إقليمنا المضطرب في عين العاصفة مجدّداً

عبد الباسط سيدا

ما يُستشف من مجريات الحرب الأميركية الإيرانية في جولتها الراهنة، وتصريحات المسؤولين الأميركيين والإيرانيين، وتعثّر جهود الوساطة بين الجانبَين، أنّ هذه الحرب ستطول؛ وقد تتوسّع، لتشمل دولاً أخرى حيث النفوذ الإيراني. ومن الواضح في هذا السياق أنّ النظام الإيراني مصرّ على عدم التخلّي عن أذرعه في تلك الدول، ويشار هنا تحديداً إلى لبنان والعراق واليمن؛ هذا بالإضافة إلى ما قد تبقّى من نفوذه في الساحة الفلسطينية.
فالنظام الإيراني اعتمد، منذ سيطرته على الحكم في إيران قبل نحو نصف قرن، استراتيجيةَ التوسّع تحت شعار تصدير الثورة، واستغلال عدالة القضية الفلسطينية والمظلوميات الشيعية في دول الجوار، وهي مظلوميات عمل على تصعيدها عبر تشكيل مليشيات محلّية مرتبطة به مباشرة بصورة عضوية وخارج نطاق الدول التي توجد فيها، مليشيات اتخذت النزعة المذهبية أداةً أيديولوجيةً عقائديةً لشدّ العصب والتجييش لمصلحة استراتيجية النظام المعني. هذا في حين أنّ المعالجة الأمثل لتلك المظلوميات تكون ضمن إطار المشاريع الوطنية، المفروض أن تعامل سائر مكوّناتها ومواطنيها معاملة عادلة، معاملة تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات من دون أيّ تمييز أو استثناء.

يحاول النظام الإيراني أن يقدّم نفسه المدافع عن المنطقة ومستقبل شعوبها في مواجهة الأطماع الغربية والإسرائيلية

واليوم، ليس لدى هذا النظام (لجأ إلى كلّ الوسائل والأساليب من أجل البقاء على مدار عقود، وارتكب الانتهاكات ضدّ شعوب ودول المنطقة بهدف السيطرة عليها) في وضعيته الراهنة أيّ استعداد للتفاهم، وهو يرفض الأخذ بالنصائح الحسنة الصادقة التي تقدّمها له دول الجوار، خصوصاً السعودية وقطر، والدول الإقليمية المؤثّرة مثل مصر وتركيا وباكستان. فهو كان (ويبدو أنّه ما يزال) يخطّط للهيمنة على هذه الدول عبر قوى وجدت في النظام الإيراني نموذجاً ملهما يمكن الأخذ به، أو قوّةً داعمةً تقدّم لها ما تحتاج إليه للسيطرة على مجتمعاتها والوصول إلى الحكم سواء بصورة مباشرة أم غير مباشرة.
ولعلّ هذا ما يفسّر تهافت ما قيل عن توصّل الطرفَين الأميركي والإيراني بفضل جهود الوسطاء، لا سيّما الوسيطين الباكستاني والقطري، إلى مذكّرة التفاهم، واستعدادهما لمتابعة المفاوضات للوصول إلى حلول بشأن القضايا الخلافية الأساسية.
ما يجري في المنطقة صراع استراتيجي وجودي بالنسبة إلى النظام الإيراني الذي يدرك أنّ سياسات غضّ النظر عن تغلغله وأفعاله التخريبية في دول المنطقة ومجتمعاتها لم تعد سارية المفعول؛ خصوصاً بعد التيقّن من أهداف جهوده المستمرّة في ميدان التسلّح (المسيّرات والصواريخ)، ومساعيه الحثيثة لامتلاك السلاح النووي، والتحكّم بالممرّات المائية (مضيق هرمز، باب المندب)، وجهوده المتواصلة الرامية إلى توسيع دائرة نفوذه في أفريقيا، وزرع الخلايا النائمة المرتبطة به في الدول الغربية لاستخدامها وقت اللزوم.
فهذا النظام، على الرغم ممّا يرفعه من شعارات تتمحوّر حول وحدة الشعوب الإسلامية والحقوق الفلسطينية ونصرة المستضعفين، يعمل في واقع الحال من أجل الهيمنة الإقليمية، أو على الأقلّ من أجل الحصول على الحصّة الأكبر منها في مواجهة القوى الإقليمية الأخرى (السعودية، مصر، تركيا، إسرائيل). ولعلّ هذا ما يفسّر جانباً من تصرّفاته الرعناء تجاه دول الجوار التي عملت (وما تزال) من أجل إيجاد مخارج سلمية للأزمة المتصاعدة بين هذا النظام والولايات المتحدة، لقناعتها بأنّ أيّ حرب في المنطقة ستُلحق الأذى بالجميع، ولن تكون في صالح استقرار شعوبها وأمانها ومستقبلها. وأمام صبر هذه الدول (دول الخليج والأردن وإقليم كردستان العراق)، وحرصها على عدم التصعيد، يتمادى النظام الإيراني في اعتداءاته عليها بصورة شبه يومية بالمسيّرات والصواريخ، ويعلن باستمرار أن لا أحد سيتمتّع بالأمن والاستقرار في المنطقة ما دام مهدَّداً. وفي بداية الأمر، كان يسوّغ اعتداءاته على دول الخليج بزعمه إنّه يهاجم القواعد والمصالح الأميركية، ولكن بات من الواضح أنّ النظام المعني يريد تفجير الأوضاع في المنطقة لرفع كلفة الفاتورة والضغط على صانع القرار الأميركي، تماماً كما فعل بالتنسيق مع سلطة آل الأسد في العراق بعد الدخول الأميركي وسقوط نظام صدّام حسين عام 2003. فالنظام المذكور يهدّد اليوم بإغلاق مضيق باب المندب، وهو الأمر الذي، إذا ما تم، سيؤدّي إلى تعقيد الأوضاع المعقَّدة أصلاً في المنطقة، وسيفاقم الأزمة الاقتصادية على المستوى العالمي.
من جهة أخرى، يحاول النظام الإيراني أن يقدّم نفسه المدافع عن المنطقة ومستقبل شعوبها في مواجهة الأطماع الغربية والإسرائيلية، ويجد تعاطفاً من قوى قومية وإسلامية عربية، وحتّى اليسارية منها، بفعل تداخل الحسابات والمصالح الحزبية وحتّى الشخصية، وتفاعلها مع المشاعر والعواطف، خصوصاً في أجواء السياسات المتشدّدة التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرّفة تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، ورفضها أيّ شكل من أشكال حلّ واقعي ممكن، يكون في مصلحة استقرار المنطقة وأمنها، ونهوضها، مع إنصاف الشعب الفلسطيني الذي يعاني منذ نحو ثمانية عقود من تبعات السياسات الدولية الخاطئة، وهي السياسات التي أدّت إلى تمزّق هذا الشعب وتوزّعه بين المهاجر ومناطق الاحتلال الصريحة منها والمضمرة.
لقد أثبتت الأحداث، وتثبت تباعاً، أنّ سياسات الاعتماد على الحماية الخارجية وحدها، التي اتبعتها دول الخليج لمواجهة مخاطر النظام الإيراني، لم تكن ناجعة. فهذه الدول تتعرّض منذ عقود لتهديدات إيرانية تحوّلت، في أحيان كثيرة، إلى واقع عبر ضربات مسيّرات وصواريخ الحوثي والمليشيات العراقية التابعة لإيران، وضربات مسيّرات الحرس الثوري الإيراني وصواريخه في الآونة الماضية. وهذا الوضع سيتفاقم ويصبح أكثر سوءاً ما لم يحدث تغيير في الموازين الإقليمية. وهذا لن يتحقّق من دون استعادة التوازن والتنسيق بين القوى الإقليمية المتضرّرة من سياسات النظام الإيراني وممارساته، خصوصاً العربية منها، ويشار هنا بصورة خاصّة إلى السعودية ومصر، ليكون هناك حديث واضح وصريح مع المفاوضين الإيرانيين ممَّن يمتلكون القرار الفعلي، وعرض الوقائع أمامهم وشرح المسائل والمواقف بكلّ وضوح وصراحة وشجاعة. وفي حال تعذّر الوصول إلى حلول تراعي مصالح مختلف الأطراف، يمكن التفكير في خيارات أخرى، بالتنسيق مع الجانبين، الأميركي والأوروبي، منها دعم المعارضة الوطنية الإيرانية ومساعدتها لتوحيد صفوفها، وتمكينها من أداء دورها الوطني بعيداً من ماكينات النظام الإعلامية التي تركّز على وصف كلّ المعارضين الإيرانيين، بغضّ النظر عن خلفياتهم المجتمعية وتوجّهاتهم السياسية، بالعمالة للشيطان الأكبر (الولايات المتحدة) وإسرائيل.
المشكلة المحورية التي تواجه دول المنطقة التي تعاني من التهديدات والهجمات الإيرانية عدم وضوح الموقف الأميركي وعدم ثباته في ظلّ إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي لم يقدّم رؤيةً واضحةً توحي بالثبات على الموقف، فضلاً عن خلافه العميق مع الأوروبيين، حلفاء بلاده التاريخيين. كما أنّ الضغوط التي تتعرّض لها إدارته في الداخل الأميركي، والمنافسة المحتدمة بينها وبين القوى الدولية الأخرى التي تريد أن تكون شريكاً لها في الساحة العالمية، وفي منطقة الشرق الأوسط تحديداً، إلى جانب تحمّلها أعباء سياسات حكومة نتنياهو… هذه العوامل كلّها، وربّما غيرها، لا تمكّن المؤسّسات المسؤولة في الإدارة الأميركية من وضع خطّة استراتيجية متكاملة تقوم على تعدّدية الخيارات في ضوء الإمكانات والاحتمالات المتاحة أو المتوقَّعة.

الاستقرار المستدام في منطقتنا لن يكون من دون حلّ مشكلات شعوبها ضمن إطار الدول الوطنية العادلة

الوضع في المنطقة في غاية التعقيد، ومفتوح على مختلف الاحتمالات غير المبشِّرة إذا ما استمرّت المقاربات الراهنة، فتجربة العقوبات فشلت، والمراهنة على تغيير سلوك النظام الإيراني هي في حقيقة الأمر رغبة في تحاشي مهمّة لا تحتمل التأجيل، خصوصاً بعد أن انكشفت الأوراق، وتيقّن كلّ طرف من نيّات الطرف الآخر.
سورياً، الوضع متداخل وشديد الحساسية، فالنظام الإيراني سيحاول بكلّ الأساليب العودة إلى الساحة السورية عبر خلاياه وشبكة علاقاته السابقة. كما أنّ دخول الجيش السوري في مغامرة غير محسوبة العواقب في لبنان ضدّ حزب الله، استجابةً لعروض ترامب المستمرّة التي تفتقر إلى الضمانات والتطمينات الكافية، ستكون عواقبها وخيمة على الواقعَين السوري واللبناني. لذلك من المهم أن يُنسَّق مع الدول العربية والقوى الإقليمية المعنية بالحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة. وهذا الأمر يمكن التوصّل إلى توافقات بشأنه عبر جامعة الدول العربية أو الأمم المتحدة، أو من خلال مؤتمر إقليمي يجمع بين دول الإقليم والقوى الدولية المؤثّرة التي لديها مصالح في الإقليم، ويُشار هنا على وجه الخصوص إلى الاتحاد الأوروبي الذي يرتبط مع منطقتنا بروابط تاريخية قديمة ومصالح اقتصادية مشتركة، هذا بالإضافة إلى عامل الجوار الجغرافي ودوره في رسم السياسات وبناء العلاقات والشراكات. وبطبيعة الحال، لا يمكن في هذا السياق تجاهل دور كلّ من الصين وروسيا.
بقي أن نقول: إنّ الاستقرار المستدام في منطقتنا لن يكون من دون حلّ مشكلات شعوبها ومكوّناتها المجتمعية ضمن إطار الدول الوطنية العادلة التي تعتمد سياسات وطنية جامعة، تحترم الحقوق والخصوصيات، وتضع حرّيات المواطنين ومقوّمات عيشهم الكريم في مقدّمة أولوياتها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى