
في كل مرة تبدأ فيها دولة مرحلة جديدة، يتكرر السؤال نفسه: ما أول قانون يجب أن يصدر؟. يبدو السؤال منطقياً، لكنه يفترض ضمناً أن القانون يأتي بعد الاقتصاد، وأن مهمته تقتصر على تنظيم واقع قائم، غير أن التجارب التي أعادت تشكيل اقتصادات العالم تقول شيئاً مختلفاً تماماً، فالاقتصاد لا يسبق القانون، بل يبدأ منه.
قبل أن تُبنى المصانع، وقبل أن تُضخ الاستثمارات، وقبل أن تتحرك الأسواق، تكون هناك منظومة قانونية قررت مسبقاً من يملك، ومن يتعاقد، ومن ينافس، وكيف تُحل النزاعات، وما حدود سلطة الإدارة، وما الذي تستطيع الدولة تغييره وما الذي لا تستطيع تغييره. ومن داخل هذه القواعد، يولد الاقتصاد.
لهذا، لم تكن النهضات الاقتصادية الكبرى مجرد نجاحات مالية، بل كانت، قبل ذلك، نجاحات تشريعية ومؤسسية. فلم تبدأ عندما ازداد الإنفاق، ولا عندما ارتفعت الصادرات، بل عندما استقرت القواعد التي جعلت الأفراد والشركات يبنون قراراتهم على توقعات يمكن الوثوق بها. وسوريا تقف اليوم أمام لحظة من هذا النوع.
اعتادت الدول الخارجة من الأزمات أن تُكثر من التشريعات استجابةً للمشكلات المتلاحقة، حتى يصبح القانون ردَّ فعل أكثر منه أداةً لبناء المستقبل
فمع بداية عمل مجلس الشعب في مرحلة تتجه فيها البلاد نحو إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها، قد يبدو أن المهمة الأساسية هي إصدار قوانين جديدة. لكن المهمة الأعمق ليست زيادة الإنتاج التشريعي، بل إعادة تعريف العلاقة بين القانون والاقتصاد.
لقد اعتادت الدول الخارجة من الأزمات أن تُكثر من التشريعات استجابةً للمشكلات المتلاحقة، حتى يصبح القانون ردَّ فعل أكثر منه أداةً لبناء المستقبل. أما التجارب التي نجحت في بناء اقتصادات مستقرة، فقد اتخذت مساراً مختلفاً، إذ لم تكتب قوانينها لتلاحق الأزمات، بل لتحدد شكل الاقتصاد الذي تريد الوصول إليه، وهنا يبدأ الدور الحقيقي للمؤسسة التشريعية.
فمجلس الشعب ليس جهة لإنتاج النصوص فحسب، بل هو المؤسسة التي تمنح الدولة لغتها القانونية. وإذا كانت هذه اللغة متماسكة، أصبحت القوانين، مهما اختلفت موضوعاتها، تعمل في اتجاه واحد، أما إذا حمل كل قانون فلسفة مختلفة، فإن أفضل النصوص تتحول إلى منظومة متعارضة، يتقدم فيها قانون ليقيد أثر قانون آخر، وتصبح الدولة غنية بالتشريعات، لكنها فقيرة في وضوح الاتجاه.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيحدد نجاح المرحلة المقبلة ليس: كم قانوناً سيصدر؟ بل: هل ستولد من هذه القوانين فلسفة اقتصادية واضحة؟
فالقانون التجاري، والضريبي، والإداري، والاستثماري، وقوانين القضاء، ليست جزراً منفصلة، بل أجزاء من تصور واحد لطبيعة الاقتصاد الذي تريد الدولة بناءه.
ولهذا، فإن ما تراقبه المؤسسات المالية الدولية، وما يقرأه المستثمر قبل تفاصيل النصوص، ليس كل قانون على حدة، بل الرسالة التي تحملها المنظومة القانونية بأكملها. هل تتجه نحو مزيد من اليقين؟ هل تحمي التعاقدات؟ هل تجعل الإدارة مقيدة بالقانون؟ وهل تمنح السوق قواعد مستقرة يمكن البناء عليها لسنوات، لا لأشهر؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد اتجاه رأس المال أكثر مما تحدده الحوافز المؤقتة أو الإعفاءات الضريبية.
إن الدعم السياسي الذي قد تحظى به الدول يفتح نافذة من الفرص، لكن استمرار هذه الفرصة يتوقف على قدرة مؤسساتها على تحويل الدعم إلى قواعد، وتحويل القواعد إلى استقرار، وتحويل الاستقرار إلى إنتاج ونمو.
بناء اقتصاد قوي لا يبدأ في الأسواق، بل يبدأ في اللحظة التي تصبح فيها القواعد أكثر استقراراً من الاستثناءات
ولهذا، فإن المهمة التاريخية لمجلس الشعب الجديد لا تكمن في كتابة قوانين أكثر، بل في بناء فلسفة تشريعية تجعل جميع القوانين القادمة تبدو وكأنها فصول في كتاب واحد، تحكمه رؤية اقتصادية واضحة ومتسقة، فالدول لا تنهض عندما تتكاثر قوانينها.
إنها تنهض عندما تصبح قوانينها تعبيراً عن رؤية واحدة، يعرف المواطن من خلالها ما له وما عليه، ويعرف المستثمر كيف سيُحكم عقده، ويعرف القاضي أي فلسفة تحكم النص الذي بين يديه.
وفي نهاية المطاف، لا يحدد القانون شكل الاقتصاد بعد قيامه، بل يحدد نوع الاقتصاد الذي يمكن أن يقوم أصلاً. ومن هنا، فإن بناء اقتصاد قوي لا يبدأ في الأسواق، بل يبدأ في اللحظة التي تصبح فيها القواعد أكثر استقراراً من الاستثناءات، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل من مجرد تنظيم الحاضر.
المصدر: تلفزيون سوريا






