
على مسافة صفر من شريط فض الاشتباك في ريف القنيطرة الأوسط، تتقاطع الجغرافيا السياسية مع أزمات السكن والدواء لترسم ملامح الواقع المعقد في بلدة “الحميدية” .
كان طريقي نحو “الحميدية” محفوفاً بالترقب؛ فالبلدة الواقعة على خط التماس المباشر بريف القنيطرة الأوسط تخضع لرقابة إسرائيلية مشددة، تفرضها نقطة عسكرية جاثمة على حدودها مباشرة لتمنع التصوير وتستهدف العمل الصحفي لعزل المنطقة إعلامياً، خاصة بعد أن اعتدت قوات الاحتلال قبل أشهر على صحفيين أجانب وحطمت معدات تصويرهم.”
من داخل “السرفيس” الذي يقل الأهالي نحو البلدة، يظهر الواقع الجغرافي المعقد؛ فقبل نحو شهرين، أزالت قوات الاحتلال حاجزاً عسكرياً كانت تنصبه فجأة عند مدخل الحميدية لتدقيق هويات المارة. ورغم غياب الحاجز اليوم، فإن مراقبة النقاط الإسرائيلية الرابضة في التلال المقابلة لا تزال تفرض ضغطاً نفسياً مستمراً.
بروباغندا البعث.. خديعة البيوت الإسمنتية
تروي بلدة “الحميدية” فصولا من تاريخ ممتد من التمسك بالأرض وصراع الهويات؛ فمنذ أن شيدها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي سميت نسبة له، ومن ثم سكنها الأتراك لسبعة عقود، تعاقبت على جغرافيتها موجات اللجوء؛ ويستذكر المختار القديم للبلدة “خليل حمود” في روايته التاريخية للمنطقة كيف استوطنها الشركس الفارون من القمع والحروب بين القيصرية والبلشفية في بلادهم، قبل أن يدفعهم غياب الاستقرار إبان الاحتلال الفرنسي لبيع أملاكهم ومغادرتها.
ورغم هذا التحول، بقيت الأرض صامدة حتى آلت ملكيتها إلى عائلات وعشائر سورية اشترتها بجهدها وعرقها للتخلص من استبداد الإقطاع؛ ومن أبرزها عائلات: (بيت حمود، وربيع، والنبهان، والجيار، والبلاحسة، والفاعور)، لينضم إليهم لاحقاً وافدون استقروا في المنطقة.
واجه هذا الثبات الأهلي تضليلا سياسياً ممنهجاً قاده نظام البعث؛ ففي أعقاب التدمير الإسرائيلي الواسع للحميدية، سارع حافظ الأسد عام 1986 إلى استغلال مأساة البلدة في سياق “بروباغندا” إعلامية ضخمة، وصوّرت الماكينة الإعلامية الرسمية تشييد كتل من “البيوت الإسمنتية المتشابهة” أو ما عُرف بـ”البيوت الموحدة” وتوزيعها على الأهالي مجاناً كـ”مكرمة قيادية” وتجسيد لبطولات النظام.
إلا أن هذه الرواية الرسمية تصطدم برواية مغايرة تماماً ينقلها مختار البلدة والمعمرون فيها؛ إذ يؤكدون بحسب ذاكرتهم الشفوية أن تلك الخطوة لم تكن سوى واجهة دعائية لصناعة بطل وهمي، تستر خلف شعارات “التحرير” للتغطية على تسليم الجولان عام 1967 وإخلاء الجبهة عسكرياً؛ حيث يرى الأهالي أن النظام منحهم تلك البيوت والأراضي كـ “ثمن سياسي” مقابل التغطية على بيع الجولان، محولاً البلدة وشريطها المتاخم إلى حزام ديمغرافي لحماية روايته السياسية وأمنه الخاص على حساب أمان السكان.
وينقل أهالي البلدة في روايتهم الشفوية وعياً مغايراً تماماً لما روج له النظام؛ إذ يؤكد السكان أنهم رأوا في تلك البيوت الموحدة أشبه بـ”المعسكرات الضيقة” التي لا تتناسب مع طبيعة حياتهم الريفية، ويوضحون أنهم استشعروا الخطر مبكراً بعد أن حوّلهم النظام إلى مجرد دروع بشرية وستار ديمغرافي مكشوف عسكرياً لحماية أمنه الخاص لا أمنهم ومع مرور الزمن، تجسد هذا الرفض عمرانياً بانقسام البلدة إلى قسمين: بيوت إسمنتية فرضتها السلطة، وأخرى شيّدها الأهالي بأيديهم لتلبي احتياجاتهم الحقيقية.
ولم يتوقف هذا الوعي المنقول عبر الأجيال عند رفض الرواية العمرانية لحافظ الأسد، بل تجلى لاحقاً مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين ثار أهالي البلدة ضد الأسد الابن (بشار)، امتداداً لتاريخهم الطويل في مجابهة الاستبداد ومحاولات التركيع وفرض الهيمنة الأمنية، لتظل هندسة البلدة ومواقفها شاهدة على ثورة مجتمع يرفض الخضوع.
إضبارة 32.. التغلغل الإسرائيلي عبر بوابة العلاج
لم تكتفِ آلة الاحتلال بالمراقبة العسكرية في بلدة الحميدية، بل نفذت نحو اختراق إنساني استغل حاجة خط التماس؛ حيث يخرج مختارالبلدة القديم “خليل الحمود” أمام عدسة الكاميرا علباً لأدوية إسرائيلية الصنع ليتم تصويرها كدليل توثيقي ملموس، ويروي واقع هذا التغلغل قائلاً: “نملك أنا ونصف سكان البلدة سجلات طبية لدى نقطة أقامتها إسرائيل في البلدة، ورقم إضبارتي الشخصية هو (32). يستقبلنا هناك دكتور أميركي وأطباء يقيسون الوزن والضغط ويرحبون بنا بلغة مكسرة (أهلاً حج).
وعندما دخل الجنود بيتي لم يكونوا فجّين، بل قالوا لي (الحميدية كويس ما في مشاكل)، في حين اقتحموا منازل أخرى بالكسر والتخريب لمجرد أن أصحابها قاوموهم. أنا لست مستعداً للمقاومة لكي لا أموت أنا وأولادي، وكما يقال: “الإيد اللي ما بتقدر عليها، بوّسها وادعي عليها بالكسر” .
ويضيف المختار: واقعنا محكوم بقسوة الحاجة؛ فسيارات مديرية صحة القنيطرة لا تأتي إلا مرتين كل عشرين يوماً بأدوية أطفال وسيتامول فقط، من دون أدوية الكبار والأمراض المزمنة كالمفاصل، وهو نقص نغطيه جزئياً عبر مستشفى الجولان الوطني، لكن غياب الرعاية الدائمة يضطرنا لقصد مستوصف الاحتلال مجبرين.
الطبابة أداة نفوذ على خط التماس
تسللتُ نحو النقطة الطبية الإسرائيلية؛ متجهة صوب ساحة الحميدية الرئيسية حيث نصب الاحتلال نقطته الطبية وهي بيوت مسبقة الصنع (كرفانات) مجهزة، اختير موقعها بدقة بجانب مسجد البلدة لضمان أمنها وتوسطها للمكان. غير أن البوابة الحديدية كانت مغلقة في مشهد لم يعهده السكّان من قبل؛ وعلى بوابتها، توقفتُ أمام ملصق رسمي يؤكد إغلاق المستوصف مؤقتاً في إجازة على أن يُعاد الافتتاح في الأول من آب (أغسطس) القادم، وبتوجس متسارع، التقطتُ لقطات سرية خاطفة للملصق.
وعلى رصيف العودة، التقيتُ بالحاجة “عائشة الحمد”، وهي مسنة تسير بثقل وتحمل كيس أغراض، همست لي محذرة بنبرة يملؤها الخوف: “مشان سلامتك يا بنتي ممنوع التصوير هون.. كاميرات الاحتلال بتراقب كل حركة، ولو شافوكِ رح تنزل الدوريات وياخدوا جوالكِ”.
فتحت الخالة التي تعيل سبعة أطفال قلبها لتكشف لتلفزيون سوريا عن تناقض ميداني حاد يعيشه الأهالي؛ ففي حين تصف الطاقم الطبي داخل مستوصف الساحة بـ”المتعاون”، مستذكرةً فتاة أجنبية في مقتبل العمر عالجتها بلطف، تنقلب الصورة تماماً خارج أسوار الكرفانات؛ حيث تؤكد أن دوريات جيش الاحتلال التي تجوب شوارع القرية يومياً تتعامل مع المدنيين بقسوة، ليظل الرداء الأبيض مجرد واجهة إنسانية تخفي خلفها قبضة عسكرية تراقب أدق تفاصيل الحياة على خط النار.
تحديات خط النار.. بين جهود “المديرية” وعقبات الميدان
حملتُ هذه المشاهدات الميدانية إلى طاولة المسؤولين لبحث الواقع الطبي هناك؛ وفي لقاء خاص مع مدير صحة القنيطرة الدكتور عمر الأحمد صرح لتلفزيون سوريا موضحاً الاستراتيجية الطبية المتبعة بالقول: إن مستشفى الجولان الوطني تحول من مجرد نقطة تحويل طبي إلى منشأة خدمية متكاملة تخدم أهالي القنيطرة وأرياف درعا ودمشق الغربي؛ حيث دعمناه ببنك للدم، وعيادة للقدم السكرية، وأجهزة غسيل كلى وحواضن، مع تأمين كامل أدوية التخدير”.
وعن خصوصية بلدة الحميدية، أكد الأحمد أن المديرية تبذل جهوداً استثنائية لمواجهة التعقيدات الميدانية قائلاً: “البلدة كانت محكومة بمعادلة أمنية شديدة الحرج؛ إذ كنا نضطر للانتظار يوماً كاملاً لإتمام التنسيقات الدولية مع الهلال والصليب الأحمر من أجل دخول كوادرنا لعدة ساعات فقط. ورغم ذلك، خصصنا عيادات متنقلة وجولات لقاح روتيني بمعدل يومين في الشهر، وسنعمل على زيادتها تدريجياً”.
ورداً على شكاوى الأهالي حول اقتصار الشحنات على أدوية الأطفال، نفى الأحمد هذا التصور؛ حيث طلب من مكتبه ورقة دُوّنت عليها على عجَل وبخط اليد قوائم المستحضرات الموزعة، مبرزاً مضمونها لتلفزيون سوريا ومؤكداً: “الأدوية التي نرسلها ممتازة ومن أفضل الأنواع ومقدمة مباشرة من الصليب الأحمر الدولي.
ويؤكد الأحمد أنها تشمل رعاية أوسع مما يعتقده بعضهم. والآن، ومع زوال الحاجز الإسرائيلي قبل أيام، أصبحت الظروف مهيأة لتحسين الاستجابة الطبية؛ وحين يستقر الوضع الأمني بشكل كامل، لن نكتفي بالوضع الحالي، بل سنعمل فوراً على زيادة عدد السيارات الطبية المتنقلة برفقة الأطباء لتدخل بانتظام وبجداول موسعة تضمن تغطية كافة الشرائح العمرية في الحميدية”.
معركة الحبر والأرض.. السجل العقاري وثغرة البيوع الخارجية
في مقابل محاولات التسلل الإسرائيلية، تبرز الصحيفة العقارية كخط دفاع لحماية ملكية الأرض؛ إذ يوضح مدير المصالح العقارية في القنيطرة، عبد الرحمن فياض، لتلفزيون سوريا الإجراءات الصارمة المتبعة قائلاً: “الحميدية منطقة منظمة، وبإمكان أي مواطن الحصول على سند تمليكه الأخضر عبر البلدية، لكننا نحظر تماماً الاعتراف بعقود البيع الخارجية التي تتم بعيداً عن السجلات الرسمية لمخالفتها القانون. أما في المناطق الملاصقة لخط وقف إطلاق النار والخاضعة لتدقيق أمني، فحظرنا منح هذه الوثائق في القرى الحساسة كعين التينة ومجدل شمس والقنيطرة القديمة المحتلة؛ لأن الاحتلال قد يلجأ لتمويل أشخاص لشراء الأراضي على الحدود ثم تمليكها له بشكل غير مباشر، لذا نطبق معايير مشددة لمنع أي اختراق صامت.
هذا التدقيق القانوني يأتي في وقت يدفع فيه الضغط الميداني والمخاوف الأمنية بعض الأهالي إلى اتخاذ خيارات قاسية؛ إذ سُجلت حالات لسكّان اضطروا لبيع منازلهم عبر عقود خارجية لمغادرة المنطقة، مثل المواطن محمد غياض الذي باع بيته بسعر زهيد لا يتجاوز 12 مليون ليرة سورية وغادر البلدة، لتفادي خسارة عقاره بالكامل أو وقوعه في شرك الاستيلاء الإسرائيلي.
وفي المقابل، يتمسك آخرون بأصالة وجودهم؛ وهو ما يتطابق مع شهادة المواطن سعيد المحمود، أحد أبناء البلدة، الذي يكشف رواية المنح الدعائية السابقة قائلاً: “أنا معمر في أرضي، والحميدية بلدة منظمة وأغلبها طابو أخضر وسندات تمليك قديمة. الأرض تاريخياً مشتركة لأهل البلد، تقاسمناها ونادراً ما تجد بيتاً هنا بلا طابو ورخصة بناء. لكنني اليوم أعيش بكسرة خاطر؛ فقد تعبت وعرقت لبناء منشأتي الخاصة، وجاء جيش الاحتلال الإسرائيلي ليدمرها بالكامل.
المصدر: تلفزيون سوريا
يؤكد معمرون في قرية الحميدية أنهم متمسكون بمنازلهم وأراضيهم رغم محاولات الاحتلال – تلفزيون سوريا
تحت ظلال “الزنانة”.. حارة الثكنة
في عمق المنطقة المكشوفة، حيث تقبع الأنقاض في مواجهة آليات الاحتلال، ركضتُ حابسةً أنفاسي لأتحصّن خلف جدار بيت مهجور. من خلف نظارتي الشمسية، كنتُ أراقب المشهد بذهول؛ فقبل أن أرفع كاميرتي أو أبدأ التصوير، كانت منظومة الرصد الإسرائيلية قد استنفرت وأرسلت طائرة استطلاع مسيرة، بدأت تزنّ فوق رأسي مباشرة وتلاحق خطواتي، في سرعة رصد بالغة الخطورة.
التقطتُ صوراً حذرة للمنازل المهدمة فقط متجاهلة النقطة العسكرية القابعة أمامي مباشرة، وسارعتُ بإخفاء الصور وتأمينها داخل الهاتف؛ خوفاً من مداهمة مباغتة لدورية إسرائيلية قد تنزل إلى الحارة في أي لحظة كعادتها لتحطيم معدات التصوير ومصادرة المواد الصحفية.
الاحتلال يهدم أحد المنازل في قرية الحميدية بعد سقوط النظام – تلفزيون سوريا
هربتُ مسرعةً من ملاحقة المسيرة نحو الحارات الداخلية؛ وفي أثناء سيري، بددت الصمت ضحكة طفلة صغيرة ترتدي حجاباً وتحمل مصحفاً في طريقها لحفظ القرآن نظرت إليّ ببراءة مستخدمةً لفظ أهل البلدة الدارج لوصف مسيرات التصوير وقالت: “خفتِ يا خالة؟ لا تخافي هاي الزنانة دبانة.. إسرائيل كل ما تحس بحدا قرب تطلع الزنانة تراقب”، ثم مضت تردد خلفها آيات من سورة البلد: “فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ” وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ” فَكُّ رَقَبَةٍ”. ولما غابت عن ناظري، لم أعد أدري هل قواني ثباتها وعدم خوفها، أم مسّني حرز القرآن الذي تحمله بين يديها.
هذا الهدم الممنهج وثقته الإحصاءات الرسمية؛ إذ صرح رئيس بلدية الحميدية الأستاذ أحمد سليمان لتلفزيون سوريا قائلاً: ” نظمنا محضر إثبات هدم رسمي لكل منزل من البيوت الـ16 المدمرة، لكن لا توجد أي استجابة أو دعم من المحافظة أو المنظمات الدولية رفعنا الملف للأمم المتحدة ووُعدنا بتعويضات برعاية رسمية، لكن حتى اللحظة لم يتحرك شيء.
شتات الأهالي بين الخذلان والأمل
تتطابق الأرقام الرسمية للبلدية مع شهادات الوجع المباشرة لأصحاب البيوت الـ16 المدمرة؛ إذ تروي لـتلفزيون سوريا السيدة “أم عدي”، آمنة شبيب مأساة ليلة اقتحام عائلتها قائلة: “فرحنا حين سقط النظام ونحن نتابع الأخبار على التلفاز، لكن فرحتنا لم تتم، الاحتلال هدم بيتنا وحارتنا بالكامل لمجرد أنها قريبة من الثكنة العسكرية التي أنشأها الاحتلال مقابل بيوتنا مباشرة”.
وتتابع السيدة شبيب: “دخل 40 جندياً واقتحموا المكان واحتجزونا، واليوم تشتتت عائلتي، والآن أعيش في منزل أختي المغتربة. تقدمت بطلبات للمحافظة، والخدمات الفنية، والأمم المتحدة من دون جدوى، ولم نتقاضَ ليرة تعويض ولا حتى سلة غذائية واحدة. غيرنا دُمرت بيوتهم واحتفظوا بأراضيهم، أما أرضنا فقد ابتلعتها الثكنة تماماً، مما جعل إعادة البناء مستحيلة وحياتنا متوقفة”.
ذات الغصة والصرخة يحملها الخمسيني “عيد العلي”، مستخدم في المدرسة الصناعية بمديرية تربية القنيطرة، والذي يختزل كفاح عمره في مواجهة طرق الأبواب قائلاً لـتلفزيون سوريا: “قضيت حياتي بالشقاء والكد الشديد لأبني منزلاً، واليوم أقعد في بيت لست أملكه بعد أن هدمت إسرائيل منزلي القديم لقربه من ثكنتها المحدثة مقابلنا، وابتلعت أرضي البالغة 70 دونماً بالكامل. لدي عائلة كبيرة، ولم نترك باباً إلا وطرقناه؛ وصلنا بمظلمتنا للأمم المتحدة ومجلس الأمن، كما التقيت شخصياً برئيس الدولة أحمد الشرع ضمن وفد محلي، حيث استمع إلينا باهتمام بالغ وتوجهنا مباشرة لمتابعة الملف مع محافظة القنيطرة”.
أرض المواطن عيد العلي التي سيطر عليها الاحتلال بعد سقوط النظام – تلفزيون سوريا
ويتابع العلي مستعرضاً “راجعنا المحافظ السابق، وقصدنا الهلال الأحمر ووعدونا بسلات إغاثة ولم نرَ شيئاً حتى الآن. ورغم كل هذا الخذلان الممتد، فإنني أظن خيراً بالدولة الحالية لإنصافنا واستعادة حقوقنا الضائعة على خط النار كما نسعى مع وفد من المتضررين للقاء محافظ القنيطرة الجديد، الأستاذ غسان السيد أحمد”.
ملف التعويضات في أدراج خطط المستقبل
لبحث الواقع التنفيذي والميداني لهذه الملفات، توجهتُ نحو مبنى محافظة القنيطرة لاستيضاح مصير طلبات المتضررين؛ حيث صرح نائب المكتب التنفيذي في محافظة القنيطرة، الأستاذ عبد الكريم الشاطر لتلفزيون سوريا مبيناً الآليات الإدارية الجارية لحصر الأضرار بالقول: “تلقينا كتاباً رسمياً موجهاً من وزارة الإدارة المحلية يندرج ضمن مساعي حصر الأضرار وتقدير حجم الجغرافيا المتضررة، وجرى تزويدنا برابط إلكتروني ذكي (QR) يتضمن كافة البيانات والجداول الإحصائية”.
هذه المقاربة الرقمية تتقاطع مع التوجهات الإغاثية لإعادة الإعمار؛ إذ تحدث مسؤول المنظمات والشؤون الاجتماعية والعمل في المحافظة، الأستاذ فيصل عرنوس لتلفزيون سوريا واصفاً ملامح الخطط المستقبلية المقررة بالقول: “الدمار طال أجزاء واسعة من الجغرافيا السورية، سواء من جراء قصف النظام المخلوع أو الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على خط التماس، ومع انطلاق مشاريع البناء الفعلي وإعادة الإعمار الشاملة للمنطقة، سيتم التعويض على كافة المتضررين تعويضاً مادياً للأملاك ومعنوياً للعائلات”. هذا التنسيق الإداري يبرز مساعي المحافظة في بناء قاعدة بيانات وثائقية متينة لضمان الحقوق، بانتظار إشارة البدء التنفيذية لتثبيت السكّان وإنهاء شتاتهم خلف شريط النار.
إحدى حارات بلدة الحميدية – تلفزيون سوريا
بين خديعة البيوت القديمة التي هُندست كحزام ديمغرافي، وتغلغل الاحتلال المستمر خلف الأسلاك عبر بوابة العيادات الطبية وقسوة الدوريات، يواجه أهالي بلدة “الحميدية” شروط الجغرافيا القاسية؛ يدفعون ثمن الصمود من بيوتهم المهدومة وأراضيهم المبتلعة تحت ظل “الزنانة”.
اليوم، وفي ظل سوريا الجديدة لم يعد السكّان يبحثون عن وعود ورقية أو إعانات عينية، بل يتطلعون لتثبيت السيادة الخدمية والقانونية لحماية أراضيهم. يبقى ركام “حارة الثكنة” شاهداً حياً على جبهة لم تبرد نيرانها بعد؛ بانتظار إعمار حقيقي يعيد الحق لأصحابه خلف شريط النار.
فهل تنجح مؤسسات سوريا الجديدة في ترجمة التوجيهات الرسمية لإنصاف أبناء خط التماس، أم ستبقى ملفات “الحميدية” أسيرة لجان الحصر والانتظار.




