معالي الشعب الأردني

نضال منصور

 

درجت في العقود الماضية كثرة التعديلات الوزارية في الأردن، حتى باتت مادّة دسمة للتندّر داخل البلاد وخارجها، وأصبح الأردنيون يُنادون بـ”معالي الشعب الأردني” كناية عن عدد الوزراء الذين يتعاقبون على الموقع، ولا يستمرون طويلاً.
عند التدقيق في المشهد لا تجد عناء في التوصل إلى حقائق واضحة للعيان، منها أن التعديلات الوزارية في الغالب كانت لإنقاذ الحكومات من أزماتها، وضخ دماء جديدة لعلها تساهم في تسويق الحكومة، وتطيل عمرها، إضافة إلى أن كثيرين من رؤساء الحكومات كانوا يُجرون تعديلات لضم أصدقاء لهم، أو لشراء صمت آخرين، والأهم أن الوزراء الذين يدخلون لا يعرفون لماذا جرى اختيارهم دون بقية الشعب، والذين يخرجون لا يدرون أين أخفقوا، ولماذا جرى استبعادهم من الفريق الوزاري. وبالتوازي كانت التعديلات الحكومية دائماً فرصة لإرضاء المكونات الجغرافية في البلد، وإيجاد حالة من التوازن لامتصاص الغضب الاجتماعي.
كانت عادة التعديلات الوزارية تحظى برضا الصالونات السياسية في عمّان، ولكنها كانت تثير النقد والاستياء عند غالبية قطاعات المجتمع الذين اعتبروها مداورة للطبقة السياسية على السلطة، وتنفيعاً في أحوال كثيرة، وفساداً مقنّعاً، وهدراً للمال العام، وكثيراً ما دار حديث عن الرواتب التقاعدية لجيش الوزراء السابقين في الأردن، وفاتورتهم المكلفة على جيب المواطن.

كانت عادة التعديلات الوزارية تحظى برضا الصالونات السياسية في عمّان، ولكنها كانت تثير النقد والاستياء بوصفها مداورةً للطبقة السياسية على السلطة

كانت أخبار التعديلات الوزارية تحظى باهتمام الإعلام فيما مضى، وتتابع الصحافة (حين كانت هناك صحافة) أدقّ التفاصيل، ترصد اتصالات رئيس الحكومة، وتتابع ولائم العشاء في مطاعم عمّان المعروفة بتجمع النخبة… كل هذا ما عاد مهمّاً، والناس ما عاد يُطربها تعديل، أو تغيير حكومي، وصارت تراه إلهاء للمجتمع، واستنزافاً للموارد المالية، من دون أثر حقيقي على حياة الشعب.
كانت هناك أصوات ترتفع، بين حين وآخر، وتقول كفى لهذا النهج الذي لم يأخذ الأردن خطوات إلى الأمام، وآن الأوان لتغييره، فكيف نسأل وزيراً عن إنجازه، وهو لم يمكث في وزارته ما يكفي ليعرفها، وكيف نحاسب الحكومة ونسائلها، رئيساً ووزراء، ونحن لا نعرف برنامجاً واضح المعالم لها، ولم نسمع منها غير كلام إنشائي، ولا نرى معايير، أو مؤشّرات أداء، أو إطاراً زمنياً للإنجاز والتنفيذ.
بعد الحديث عن الإصلاح وتحديث المنظومة السياسية في السنوات الماضية، كان المطلوب تحوّلاً تدريجيّاً في بناء السلطة السياسية، لم نطلب قفزات في الهواء، جاءت الأحزاب السياسية، وتكاثرت، وظل تشكيل الحكومات على حاله، لا مشاورات حقيقية معها، أو مع الكتل البرلمانية. والطريف أن تستقطب الحكومة وزراء من الأحزاب، فيغادرون مواقعهم الحزبية، ولا يصبحون صوتاً لها، بل جزءاً من ترس الحكومة حتى لو وجهت سهامها إلى حزبهم، وكأنهم، بشكل أو بآخر، يتنصّلون من انتمائهم الحزبي، وصار الحزب طريقاً وسلّماً للمقعد الوزاري، مثلما كان مجلس النواب طريقاً سالكاً إلى الحكومة.
عند التشكيل، أو التعديل الحكومي، لم نسمع حزباً (باستثناءات معروفة) يضع شروطاً على الحكومة لمنح الثقة أو حجبها، وفي زيارات المجاملة المحدودة لبعض رؤساء الحكومات للأحزاب عند تكليفهم لا نرى هذه المكاسرة السياسية، ولا محاولات حقيقية للأحزاب لفرض أجندتها السياسية، فظلت الحياة الحزبية منزوعة الدسم، وبقيت الآليات القديمة تحكم المسار السياسي في البلاد.
صحيحٌ في السنوات الماضية أن الملك عبد الله الثاني حرص على فرملة كثرة تشكيل الحكومات وتعديلها، وعُرف ما درجت تسميته في الأردن “فور باي فور”، ويُقصد به رئيس حكومة واحد مستمر مع البرلمان أربع سنوات، وطُبّقت هذه القاعدة إلى حد ما، فالرئيس السابق بشر الخصاونة بقي أكثر من أربع سنوات، ومن قبله الرئيس عبد الله النسور شارف على إكمال المدة نفسها، مع أن الرؤساء أسرفوا في تعديلات وزارية لم يُفهم سرّها، غير أنها تعديلات، لخصومة أو خلاف بين الرئيس والوزير، أو محاولات للإيحاء بتجديد خلايا الحكومة المتهالكة.

كيف نسأل وزيراً عن إنجازه، وهو لم يمكث في وزارته ما يكفي ليعرفها؟

رئيس الوزراء الحالي جعفر حسان، الذي أمضى سنوات طويلة إلى جانب الملك، أكثر من يحذّر من التعديلات الحكومية، فهو يعرف أن مزاج الملك لا يحبّذ هذه اللعبة السياسية، وهو أيضاً يريد أن يعزّز نمطاً جديداً من الإدارة لا يخضع لضغوط الصالونات السياسية التي تبني شائعات التعديل الوزاري من العدم، لعله يكون لبعض رموزها فرصة في المقعد الحكومي.
بعد التعديل الوزاري الذي أجراه حسّان، الأسبوع الماضي، وأثار انتقادات، واعتبره مراقبون ليس أكثر من ترفيعات لبعض وزرائه المقرّبين، بقيت أسئلة جوهرية معلّقة: ما حاجة الحكومة لهذه الخطوة؟ وهل ستُحدث تغييراً جذرياً في الأداء؟ وهل هناك أي متطلبات لها؟ ولماذا لم يغيّر الرئيس الوزراء الذين لاحقهم كلام عن أداء غير متميّز، وملاحظات لرئيس الحكومة على إيقاع تحرّكهم؟ وحتى وزارة العمل التي استقال وزيرها أخيراً لم يعيّن رئيس الوزراء وزيراً أصيلاً لها… مؤكّد أن رئيس الحكومة ليس من هواة التعديلات والتغييرات، وهذا ربما يعزّز ثقافة جديدة في السلطة مختلفة عما ساد في العقود الماضية، وهذا النمط من الإدارة يجد مؤيدين، والمعارضون له كثر.
ما يهم، متى تتطوّر آليات تشكيل الحكومات في الأردن لتصبح محكومة بمسار ديمقراطي، وتصبح هناك أحزاب في السلطة تعلن برنامجها، وتقاتل من أجله، ومعارضة تجلس تحت قبة البرلمان لتحاسب الحكومة، وتعمل لإطاحتها لأنها تريد أن تحل مكانها، وأن تنفّذ أجندتها وبرنامجها؟ هل هذا الطرح شطحات حلم لن يجد قدمين على أرض الواقع في الأردن؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى