العلاقات السورية القطرية تترسخ بشراكات سياسية ودبلوماسية جديدة

       راغب العطيه

تشهد العلاقات السورية القطرية زخماً متصاعداً منذ سقوط النظام المخلوع أواخر عام 2024، في مسار يعكس انتقال التعاون بين البلدين من مرحلة الدعم السياسي والإنساني إلى شراكة مؤسساتية تشمل الملفات الدبلوماسية والاقتصادية والاستثمارية والتنموية. ويظهر هذا المسار من خلال الزيارات المتبادلة، واللقاءات الرسمية رفيعة المستوى، وتوقيع مذكرات التفاهم، وتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية، إلى جانب تنامي الحضور القطري في مشاريع إعادة الإعمار ودعم تعافي الاقتصاد السوري.

وفي هذا السياق، استقبل وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، السبت، في دمشق، وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي، في زيارة تم التوقيع خلالها على اتفاقية تعاون دبلوماسية جديدة.

ويأتي هذا الحراك الدبلوماسي امتداداً لمسار متواصل من التنسيق السياسي بين دمشق والدوحة منذ نهاية عام 2024، حيث شملت الاتصالات المتبادلة بحث أولويات المرحلة الانتقالية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتنشيط الاقتصاد، إلى جانب بحث فرص مساهمة القطاعين العام والخاص في مشاريع إعادة الإعمار.

اتفاقية سورية قطرية

وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني ووزير الدولة للشؤون الخارجية القطري محمد بن عبد العزيز الخليفي، وقعا اتفاقية تعاون في مجال الدراسات والتمثيل الدبلوماسي، بحضور مستشار الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين محمد طه الأحمد، ومدير إدارة التمثيل الدبلوماسي عبيدة أرناؤوط، وقتيبة قاديش مدير التعاون الدولي، وسفير دولة قطر في دمشق خليفة بن عبد الله آل محمود.

وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز التعاون بين الجانبين في مجالات الدراسات الدبلوماسية والتدريب وتبادل الخبرات، بما يسهم في دعم برامج التأهيل وبناء القدرات.

وفي السابع من حزيران الماضي، أجرى الشيباني اتصالاً هاتفياً مع الخليفي تناول علاقات التعاون الثنائية وآليات تطويرها، إضافة إلى تطورات الأوضاع في سوريا، فيما جدد المسؤول القطري خلال الاتصال دعم بلاده الكامل لسيادة سوريا ووحدتها، ومساندتها لتطلعات الشعب السوري في الاستقرار والتنمية والازدهار.

وتبرز قطر ضمن أكثر الدول العربية حضوراً في المشهد السوري منذ اندلاع الثورة عام 2011، إذ قدمت دعماً سياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً للشعب السوري، قبل أن يتطور هذا الدور بعد سقوط النظام المخلوع إلى دعم مسار التعافي الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي إطار الحراك السياسي الإقليمي، أجرى السيد الرئيس أحمد الشرع، مطلع تموز الجاري، اتصالين هاتفيين مع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تناولت العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، إضافة إلى عدد من الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفق وكالة “سانا”.

وشملت المباحثات تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، وتوسيع مجالات الشراكة بين سوريا وكل من قطر والإمارات، إلى جانب بحث تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، بما يعكس اتساع وتيرة التواصل السياسي بين دمشق والعواصم الخليجية.

وشكلت زيارة أمير دولة قطر إلى دمشق في الثلاثين من كانون الثاني 2025 محطة بارزة في العلاقات بين البلدين، باعتبارها أول زيارة لرئيس دولة عربية إلى سوريا بعد سقوط النظام المخلوع، حيث أكدت الدوحة خلالها استمرار وقوفها إلى جانب الشعب السوري، ودعمها للإدارة السورية الجديدة، ولا سيما في ملف العقوبات ورفعها عن سوريا.

ورحبت وزارة الخارجية والمغتربين آنذاك بالزيارة، مشيدة بالدور الذي لعبته قطر في دعم الشعب السوري طوال سنوات الثورة، ومؤكدة تطلع دمشق إلى توسيع العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.

وتعزز هذا المسار من خلال تنامي الحضور القطري في الملفين الإنساني والتنموي، إذ كثفت الدوحة مساعداتها إلى سوريا عبر جسر جوي شمل إرسال مواد غذائية وأدوية وسيارات إسعاف وتجهيزات فنية لإعادة تشغيل مطار دمشق الدولي، كما كانت الخطوط الجوية القطرية أول شركة طيران مدنية تستأنف رحلاتها إلى دمشق بعد سقوط النظام المخلوع.

وشاركت قطر أيضاً في تنفيذ مشروع “مدينة الأمل” بمنطقة أعزاز في ريف حلب، بالتعاون مع مؤسسة قطر الخيرية وهيئة الإغاثة الإنسانية التركية، ويضم المشروع 1400 وحدة سكنية مجهزة بالكامل لإيواء نحو 8800 شخص من الأسر التي نزحت خلال سنوات الحرب.

وأثمرت اللقاءات السورية القطرية السابقة عن تفاهمات اقتصادية واسعة، إذ أسفرت زيارة الشيباني إلى الدوحة في صيف عام 2025، على رأس وفد حكومي ضم سبعة وزراء، عن الاتفاق على متابعة توريد الغاز القطري إلى سوريا عبر الأردن، وتعزيز التعاون في قطاعي النفط والغاز، وإعادة تفعيل الشركة القطرية السورية القابضة منصةً للاستثمار، إضافة إلى دعم الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وبدء ترتيبات لتقديم البنوك القطرية خدمات المراسلة للمصارف السورية بالريال القطري، بما يسهم في إعادة ربط سوريا تدريجياً بالنظام المالي العالمي، ودعم جهود معالجة الالتزامات المالية تجاه المؤسسات الدولية.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو، في تصريحات لصحيفة “الثورة السورية”، إن الدور القطري يمثل أحد أبرز عوامل دعم الثورة السورية، واستمر بعد سقوط النظام المخلوع عبر دعم الدولة السورية الجديدة سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً، مشيراً إلى أن الدوحة لعبت دوراً مهماً في المحافل الدولية، وكان من بين العوامل التي أسهمت في استعادة سوريا كامل حقوقها داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وأضاف سعدو أن قطر تدعم المقاربة السورية الجديدة تجاه لبنان، وترى في استقرار المنطقة مدخلاً لتعزيز العلاقات العربية، مؤكداً أن تطور العلاقات السورية القطرية، إلى جانب العلاقات السورية السعودية، يسهم في ترسيخ التعاون العربي، ويعزز الأمن والاستقرار الإقليمي، ويدعم بناء مشروع عربي قادر على مواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة.

ويعد هذا المسار امتداداً لتطور العلاقات الثنائية منذ إعادة افتتاح السفارة القطرية في دمشق في الحادي والعشرين من كانون الأول 2024 بعد انقطاع استمر ثلاثة عشر عاماً، في خطوة عكست انتقال العلاقات إلى مرحلة جديدة تقوم على الشراكة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وتؤكد مكانة قطر شريكاً رئيسياً لسوريا في مرحلة إعادة بناء الدولة وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.

المصدر: الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى