قراءة في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب بعيداً عن الأحكام المسبقة

علي بكر الحسيني

لا يوجد تشابه في كل المراحل الانتقالية ولذلك لا يمكن أن تكون أليات العمل السياسي متشابهة أيضاً. فالدول التي تخرج من حروب وانهيار مؤسسات ومن عقود طويلة من الاستبداد لا يمكن مقارنتها بالدول التي تتناوب فيها الحكومات عبر انتخابات دورية مستقرة وتداول سلمي للسلطة. ومن هنا علينا قراءة قرار الرئيس أحمد الشرع بتعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب بعيداً عن الأحكام المسبقة وبمعزل عن المقارنات التي لا تراعي خصوصية الحالة السورية اليوم.

أثار القرار جدلاً واسعاً بين مؤيد ومعارض وانطلقت غالبية الآراء من فكرة أن المجلس ينبغي أن يكون منتخباً بالكامل لأن الانتخابات هي الطريق الطبيعي لتشكيل السلطة التشريعية في الأنظمة الديمقراطية. وهذه قاعدة لا يختلف عليها اثنان عندما نتحدث عن دول تمتلك حياة سياسية مستقرة وأحزاباً ديمقراطية ومؤسسات دستورية تعمل بصورة طبيعية. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس ما هو النموذج المثالي بل ما الذي تحتاج إليه سورية في هذه المرحلة؟

فسورية لا تخرج من دورة انتخابية اعتيادية وإنما تحاول إعادة بناء دولتها بعد أكثر من ستين عاماً من الاستبداد الذي لم يكتف بإقصاء القوى السياسية بل عمل بصورة منهجية على تجفيف الحياة العامة وإضعاف الأحزاب ومصادرة النقابات وتحويل البرلمان إلى مؤسسة فقدت الكثير من وظائفها التشريعية والرقابية. ثم جاءت الحرب التي شنها نظام الأسد على السوريين لأكثر من أربعة عشر عاماً لتضاعف حجم المأساة فتضررت مؤسسات الدولة وتهجر ملايين السوريين وتراجعت الهوية الوطنية أمام الانتماءات الضيقة التي فرضتها سنوات الصراع.

في مثل هذا الواقع يصبح من الصعب الافتراض أن الانتخابات وحدها ستنتج مجلساً يمتلك الخبرة الكافية لقيادة عملية تشريعية بهذا الحجم. فالناخب في المجتمعات الخارجة من النزاعات يتأثر بعوامل كثيرة منها النفوذ الاجتماعي والانتماء العشائري والاعتبارات المناطقية والطائفية والعرقية والمال السياسي والفصائل العسكرية التي مازالت تحاول الاندماج في الدولة. وهذه كلها عوامل قد تمنح الأفضلية لشخصيات تحظى بشعبية محلية لكنها لا تمتلك بالضرورة الخبرة القانونية أو الدستورية أو الاقتصادية التي تحتاجها الدولة في هذه المرحلة.

وفي المقابل قد يبقى خارج المجلس رجال القانون وأساتذة الجامعات والاقتصاديون والخبراء الدستوريون والمهندسون والأطباء وأصحاب الخبرة في الإدارة العامة وهم الفئة التي تحتاج إليها سورية اليوم أكثر من أي وقت مضى. فإعادة بناء الدولة لا تقوم على الحضور الشعبي وحده وإنما تحتاج أيضاً إلى المعرفة والخبرة والقدرة على صياغة التشريعات التي ستحدد شكل الدولة خلال السنوات المقبلة وهي كفاءات لا تكون معروفة بالضرورة لدى عموم الناخبين.

ولهذا فإن الجمع بين الانتخاب والتعيين ليس فكرة مستحدثة بل عرفته تجارب دستورية مختلفة لإدخال شخصيات يصعب وصولها عبر صناديق الاقتراع. وكانت مصر في زمن الرئيس جمال عبد الناصر من أوائل الدول العربية التي أقرت حق رئيس الجمهورية في تعيين عدد من أعضاء البرلمان بهدف رفد المؤسسة التشريعية بالكفاءات وتحقيق قدر من التوازن داخلها. واستمرت هذه الآلية في الدساتير اللاحقة مع اختلاف عدد الأعضاء ونسبتهم وأصبحت تعرف شعبياً بحصة رئيس الجمهورية.

ولا يعني ذلك أن التعيين أفضل من الانتخاب ولا أنه بديل دائم عنه وإنما يعني أن لكل مرحلة أدواتها. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الأعضاء المنتخبين أو المعينين وإنما نوعية الأشخاص الذين سيدخلون المجلس وقدرتهم على أداء المهام الوطنية التي تنتظرهم.

وهذه المهام ليست قليلة بل ربما تكون الأكبر منذ عقود. فمجلس الشعب الجديد لن يقتصر عمله على سن القوانين التقليدية وإنما سيكون مطالباً بمراجعة عشرات التشريعات التي صدرت خلال المرحلة الانتقالية وإقرار قوانين جديدة تنظم الحياة السياسية والإدارية والاقتصادية والعمل على تحديث البيئة التشريعية بما ينسجم مع متطلبات الدولة الجديدة. كما سيكون معنياً بإقرار قوانين الأحزاب والانتخابات والنقابات والإدارة المحلية ووضع الأطر القانونية التي تساعد على إعداد دستور دائم يعبر عن إرادة السوريين ويحمي الحقوق والحريات ويحدد العلاقة بين السلطات.

وسيكون المجلس مطالباً أيضاً بمناقشة الموازنة العامة ومراقبة أداء الحكومة ومراجعة الإنفاق العام واستخدام أدواته الرقابية بما يضمن حسن إدارة مؤسسات الدولة. فالسوريون لا ينتظرون مجلساً يكتفي بالموافقة على ما يعرض عليه وإنما يريدون سلطة تشريعية تستعيد الدور الذي غاب طوال عقود وتناقش وتعدل وتحاسب ضمن الأطر الدستورية والقانونية.

ولا يقل ملف العدالة الانتقالية أهمية عن بقية الملفات. فسورية لا تستطيع أن تطوي صفحة الماضي من دون معالجة آثاره القانونية والإنسانية. ولهذا سيكون المجلس أمام مسؤولية إصدار التشريعات التي تنظم هذا المسار بما يحقق العدالة ويصون حقوق الضحايا ويسهم في جبر الضرر ويحافظ في الوقت نفسه على السلم الأهلي لأن العدالة والاستقرار لا يتعارضان عندما يقومان على القانون.

ويفرض وجود ملايين السوريين في الخارج مسؤولية إضافية على الدولة ومؤسساتها. فهؤلاء لم يغادروا وطنهم طوعاً بل دفعتهم الحرب إلى اللجوء والهجرة وما زالوا يشكلون جزءاً أصيلاً من المجتمع السوري. ومن الصعب الحديث عن تمثيل سياسي مكتمل في ظل غياب هذا العدد الكبير من المواطنين عن الداخل. ولذلك فإن المرحلة الحالية يجب أن تُقرأ على أنها مرحلة انتقالية ريثما تتوافر الظروف التي تسمح بعودة من يرغب من السوريين وتمكينهم من المشاركة الكاملة في رسم مستقبل بلادهم.

كما أن كثيراً من أبناء الشتات السوري يمتلكون خبرات علمية ومهنية ورؤوس أموال يمكن أن تكون عنصراً مهماً في إعادة الإعمار. ومن هنا فإن المجلس سيكون معنياً بإقرار التشريعات التي تحمي حقوق الملكية وتشجع الاستثمار وتزيل العقبات القانونية التي تحول دون مساهمة السوريين في الخارج في نهضة وطنهم.

ولا يمكن إغفال التحديات الأمنية التي ما زالت تواجه الدولة. فما تزال بعض المناطق تحتاج إلى استكمال مسار الاستقرار وما تزال هناك ملفات ترتبط بحصر السلاح بيد الدولة ومواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة وضبط الحدود وترسيخ سيادة القانون. وهذه القضايا تحتاج إلى غطاء تشريعي واضح يوازن بين حماية الأمن وصون الحقوق والحريات لأن الدولة القوية لا تقوم على الأمن وحده كما لا تقوم على الحرية وحدها وإنما على التوازن بينهما.

ويأتي الملف الاقتصادي في مقدمة الأولويات كذلك. فإعادة الإعمار لا تتحقق بالتمويل وحده وإنما تحتاج إلى منظومة قانونية مستقرة تمنح المستثمر الثقة وتحفظ المال العام وتضمن المنافسة العادلة وتوفر بيئة تشجع على الإنتاج وخلق فرص العمل. ولذلك فإن تحديث قوانين الاستثمار والشركات والضرائب والإدارة المالية سيكون أحد أهم الاختبارات التي ستواجه المجلس خلال المرحلة المقبلة.

إن بناء الديمقراطية لا يبدأ بصندوق الاقتراع وحده بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان السوري وترسيخ مفهوم المواطنة وإحياء العمل الحزبي واستعادة الثقة بالمؤسسات وسيادة القانون. وعندما تصبح للأحزاب برامج وطنية حقيقية ويصبح التنافس قائماً على الكفاءة والرؤية ويتمكن جميع السوريين في الداخل والخارج من المشاركة بحرية ستكون الانتخابات وحدها كافية لإنتاج مجلس يعبر عن الإرادة الشعبية بصورة كاملة.

اليوم نجاح التجربة لن يقاس بنسبة المنتخبين أو المعينين داخل مجلس الشعب بل بقدرة المجلس على استعادة الدور الحقيقي للسلطة التشريعية بعد عقود من التهميش وبما ينجزه من قوانين تعزز المواطنة وترسخ دولة القانون وتفتح الطريق أمام استقرار سياسي ودستوري دائم. فإذا نجح في أداء هذه المهمة فسيكون قد وضع أحد أهم الأسس لقيام سورية الجديدة. أما إذا أخفق في ممارسة دوره التشريعي والرقابي فلن يشفع له لا التعيين ولا الانتخاب لأن الشعوب في نهاية المطاف لا تحاسب المؤسسات على طريقة تشكيلها وإنما على ما تقدمه من نتائج عملية على أرض الواقع.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى