سقط الأسد.. فهل سقطت عقلية الأجهزة الأمنية؟؟

أ. زياد المنجد

وفاة المواطن السوري محمد غميرة وهو في عهدة الشرطة السورية ليست مجرد حادثة تستحق التحقيق لمعرفة أسبابها، بل هي قضية تطرح سؤالاً أكبر وأكثر إلحاحاً: هل تغيّرت فعلاً طريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع المواطن السوري بعد سقوط نظام الأسد، أم أن بعض أساليب الماضي وعقليته ما زالت حاضرة؟

إذا كانت المعلومات المتداولة عن وفاة غميرة تشير إلى أنه توفي أثناء احتجازه لدى الشرطة، وإذا كانت التبريرات التي قُدمت لوفاته ربطتها بمرض «الناعور»، فإن القضية لا ينبغي أن تنتهي بمجرد تشكيل لجنة للتحقيق. تشكيل وزير الداخلية لجنة للتحقيق خطوة مهمة بحد ذاتها، وهي خطوة لم يكن المواطن السوري يتوقع أن يراها في ظل النظام السابق، حيث كانت أبواب الأجهزة الأمنية مغلقة أمام أي مساءلة حقيقية.

لكن السوريين الذين خرجوا إلى الشوارع ودفعوا ثمناً باهظاً، وسقط منهم مئات الآلاف من الضحايا، لم يطالبوا فقط بتغيير رأس السلطة أو تبديل أسماء المسؤولين. كانوا يريدون دولة مختلفة، وقانوناً مختلفاً، وعلاقة مختلفة بين المواطن وأجهزة الدولة.

وهنا تكمن المشكلة.

لقد عاش السوريون لعقود طويلة في ظل أجهزة أمنية كان المواطن يخشاها أكثر مما يلجأ إليها. وكان الاعتقال في كثير من الأحيان يعني فقدان الحماية القانونية، وكان التحقيق يرتبط في الذاكرة السورية بالخوف والعنف وانتزاع الاعترافات، لا بالبحث المهني عن الحقيقة.

إذا كانت سورية قد تحررت من ذلك النظام، فلا يكفي أن تتغير القيادة السياسية بينما تبقى بعض الممارسات القديمة حاضرة داخل المؤسسات.

تغيير العقلية الأمنية لا يقل أهمية عن تغيير السلطة نفسها.

المطلوب من الحكومة السورية اليوم ليس فقط أن تضبط الأمن وتحارب الجريمة وتحمي المجتمع، وإنما أن تبني أجهزة أمنية حديثة تعرف حدود سلطتها، وتدرك أن المواطن الذي يدخل مركز الشرطة ليس شخصاً فقد حقوقه.

المتهم ليس مجرماً حتى تثبت إدانته، وإنما هو مواطن له حقوق كاملة. والقانون وحده هو الذي يحدد مسؤوليته والعقوبة التي يستحقها إذا ثبتت إدانته.

أما التعذيب والعنف والإهانة والضغط الجسدي أو النفسي فلا يمكن أن تكون أدوات لتحقيق العدالة في دولة تريد أن تبني مستقبلاً مختلفاً.

ولهذا فإن قضية محمد غميرة يجب أن تكون مناسبة لمراجعة شاملة، وليس فقط لتحقيق جنائي محدود. نعم، يجب معرفة حقيقة ما حدث، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة من تثبت إدانته، لكن يجب أيضاً النظر إلى كيفية تدريب عناصر الشرطة والأمن، وآليات التعامل مع الموقوفين، ووسائل التحقيق، والرقابة على أماكن الاحتجاز، والمسؤولية القيادية عن أي تجاوز يحدث داخلها.

فالشرطي أو رجل الأمن الذي يتعامل مع المواطن باحترام لا يعني أنه ضعيف، كما أن استخدام القوة والعنف لا يعني بالضرورة أنه قوي أو قادر على حفظ الأمن.

القوة الحقيقية للأجهزة الأمنية تأتي من القانون، ومن الانضباط، ومن المهنية، ومن ثقة المواطن بها.

والدولة التي تريد أن تحافظ على أمنها لا تحتاج إلى أجهزة يخاف منها الناس، وإنما إلى أجهزة يثق بها الناس.

لذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الحكومة السورية واضحة: المطلوب ليس فقط ضبط الأمن، بل بناء أمن جديد.

أمن يحمي المواطن ولا يرعبه، يطبق القانون ولا يستبدل به القوة، يحقق مع المتهم دون إهانته، ويحفظ كرامة الإنسان حتى وهو رهن الاحتجاز.

إن الثورة التي دفعت سورية ثمنها غالياً لا ينبغي أن تنتهي فقط بتغيير من يجلس في مكاتب السلطة، بل يجب أن تصل إلى كل مؤسسة وكل إدارة وكل مركز شرطة.

وإذا كانت الدولة الجديدة تريد فعلاً طي صفحة الماضي، فإن أفضل طريقة لذلك هي أن تثبت للمواطن السوري، في أصعب الظروف، أن كرامته مصونة، وأن حياته ليست رهناً بمزاج موظف أو عنصر أمني، وأن القانون فوق الجميع.

لأن بناء سورية الجديدة لا يبدأ فقط من القصر أو الحكومة، بل يبدأ أيضاً من غرفة التحقيق ومركز الشرطة ومكان الاحتجاز.

هناك تحديداً سيعرف السوريون إن كانت الدولة قد تغيرت فعلاً، أم أن بعضاً من عقلية الماضي ما زال حياً داخل مؤسساتها.

المصدر: كل العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى