
بعد مخاض طويل، وُلدت الصيغة النهائية لمشروع الاتّفاق الذي طرحه الرئيس التنفيذي لـ”مجلس السلام”، نيكولاي ملادينوف، وتُعدّ خريطة الطريق للمرحلة المقبلة في غزّة، وأبرز ما فيها البندان المتعلّقان بملفَّي السلاح والموظّفين. وقد أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والفصائل الفلسطينية موافقتها عليها، مؤكّدةً أنّها إذا لم تلتزم إسرائيل ببنودها ستكون في حلّ من أيّ التزام. وفي ما يتعلّق بالبند الخامس من الاتّفاق، الخاصّ بملفّ الموظّفين، جرى التوافق على “نصّ قانوني ينظّم آلية إنهاء الخدمات والمستحقّات”. أمّا موضوع السلاح، فقد جاء في الصيغة النهائية التأكيد على حصر السلاح بيد اللجنة الوطنية الفلسطينية التي ستحلّ محلّ “حماس”، والإجراءات المتعلّقة بهذا الأمر ستقتصر على السلاح الثقيل، ولن تشمل بقية أنواع الأسلحة.
مصير السلاح: التخزين في مستودعات، إلى جانب مستودعات ومواقع الإنتاج العسكري، بالتنسيق بين اللجنة الوطنية و”حماس” وبقية الفصائل الفلسطينية، ولا تُسلَّم أيّ أسلحة إلى الاحتلال الإسرائيلي أو إلى أيّ جهة غير فلسطينية. ويبدأ تنفيذ هذه الإجراءات بجملة من الخطوات المتزامنة مع بدء عمل اللجنة الوطنية، وانتشار “قوّة الاستقرار الدولية”، وتفكيك المجموعات المسلّحة، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من المناطق التي يسيطر عليها داخل قطاع غزّة.
الاجتياح المفتوح للضفّة مرتكز أساس في المشروع الإسرائيلي
أمّا البند المتعلّق بالموظّفين، فقد نص الاتّفاق على أن يُعامل جميع الموظفين المدنيين بشكل قانوني وعادل يحفظ كرامتهم وحقوقهم، بينما يحصل الذين تنتهي خدماتهم أو يُحالون على التقاعد خلال الفترة الانتقالية على حقوقهم وفقاً للقانون الفلسطيني. وتجري اللجنة الوطنية مراجعة شاملة للشؤون المالية والإدارية في غزّة، وتحمي وتستردّ الأصول والموارد العامّة، وتسعى إلى تقييم الالتزامات المشروعة تجاه المورّدين والمقاولين والأطراف الأخرى، بإجمالي لا يتجاوز 400 مليون دولار، والعمل على تسويتها.
ويُدمج أفراد الشرطة الذين دُرّبوا أخيراً ضمن هيكل الشرطة الحالي، ويخضع جميع الأفراد لفحص أمني شامل، وتُعرض على مَن لا يستوفون المعايير المطلوبة وظائف أمنية بديلة تتناسب مع خبراتهم، أو يُحالون على التقاعد طبقاً للقانون الفلسطيني. ولا يجوز حرمان أيّ شخص منهم من حقوقه المالية، خاصّةً بسبب انتمائه السياسي. وتُنقل جميع أسلحة الشرطة إلى سلطة اللجنة الوطنية لإدارة غزّة ومسؤوليتها، فور دخولها القطاع وبدء تولّي مهامّها”.
وافقت “حماس” وبقية الفصائل الفلسطينية على تسليم جميع وظائف الحكم المدني والأمني في غزّة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزّة، وفقاً لخطّة السلام الشاملة للرئيس ترامب. وأكّدت أنّ اللجنة ستتمتّع باستقلالية كاملة في أداء مسؤولياتها، وأنّ الفصائل لن تتدخّل في شؤونها خلال الفترة الانتقالية، وفقاً لقرار مجلس الأمن 2803 لعام 2025. وينص الاتّفاق أيضاً على فترة 14 يوماً بعد إعلانه، يجري خلالها وقف العدوان والهجمات على الأرض، وإدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً، من بينها 50 شاحنة وقود، إضافةً إلى وقف أيّ تمدّد إضافي للاحتلال عند ما يُعرف بـ”الخطّ الأصفر”. اعترفت حركة حماس، بموافقتها، بأنّها قدّمت تنازلات اعتبرتها ضرورية لمنع إسرائيل من استغلال أيّ خطأ في التقدير، مؤكّدةً أنّ الاتّفاق ينصّ على الانسحاب ونقاط أخرى مهمّة تستند إلى القانون الفلسطيني. والأهمّ هو محاولة تخفيف المعاناة عن أبناء غزّة المحاصرين، المحرومين من الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة، الذين يعيشون حالة مجاعة حقيقية، ويواجهون إصراراً إسرائيلياً على تهجيرهم. وإذا لم تلتزم إسرائيل، فلن تلتزم، وهي بذلك تضع المسؤولية على إدارة الرئيس ترامب.
وقد حصل ذلك كلّه في لحظة توتّر بين الإدارة الأميركية وبنيامين نتنياهو الذي عقد، قبل أن يذهب إلى واشنطن للقاء ترامب، اجتماعاً للمجلس الوزاري المصغّر، وأعطى موافقته على الاتّفاق، في محاولة منه لضمان “رضا” ترامب والخروج بنتائج إيجابية من لقائه به، محتفظاً، في الوقت نفسه، بخيارات كثيرة في غزّة والضفّة الغربية. لكنّ الماكر نتنياهو يعرف تماماً أنّ ثمّة من لا يوافق على الاتّفاق في الداخل الإسرائيلي، في الحكومة وخارجها، وفي الوقت ذاته، يريد الاستفادة من بعض بنود الاتّفاق لفرضها على لبنان.
أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أنّ هذا الاتّفاق “غير مقبول، ويجب إلغاؤه”. وذكّر الذين تفاخروا باحتلال 70% من غزّة ويريدون السيطرة الكاملة عليها، بأنّ الاتّفاق يتناقض مع هذا الموقف، وبأنّ كثيرين طالبوا، وعلى رأسهم نتنياهو، برفض الانسحاب من غزّة. وتوقّف إسرائيليين غير مؤيّدين للاتفاق، وتحديداً بن غفير، عند “القانون الفلسطيني” في أكثر من بند، ما يعني تكريس السلطة المعنوية للفلسطينيين. والحكومة الإسرائيلية مصرّة على عدم وجود سلطة فلسطينية فعلية، ولا تريد أن ترى أيّ أمر يعيد إحياءها أو يقدّم فرصةً لحركة حماس، وغيرها، لاستعادة حضورها، فالمشروع الأساس هو تهجير الجميع. وهذا ما عبّر عنه بوضوح العقيد في الاحتياط إيلي جينو: “الحلّ في غزّة، لتوفير مستقبل أفضل كي لا يقاتل أبناؤنا هناك مرّة أخرى، هو التهجير فقط. وهذا من أجلنا. وإذا كان هناك من يهتم حقّاً بالفلسطينيين في العالم، فإنّ أفضل شيء لهم هو الرحيل، وألّا يبقوا هنا. الهدف الحقيقي لدولة إسرائيل هو ألّا يبقى أحد في غزّة”.
ولهذا السبب، يرى هذا الفريق مخاوفَ ويستشعر خطراً في موضوع تخزين السلاح وإشراف لجنة وطنية فلسطينية عليه، على الرغم من أنّ “مجلس السلام” يضع يده فعلياً على كلّ غزّة ومواردها وأصولها وثرواتها الفلسطينية، وعلى الرغم من المشاريع الاستثمارية الكُبرى المُعلَنة تحت عنوان “إعادة الإعمار”، لكن لا ملكيةَ فلسطينيةً في أيّ مكان. غزّة مشروع استثماري أميركي– عربي– دولي، بإشراف أميركي، وإسرائيل مستفيدة منه في نظر ترامب. لكنّ مشروعها الفعلي عكس ذلك، وهو يقوم على احتلال كلّ الأراضي الفلسطينية وتهجير أهلها، وبالتأكيد لا وجود لسلطة فلسطينية هنا، ولا لاتّفاقات بينها وبين إسرائيل. هذا زمن ولّى. ونتنياهو غير قادر على الرفض، لكنّه قادر على التخريب، ولديه الرغبة في إسقاط هذه العملية كلّها. ويحذّر دائمًا من بقاء أيّ قطعة سلاح بيد “حماس”، ويريد استئصالها والسيطرة على كلّ الأراضي، لضمان “عدم تكرار 7 أكتوبر”. وذكرت “هآرتس” أنّ إسرائيل أبلغت “مجلس السلام” اعتراضها على عدم تدمير الأسلحة التي ستُجمع من “حماس” في غزّة. وقالت القناة 12 الإسرائيلية: “إسرائيل لا تعتزم وقف الهجمات في غزّة ما لم يُنزع سلاح حماس”.
هنا يأتي الاجتياح المفتوح للضفّة، وهو مرتكز أساس في المشروع الإسرائيلي. فقد وجّه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس الجيش إلى “احتلال مخيّم جديد بعد احتلال مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، والاستعداد لتوسيع نطاق العمليات العسكرية العدوانية في سياق مكافحة الإرهاب”، كما قال. أمّا وزير المالية سموتريتش، فقد تباهى بتدمير منازل الفلسطينيين في الضفّة، لأنّها “جزء لا يتجزّأ من إسرائيل”، وأكّد: “سنواصل تطبيق القانون، ومنع البناء غير القانوني واستيلاء العرب على الضفّة الغربية. لقد تصرّفوا سنواتٍ طويلةً في المنطقة وكأنّها ملكهم. انتهى الأمر. الضفّة الغربية جزء لا يتجزّأ من دولة إسرائيل، وتشكّل منطقة أمنها”.
إنّها مرحلة تمرير الوقت حتّى إنجاز الانتخابات النصفية الأميركية والانتخابات التشريعية الإسرائيلية
نتنياهو وفريقه لن يتراجعوا عن مشروعهم. وجيش الاحتلال لن يتراجع في غزّة، بل يعلّق تقدّمه مؤقّتاً، ويسمح ببعض المساعدات، لكنّه سيبقى يناور. والعملية تحتاج إلى وقت طويل. وهو لا يريد صداماً الآن مع ترامب في لحظة حاسمة وصعبة، لكنّه لا يستطيع أبداً أن يتراجع ويسحب قوات الاحتلال من غزّة، وهو على أبواب انتخابات، وكثيرون في الداخل يتربّصون به ويحمّلونه مسؤولية “7 أكتوبر” (2023). فهل يجوز أن ينسحب، وتصبح مسؤوليته مضاعفة الحرب والاحتلال، ثمّ الانسحاب؟ نتنياهو ليس الشخص الذي يمكن أن يفعل ذلك ويتراجع. ولهذا السبب يعمل على التقدّم في الضفّة: مزيد من الاحتلال والتوسّع وفرض الأمر الواقع تحت عنوان “القانون الإسرائيلي”. لكنّه لن يقبل بتطبيق “القانون الفلسطيني” في غزّة أو غيرها من المناطق الفلسطينية. وفي الوقت ذاته، يريد الاستفادة من بعض بنود الاتّفاق في لبنان، حيث يستمرّ في عدوانه، ويؤكّد أنّه لن ينسحب. وهو، قبل أن يسافر إلى واشنطن للقاء ترامب، قال: “سيطلب مني الانسحاب، لكنّني أؤكّد: لن ننسحب من لبنان وسورية وغزّة”. سيحاول نتنياهو تأكيد حرية العمل في الجنوب، واستكمال التدمير والتفجير والجرف، ويرفض فكرة “تخزين السلاح” في لبنان. وهو ينسفها في غزّة، فلا يمكن أن يقبل بها في لبنان. وسيستند إلى البند المتعلّق بالموظّفين والمؤسّسات الأمنية والإدارية، وتطهيرها من “غير الموثوقين”، إمّا أن يستقيلوا أو يُقالوا أو يُنقلوا إلى أماكن أخرى، وتُدفع لهم تعويضات. لكن في “المؤسّسات الجديدة” سيكون هناك تدقيق في اسم كلّ شخص يتقدّم إلى وظيفة فيها، وهذه فكرة طُرحت أكثر من مرّة على لبنان.
إنّها مرحلة تمرير الوقت حتّى إنجاز الانتخابات النصفية الأميركية والانتخابات التشريعية الإسرائيلية. والسباق، كما قلنا أكثر من مرّة: من يربح قبل الثاني، ترامب أم نتنياهو؟ أو من يسقط قبل الثاني؟
وفي هذا الوقت، تجري اللعبة الحقيقية على الأرض العربية. حتّى اللعبة مع إيران هي على الأرض العربية، حيث توجد قوّات أميركية. وكلّ المنطقة في غليان، واحتمال “الدمار الشامل والحريق الكامل” لا يزال الأرجح، في ظلّ الاستعدادات لحرب أكبر ممّا شهدناه.
المصدر: العربي الجديد






