الجزائر وحدود شرعية الاستقرار

محمد خليل برعومي

تبحث السلطة الجزائرية اليوم عن شرعية جديدة من دون أن تغيّر طبيعة النظام الذي ينتجها، فالانتخابات التشريعية التي انتظمت في الثاني من يوليو/ تموز الجاري جاءت في سياق سياسي لا يهدف إلى توسيع المجال العام، بقدر ما يسعى إلى إعادة تثبيت السلطة عبر خطاب جديد، بعد أن فقدت شرعية الثورة ثم شرعية الأمن جزءاً كبيراً من قدرتهما على تعبئة المجتمع. ومن هذه الزاوية، تبدو الانتخابات أقل ارتباطاً بتوزيع المقاعد، وأكثر ارتباطاً بمحاولة بناء رواية جديدة لاستمرار النظام.

قامت الدولة الجزائرية بعد الاستقلال على شرعية الثورة التحريرية، فقد تحوّلت حرب التحرير إلى المرجعية المؤسّسة للنظام السياسي، ومنها استمدّت السلطة روايتها الوطنية ومشروعيتها التاريخية. لم تكن جبهة التحرير الوطني مجرّد حزب داخل الدولة، بل أصبحت جزءاً من تعريف الدولة لنفسها، ومن خلالها جرى تنظيم المجال السياسي، وتحديد حدود المنافسة، وربط الوطنية بالإرث التحرري.

حافظت هذه الشرعية على حضورها سنوات طويلة، غير أن الزمن غيّر علاقتها بالمجتمع، فالأجيال التي ولدت بعد الاستقلال لم تعش تجربة التحرير، ولم تبنِ علاقتها بالدولة على ذاكرة الثورة، بل على ما توفره لها الدولة من فرص وخدمات وآفاق. ومع اتساع الفجوة بين الذاكرة الرسمية والتحولات الاجتماعية، تراجع وزن الشرعية التاريخية، وصارت مطالب التشغيل والسكن والتعليم والقدرة الشرائية أكثر حضوراً من سرديات الماضي. ثم جاءت “العشرية السوداء” لتمنح السلطة مصدراً آخر للشرعية، فقد خرجت الجزائر من تجربة عنيفة تركت أثراً عميقاً في المجتمع، ونجحت السلطة في تحويل الحفاظ على الأمن إلى أولوية وطنية. في تلك المرحلة، اكتسبت الدولة شرعية قوامها حماية المؤسّسات ومنع العودة إلى العنف. واستند هذا الخطاب إلى ذاكرة قريبة ومؤلمة، وهو ما منح السلطة هامشاً واسعاً في ضبط المجال العام باسم الاستقرار.

استعادت الدولة زمام المبادرة خلال السنوات اللاحقة، مستفيدةً من تراجع زخم الاحتجاجات، ومن تداعيات جائحة كورونا، ومن التحسّن النسبي في مداخيل الطاقة

كشف الحراك الشعبي سنة 2019 حدود هذا البناء، فقد خرج ملايين الجزائريين للمطالبة بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبتوسيع المشاركة السياسية، وبإدخال قواعد جديدة في إنتاج السلطة. كان الحراك لحظة قال فيها المجتمع إن شرعية الثورة لم تعد تكفي، وإن شرعية الأمن لم تعد قادرة وحدها على احتواء الحاجة إلى التمثيل والمساءلة والتغيير.

استعادت الدولة زمام المبادرة خلال السنوات اللاحقة، مستفيدةً من تراجع زخم الاحتجاجات، ومن تداعيات جائحة كورونا، ومن التحسّن النسبي في مداخيل الطاقة، ومن قدرة الجهازين الإداري والأمني على إعادة ضبط المجال العام، غير أن احتواء الحراك ميدانياً لم يلغِ الأسئلة التي طرحها. لقد تراجع الشارع، لكن مطلب السياسة بقي قائماً في صورة عزوف، وسخرية، وانسحاب، ورغبة صامتة في علاقة أقلّ وصاية بين الدولة والمجتمع.

بين قوة الدولة وضعف السياسة يتشكل استقرار قابل للاستمرار، لكنه لا يتحوّل تلقائياً إلى شرعية عميقة

في هذا السياق، تكتسب الانتخابات التشريعية أخيراً معناها السياسي، فهي تؤدي وظيفة دستورية تتمثل في تجديد البرلمان، لكنها تؤدي أيضاً وظيفة رمزية أعمق، تتمثل في تعزيز شرعية الاستقرار، فالخطاب الرسمي يقدّم الجزائر باعتبارها دولة تماسكت وسط إقليم مضطرب، ويجعل من الحفاظ على المؤسّسات قيمة سياسية مركزية في محيط تعصف به أزمات ليبيا والساحل والتوترات الإقليمية والحدود المفتوحة على المخاطر.

يجد هذا الخطاب ما يدعمه في الواقع، فالجزائريون يعرفون كلفة انهيار الدولة، ويدركون أن الاستقرار ليس تفصيلاً في منطقة تعيش اضطرابات متواصلة. لذلك يملك خطاب الاستقرار جاذبية حقيقية داخل المجتمع، خصوصاً لدى أجيال عاشت ذاكرة العنف أو ورثته، غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول الاستقرار من شرط لبناء السياسة إلى بديل عنها، ومن أرضية للإصلاح إلى مبرّر لاستمرار الانغلاق.

هنا تظهر حدود الانتخابات، فالمشاركة الضعيفة أو الفاترة لا تعني، بالضرورة، لا مبالاة سياسية، بل تعكس غالباً ضعفاً في الثقة بقدرة المؤسّسات المنتخبة على التأثير في القرار، فالمواطن الذي يشعر بأن مركز السلطة يوجد خارج البرلمان لا يرى في التصويت طريقاً حقيقياً لتغيير التوازنات. وهكذا تتحوّل الانتخابات إلى آلية لتنظيم المجال السياسي أكثر من كونها وسيلة لتجديد الثقة بين الدولة والمجتمع.

تكشف الانتخابات التي انتظمت أخيراً قدرة السلطة على إعادة إنتاج النظام أكثر مما تكشف قدرة السياسة على تجديد نفسها

وتكشف التجربة الجزائرية اليوم معادلة دقيقة. الدولة قوية، لكن السياسة ضعيفة. المؤسسات قائمة، لكن الأحزاب محدودة التأثير. الانتخابات منتظمة، لكن المجال العام لا ينتج نخباً جديدة قادرة على التعبير عن التحولات الاجتماعية. وبين قوة الدولة وضعف السياسة يتشكل استقرار قابل للاستمرار، لكنه لا يتحوّل تلقائياً إلى شرعية عميقة. ولا يمكن فصل هذه المعادلة عن طبيعة الاقتصاد الجزائري، فمداخيل الطاقة تمنح الدولة قدرةً على احتواء جزء من الغضب الاجتماعي، وتمويل الدعم والإنفاق العمومي، وتأجيل استحقاقات صعبة، غير أن الريع يبقى أداة لإدارة المرحلة، لا بديلاً دائماً عن الإصلاح. فالأجيال الجديدة تقيس علاقتها بالدولة بقدرتها على توفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وفتح المجال أمام المشاركة، لا فقط بقدرتها على تجنب الفوضى.

لهذا تبدو الجزائر أمام مفترق في مفهوم الشرعية. شرعية الثورة أسّست الدولة، وشرعية الأمن حافظت على تماسكها في مرحلة دامية، وشرعية الاستقرار تدير الحاضر. أما المستقبل فيرتبط أكثر فأكثر بشرعية الإنجاز، فالدولة التي تريد تجديد علاقتها بالمجتمع تحتاج إلى ما هو أبعد من خطاب الاستقرار. تحتاج إلى مؤسّسات ذات مصداقية، وإلى اقتصاد يمنح الأجيال الجديدة أملاً واقعياً، وسياسة تسمح للمجتمع بأن يشعر بأنه شريك لا متلقّ فقط.

تكشف الانتخابات التي انتظمت أخيراً، إذن، قدرة السلطة على إعادة إنتاج النظام أكثر مما تكشف قدرة السياسة على تجديد نفسها. وهذا هو جوهر اللحظة الجزائرية. تملك السلطة أدوات الاستمرار، وتملك ذاكرة تاريخية وأمنية تستند إليها، وتملك موارد اقتصادية تمنحها هامشاً للمناورة. لكنها تواجه مجتمعاً تغيّرت أولوياته، وصار أكثر حساسية تجاه المشاركة والكرامة والفرصة والاعتراف.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى