قمة الناتو.. البوابة التي تعلن عودة سوريا إلى المسرح الدولي

  زياد أحمد المنجد

لم يكن حضور الرئيس السوري أحمد الشرع اجتماع قادة حلف شمال الأطلسي “الناتو” حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل يمكن اعتباره محطة سياسية مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، وربما من أبرز المؤشرات على التحول الذي تشهده مكانة دمشق في النظامين الإقليمي والدولي بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع. فعلى امتداد أكثر من عقد، كانت سوريا غائبة عن معظم المحافل الدولية الكبرى، وكان حضورها السياسي محدوداً ومحاطاً بالعقوبات والخلافات.

أما اليوم، فإن مشاركة الرئيس السوري في اجتماع يضم قادة أكبر الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تعكس تحولاً في مقاربة المجتمع الدولي تجاه الدولة السورية الجديدة، وتؤكد أن الأولوية لدى كثير من العواصم باتت تتمثل في دعم الاستقرار والانخراط مع دمشق بدلاً من استمرار سياسة العزل.

ويكتسب هذا الحضور أهمية مضاعفة لأنه يأتي في مرحلة تشهد تغيرات واسعة في الشرق الأوسط، حيث أصبحت ملفات الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة والحد من الانفجارات الإقليمية، أكثر ارتباطاً باستقرار سوريا. ولذلك فإن إشراك القيادة السورية في مثل هذه الاجتماعات يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية في المنطقة لن تكون مكتملة من دون مشاركة دمشق.

ولعل أكثر ما لفت الأنظار هو اللقاء والمؤتمر الصحفي الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس أحمد الشرع، حيث حملت تصريحات ترامب رسائل سياسية واقتصادية بالغة الأهمية. فقد أكد استمرار دعم الولايات المتحدة لسوريا، وأعاد التأكيد على قرار رفع العقوبات الاقتصادية، وهو تطور من شأنه أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، بعدما كانت العقوبات تمثل أحد أبرز العوائق أمام دوران عجلة الاقتصاد السوري.

كما أشار ترامب إلى إمكانية إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي خطوة، إذا تحققت، ستتجاوز بُعدها الرمزي لتترك آثاراً عملية كبيرة. فوجود أي دولة على هذه القائمة يفرض قيوداً واسعة على التحويلات المالية، والاستثمارات، والتعاون المصرفي، والتأمين، وحركة الشركات العالمية. وبالتالي فإن شطب سوريا من هذه القائمة سيعيد دمجها تدريجياً في الاقتصاد العالمي، ويمنح المستثمرين قدراً أكبر من الثقة القانونية والمالية، وهو ما تحتاجه البلاد بشدة في مرحلة إعادة البناء

وفي السياق نفسه، حملت تصريحات ترامب المتعلقة بإمكانية مساعدة سوريا في التعامل مع حزب الله دلالات سياسية تستحق التوقف عندها. فالرئيس الأميركي لم يوضح طبيعة هذه المساعدة، ما يفتح الباب أمام عدة احتمالات، تتراوح بين التعاون الأمني وتبادل المعلومات، أو دعم جهود الدولة السورية في فرض سيادتها على كامل أراضيها، أو حتى توفير غطاء سياسي ودبلوماسي لمعالجة هذا الملف ضمن تفاهمات إقليمية أوسع.

وفي جميع الأحوال، فإن مجرد طرح هذا الموضوع في مؤتمر صحفي مشترك يعكس مستوى جديداً من الحوار السياسي بين واشنطن ودمشق.

أما على المستوى الأطلسي، فإن حضور الرئيس السوري اجتماع الناتو لا يعني بالضرورة وجود علاقة مؤسسية بين سوريا والحلف، لكنه يحمل دلالة سياسية واضحة مفادها أن الغرب بات ينظر إلى القيادة السورية الجديدة بوصفها شريكاً يمكن الحوار معه في القضايا الأمنية والإقليمية، وليس مجرد طرف في أزمة داخلية كما كان الحال خلال السنوات الماضية.

كما أن هذا الحضور يمنح سوريا فرصة لإعادة بناء شبكة علاقاتها الدولية على أسس مختلفة، تقوم على المصالح المشتركة بدلاً من الاصطفافات التقليدية. فالدول الغربية، كما الدول العربية، تبحث اليوم عن شريك قادر على حفظ الاستقرار، ومكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، والمساهمة في منع اتساع رقعة الصراعات في الشرق الأوسط.

ومن الجانب الاقتصادي، فإن الرسائل التي خرجت من القمة قد تكون أكثر أهمية من اللقاءات السياسية نفسها. فالمستثمرون، والمؤسسات المالية، وصناديق الاستثمار العالمية، تراقب المؤشرات السياسية قبل اتخاذ قراراتها. وكلما ازداد الانفتاح الدولي على دمشق، ارتفعت فرص تدفق رؤوس الأموال، وعودة الشركات، وبدء مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعة والنقل، وهي قطاعات تحتاجها سوريا بصورة ملحة.

غير أن ترجمة هذه المؤشرات الإيجابية إلى نتائج ملموسة ستظل مرتبطة بقدرة الحكومة السورية على تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية وقانونية تعزز بيئة الاستثمار، وترسخ سيادة القانون، وتوفر الضمانات اللازمة للمستثمرين المحليين والأجانب، إضافة إلى استمرار الانفتاح السياسي والدبلوماسي مع مختلف الأطراف الدولية.

إنّ قمة الناتو، بكل ما حملته من لقاءات ورسائل وتصريحات، قد تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات السورية الغربية، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الشراكات. وإذا ما استمرت هذه الدينامية، فإن سوريا قد تكون أمام فرصة تاريخية لاستعادة موقعها الإقليمي والدولي، واستقطاب الدعم اللازم لإعادة الإعمار، وطيّ صفحة طويلة من العزلة، والدخول في مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والانفتاح والتنمية.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى