعدتهم في ترميم ما تدمر ضعيفة وخجولة
جاءت زيارة جوزاف عون البيت الأبيض في غضون الصراع الإيراني على النفوذ وتبادل الضربات العسكرية الإيرانية – الأميركية، وفي أثناء جدل عام وانقسام داخلي عمودي في لبنان بين فريق المؤيدين لاتفاق الإطار، وهم عموماً المعسكر الموالي للولايات المتحدة والمعادي لإيران؛ وبين الرافضين له من المعسكر المؤيد لإيران، مع تيار ثالث خارج هذا الاصطفاف لديه انتقادات وتحفظات على الاتفاق، لكنه مع مبدأ حصرية السلاح في يد الدولة اللبنانية. وقد حرص نواب حزب الله في البرلمان اللبناني على التأكيد بأن الرئيس لا يتحدّث باسمهم وباسم القاعدة الشعبية التي يمثلونها، وهم بذلك يطعنون مسبقاً بشرعية القرارات التي قد يتفق عليها رئيس الجمهورية اللبنانية خلال لقائه مع الرئيس الأميركي ترامب.
ولكن كل من يعرف السياسة الداخلية اللبنانية يدرك أن محاولة الرئيس عون إقناع الرئيس الأميركي بأنه قادر على نزع سلاح حزب الله وإخراج لبنان من طوق الهيمنة الإيرانية أمر فائق الصعوبة، فالنفوذ الإيراني في لبنان لا يستند فقط إلى تسليح حزب الله وتمويله، بل أيضاَ يتجلى في الدولة الموازية التي أنشأها حزب الله برعاية إيرانية، ويعتمد عليها مجتمع بأكمله اقتصادياً واجتماعياً و صحّياً تربوياً. وذلك في غياب الدولة الرسمية اللبنانية عن أجزاء كبيرة من الجنوب اللبناني منذ سنوات، وضعف أداء مؤسّساتها وغياب خدماتها وتخليها عن واجباتها الأساسية حيال مواطنيها، فإنها تركت العبء على حزب الله ومؤسّساته المالية والاجتماعية والصحية والتربوية. وما تزال محاولات الدولة أخيراً في لعب دور في إعادة سكان البلدات الجنوبية إلى قراهم أو مساعدتهم في ترميم ما تدمر ضعيفة وخجولة. ولا يسمح الواقع المأزوم الحالي للدولة اللبنانية بالقيام باعباء هذه المهمة الشاقة. من هنا تعويل الجنوبيين مرّة أخرى على حزب الله ومؤسّساته.
تمكّن حزب الله من التغلغل في المؤسّسات السياسة والأمنية والعسكرية للدولة اللبنانية
بالإضافة إلى ما ذكر أعلاه، تمكّن حزب الله في السنوات الماضية من التغلغل في المؤسّسات السياسة والأمنية والعسكرية للدولة اللبنانية، وأحكم سيطرته على مراكز التأثير والقوة فيها، وأنشأ نوعاً من “دولة عميقة” باتت تتحكّم بسياسات البلد في الداخل والخارج.
يدفع هذا كله إلى استنتاج أن المحاولات الأميركية لمحاربة للنفوذ الإيراني في لبنان، وسعي السلطات في لبنان إلى الخروج من دائرة هذا النفوذ، لن يكونا على شاكلة ما يقوم به رئيس الحكومة العرا قي، علي الزيدي، دمج المليشيات المسلحة الموالية لإيران في الجيش العراقي، بل ستكون عملية أكثر تعقيداً وتشابكاً، ظاهرها نزع سلاح حزب الله، وباطنها إجبار إيران على التخلي عن نفوذها في لبنان، الأمر الذي لن تقبل به أبداً بعد خسارتها سورية.
والخوف الأكبر من أنه إذا شعرت إيران بأن نفوذها في لبنان في خطر فلن يدفعها هذا إلى اتخاذ خطوات دراماتيكية، يمكن أن تكون إحداها ضرب إسرائيل، والطلب من حزب الله في لبنان الانخراط في حرب إسناد جديدة قد تتحوّل إلى حرب استنزاف على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية.
المصدر: العربي الجديد






