
قراءة في ضوء أطروحة الدكتور موسى الحالول
ظهر أدب ما بعد الكولونيالية بوصفه أحد أهم الاتجاهات النقدية والأدبية في النصف الثاني من القرن العشرين، متزامنا مع حصول كثير من الشعوب في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية على استقلالها السياسي عن القوى الاستعمارية الأوروبية. غير أن هذا الأدب لم يقتصر على الاحتفاء بالاستقلال، بل انشغل بتحليل الآثار العميقة التي تركها الاستعمار في اللغة، والثقافة، والهوية، والذاكرة، وصورة الذات والآخر.
ولا يشير مصطلح “ما بعد الكولونيالية” إلى مرحلة زمنية تعقب نهاية الاستعمار فحسب، بل يمثل إطارا فكريا ونقديا يدرس استمرار علاقات الهيمنة حتى بعد زوال الاحتلال العسكري. فالاستعمار قد يغادر الأرض، لكنه يترك وراءه أنماطًا من التفكير والتمثيل الثقافي تستمر في تشكيل وعي الشعوب المستعمَرة سابقًا.
من هنا أصبح الأدب ما بعد الكولونيالي مشروعًا لإعادة قراءة التاريخ من وجهة نظر المستعمَرين، واستعادة الأصوات التي همّشها الخطاب الإمبراطوري، ونقد الصور النمطية التي رسمها الغرب عن الشرق وإفريقيا وآسيا وسائر الشعوب الخاضعة للاستعمار.
ويُعد المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد من أبرز مؤسسي هذا الحقل النقدي من خلال كتابه الاستشراق (1978)، الذي بيّن فيه أن الغرب لم يكتفِ باحتلال الشرق سياسيا، بل صنع له صورة ثقافية متخيلة، صوّرته باعتباره متخلفا وغامضا وعاطفيا، في مقابل الغرب العقلاني المتحضر. وقد أصبحت هذه الصورة إحدى الأدوات التي بررت المشروع الاستعماري.
وجاء بعده هومي ك. بهابها ليطرح مفاهيم مثل التهجين الثقافي والفضاء الثالث، مؤكدًا أن العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر ليست علاقة هيمنة مطلقة، بل علاقة تنتج هويات جديدة تتجاوز الثنائية التقليدية بين الشرق والغرب. أما غاياتري سبيفاك فقد أثارت سؤالها الشهير: “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟”، لتناقش الكيفية التي تُهمَّش بها أصوات الشعوب المستعمَرة، ولا سيما النساء. في حين ركز فرانتز فانون على الآثار النفسية للاستعمار، موضحًا كيف يزرع الاحتلال الشعور بالنقص في نفوس المستعمَرين، ويؤثر في رؤيتهم لأنفسهم ولثقافتهم.
وفي هذا السياق الفكري تندرج أطروحة الدكتور موسى الحالول (1965-2026) الذي رحل منذ يومين من هذا العالم ،تاركا ارثا فكريا وأدبيا هاما للمكتبة العربية ، ان أطروحته المعنونة In Quest of Miranda: Towards a Postcolonial Semantics of Transitive Sex، التي تمثل محاولة متميزة لإعادة قراءة مسرحية شكسبير العاصفة من منظور ما بعد الكولونيالية.
لا ينظر الحالول إلى شخصية ميراندا باعتبارها البطلة الرومانسية البريئة التي درج النقد التقليدي على تصويرها، بل يراها علامة ثقافية تتقاطع عندها قضايا السلطة والجنس والاستعمار والهوية. ويذهب إلى أن العلاقات الجنسية في الأدب الاستعماري ليست علاقات شخصية فحسب، وإنما تتحول إلى لغة تمارس من خلالها السلطة هيمنتها، وتعيد إنتاج الفوارق العرقية والثقافية.
ومن هنا يطرح مفهومه “الدلالة ما بعد الاستعمارية للجنس المتعدي” (Postcolonial Semantics of Transitive Sex)، حيث يصبح الفعل الجنسي متعديا إلى ما هو أبعد من طرفيه، فيعبر عن علاقة المستعمِر بالمستعمَر، وعن امتلاك الجسد بوصفه امتدادا لامتلاك الأرض والثقافة. وبهذا يربط الحالول بين الخطاب الجنسي والخطاب الإمبراطوري، ليكشف أن الهيمنة لا تُمارس بالسلاح وحده، بل باللغة والتمثيل الثقافي والجسد أيضا.
وتتقاطع هذه الرؤية مع أفكار إدوارد سعيد في تحليل التمثيل الثقافي، ومع طرح سبيفاك حول إسكات المرأة، ومع مفاهيم بهابها المتعلقة بإعادة تشكيل الهوية. إلا أن الحالول يضيف بعدا جديدا يتمثل في جعل العلاقة الجنسية نفسها أداة لقراءة البنية العميقة للخطاب الاستعماري، وهو ما يمنح أطروحته خصوصية داخل دراسات ما بعد الكولونيالية.
وتتجلى أهمية هذه المقاربة بصورة أوضح عند مقارنتها برواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، حيث تتحول العلاقات بين مصطفى سعيد والنساء الإنكليزيات إلى ساحة صراع رمزي بين الشرق والغرب، وبين المستعمَر والمستعمِر. فالجسد هنا، كما في قراءة الحالول لـ”العاصفة”، ليس موضوعا للحب وحده، بل يصبح ميدانًا تتصارع فيه السلطة والهوية والذاكرة والتاريخ.
لقد أسهم أدب ما بعد الكولونيالية في إعادة النظر في كثير من النصوص الكلاسيكية، فلم تعد أعمال مثل “العاصفة” تُقرأ بوصفها روائع أدبية فحسب، بل بوصفها نصوصا شاركت في تشكيل المخيلة الاستعمارية الغربية. وفي المقابل، أعاد كتّاب ما بعد الاستعمار كتابة تلك النصوص من منظور الضحية، ساعين إلى استعادة الصوت الذي طالما جرى تهميشه.
إن القيمة الحقيقية لأدب ما بعد الكولونيالية تكمن في أنه لا يكتفي بإدانة الماضي، بل يسعى إلى فهم الكيفية التي ما زالت بها آثار الاستعمار حاضرة في الثقافة والسياسة والأدب حتى اليوم. ومن هذا المنطلق، تمثل أطروحة الدكتور موسى الحالول إسهاما عربيا مهما في هذا الحقل، لأنها تقدم قراءة مبتكرة تربط بين الأدب، والجندر، والسلطة، والاستعمار، وتفتح آفاقا جديدة لفهم شكسبير والنصوص الكلاسيكية في ضوء أسئلة العالم المعاصر.






