
تعرضت الهوية العربية في الفترة الأخيرة إلى الكثير من الأزمات الفكرية التي عصفت بها، وعملت على زعزعة ثقة الإنسان العربي بهويته، بشكلٍ مُسيّس ومدروس، تارةً عبر شعارات دينية، وتارةً أخرى تحت مسمياتٍ مختلفة، كالتطور، والتقدم، والانفتاح.
والهوية ليست مجرد انتماءٍ عرقي أو لغوي، بل هي منظومةٌ متكاملة من اللغة، والتاريخ، والثقافة، والقيم، والذاكرة الجماعية، التي تمنح الإنسان شعوراً بالانتماء ، وتربط ماضيه بحاضره ومستقبله.
لكن، ما علاقة دين الإنسان، أو تطوره الفكري والمادي، بهويته وانتمائه القومي؟
العروبة والإسلام :
أكثر ما يثير الاستغراب بعض الجماعات الإسلامية الحديثة، التي تعتقد بأنّ الإسلام نسف الولاء والانتماء إلى الهوية القومية والوطنية، بل إنّ الانتماء إلى الإسلام يلغي أي انتماءٍ آخر ، وقد رسمت في مخيلة الإنسان العربي صورةً توحي بأنّ الإسلام في ضفة ، والعروبة في ضفةٍ أخرى، وأنّ عليه أن يختار أحدهما.
فهل هذه هي رؤية الإسلام إلى الانتماء القومي بالفعل؟
مما يتفق عليه الجميع أنّ الإسلام كرّم العرب، وجعل لهم مكانةً رياديةً خاصة في هذا الدين، بل جعل احترام العرب وتوقيرهم من احترام الإسلام نفسه، إذ أرسل نبياً عربياً إلى البشرية جمعاء، وأنزل القرآن الكريم بلسانٍ عربيٍ مبين، وقد ذُكرت كلمة «عربي» في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة، تأكيداً على مكانة العرب ودورهم في الإسلام.
وهذا هو النبي المعلم، الذي علّم البشرية معنى الإسلام، يقول: «أُحِبّوا العرب لثلاث: لأنّي عربي، ولأنّ القرآن عربي ، ولأنّ لسان أهل الجنة عربي»
وها هم صحابته الكرام، أعلم الناس بالإسلام من بعده، كانوا يعتزون بانتمائهم إلى قريش، أكرم العرب وأعزهم ، فكيف يُعقل أن يكون الانتماء القبلي في نطاقه الضيق جائزاً ، بينما يكون الانتماء القومي بمفهومه الأوسع مرفوضاً ؟
وهذا الخليفة العادل عمر بن الخطاب يقول: «العرب مادة الإسلام»، أي إنّ العرب هم عماد الإسلام وقوامه
وأجمل ما قال علي بن أبي طالب : «العرب جمجمة الإسلام »
ونستخلص من هذا كله أن الإسلام مدرسةٌ في حب الإنسان لهويته، ولا يتعارض بتاتاً مع انتماء الإنسان لقومه أو وطنه، بل إنّ الإسلام يشجع على ذلك، لأنه وسيلة من وسائل التكاتف ووحدة الصف، وتعزيز الروابط بين أبناء المجتمع.
وأمّا ذلك الطرح الذي يفصل بين الإسلام والعروبة، فهو طرحٌ مغلوط يراد به تفتيت الأمة العربية وإضعافها، عن طريق استغلال مشاعر الناس وولائهم المطلق لدينهم، في إطار الغزو الثقافي الذي تعمل عليه القوى الطامعة والحاقدة على كل ما هو عربي، من خلال التشكيك في مقومات الهوية العربية، والسعي إلى فصلها عن جذورها التاريخية والحضارية.
العروبة والتقدّم :
إن من أغرب ما يطرح في هذا السياق اعتقاد بعض العلمانيين العرب بأنّ التقدم، والتطور، والازدهار، لا يتحقق إلا بالتجرد من الهوية، والتراث، والقيم التاريخية، بل قرنوا الحداثة بالتخلي عن أي شكل من أشكال الانتماء: القومي، والوطني، والديني.
وهذه الرؤية لا تختلف عن سابقتها، بل تندرج أيضاً في إطار الغزو الثقافي الذي يستهدف العرب، تحت مسميات وشعارات مختلفة، منذ عقودٍ طويلة.
ولو حاولنا دراسة هذه الرؤية بشكل عقلاني علمي ، فكيف يمكن للإنسان أن ينجح في حاضره، وأن يشق طريقه إلى مستقبله، من دون قيمٍ ومبادئ تهذب نفسه، وتوجهها إلى الطريق الصحيح؟
بل إن الاعتزاز بالهوية لا يعني الانغلاق أو رفض الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى، وإنما يعني أن ينطلق الإنسان من هويته وثوابته، وهو منفتح على العلوم والمعارف والخبرات الإنسانية، فالأمم القوية لم تتقدم لأنّها تخلت عن هويتها، بل لأنها حافظت عليها، ثم بنت عليها نهضتها.
ولو نظرنا إلى الدول الغربية، التي تُعَد بالنسبة لهذه الفئة مثلاً أعلى في التقدم والازدهار ، لوجدنا ارتباطها الوثيق بإرثها التاريخي ، ويظهر ذلك جلياً في أسماء الجامعات، والمطارات، والمؤسسات العامة، والطائرات، والصناعات العسكرية وغير العسكرية، وحتى العملات، حيث لا يكاد يخلو واحد منها من اسم، أو صورة، لزعيم أو شخصية تاريخية قدمت إنجازاً لبلادها، ويأتي هذا التوجه من إيمانهم بأنّ الأمة التي تتخلى عن ماضيها وقيمها التاريخية سوف تخسر حاضرها، وتفقد البوصلة التي تهديها إلى مستقبلها.
كما أنّ الانتماء إلى الهوية، والاعتزاز بها، وتكريم علماء الأمة ومفكريها عبر التاريخ، يجعل الأجيال الحاضرة تشعر بأنّها تحمل على عاتقها أمانةً كبيرة من العلم والمعرفة، يتوجب عليها الحفاظ عليها، وتنميتها، وإيصالها إلى الأجيال التي تليها.
لقد ذكرنا مثالين لنموذجين مختلفين تماماً ، وعلى الرغم من اختلافهما الكامل في الأفكار، فإنهما يشكلان الخطر ذاته على الأمة العربية، حاضراً ومستقبلاً.
إنّ العروبة والإسلام والتقدم ليست مشاريع متناقضة، بل هي دعائم متكاملة لمشروع حضاري واحد ، ومتى أدرك العرب هذه الحقيقة، استطاعوا أن يجمعوا بين أصالة الماضي، وإنجاز الحاضر، وطموح المستقبل.






