تركيا وإسرائيل

غازي العريضي

رغم ما يجري في فلسطين من استمرار قتل الفلسطينيين في غزّة، وتوسيع إسرائيل خطها الأصفر لضم مزيد من الأراضي، وإقامة قاعدة عسكرية في جنين، وتنفيذ عمليات إرهابية ضد أبناء الضفة الغربية، وتنامي الحديث عن “الدولة اليهودية التلمودية” إسرائيل الكبرى، والتركيز على الجذور والأهداف الدينية للحروب التي تشنها دولة الاحتلال في كل اتجاه،
ورغم تجدّد الحرب بين أميركا وإيران، وبين إسرائيل وإيران، وموجات القصف والاستهدافات المتبادلة، قبل الإعلان المبدئي المتكرّر عن التوصل إلى اتفاق بين الطرفين الأولين، والتفسيرات المتناقضة لمضامينه، وإعلان إسرائيل أنها غير معنية به، مع ما لهذا من معانٍ وأبعاد ونتائج، نظراً إلى إصرارها على استكمال الحرب وعدم اقتناعها بأي هدنة أو اتفاق على مستوى الجبهتين الإيرانية واللبنانية، ورغم الحرب المفتوحة على لبنان وموجات التفجير التي تعرّضت لها قرى في الجنوب ولم نشهد لها مثيلاً في كل الحروب، والسجالات المفتوحة حول الاتفاق الإيراني – الأميركي وشموله لبنان، رغم انشغال العالم كله بهذه التطورات، لما لها من نتائج وانعكاسات واحتمالات في كل الاتجاهات، فقد برز أمر استراتيجي مهم، تمثّل بالسجال بين تركيا وإسرائيل، وهو يحمل ما يحمل من مؤشرات خطيرة على ما ينتظر المنطقة في المرحلة المقبلة. أطلق وزير الداخلية التركي مصطفى تشفتشي تصريحاً: “كما شهدنا تحرير دمشق وحلب وكاراباخ بإذن الله سنشهد يوماً تحرير القدس. دعوت الله أن يمنحني حكم القدس ولو ليوم واحد”. كلام يعبّر عن خلفية فكرية سياسية غلّفت الرسالة الموجهة إلى إسرائيل نظراً إلى ما تفعله في فلسطين، وعدوانها المفتوح على سورية وتهديد وحدتها وأمنها واستقرارها وضم جزء من أراضيها إلى الأرض “اليهودية” الموعودة في النظرة التلمودية التي أشرنا إليها.

 تلعب إسرائيل لعبة الوقت، ولذلك ستدخل على خط المشكلات الداخلية، وتستهدف أمن تركيا لتهزّ استقرارها وأردوغان يدرك هذا

لم يمر الكلام إسرائيلياً، ردّ فوراً وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: “القدس كانت عاصمة اليهود ثلاثة آلاف عام. وستبقى عاصمة إسرائيل إلى الأبد. الإمبراطورية العثمانية التي تحلم بها أنت وأردوغان ولّت، انهارت ولن تعود أبداً. للأسف لم تتعلم شيئاً من إرث أتاتورك الذي عمل على تحويل تركيا إلى دولة حديثة. على العكس أنت تسعى إلى جرّ تركيا إلى حقبة مظلمة. القدس ليست القسطنطينية ودولة إسرائيل ليست إمبراطورية صليبية متداعية. إسرائيل دولة قوية وعازمة على إثبات قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد أي تهديد”.
سجال تاريخي دقيق ومصطلحات وتشبيهات تفتح سجلات حروب خطيرة أخذت في مراحل معينة أبعاداً دينية وتؤشر لصراعات حالية ومستقبلية مقلقة جداً متعلقة بمصير كل المنطقة.
في هذا التوقيت، جاء التصريح الصاروخ السياسي المدوّي الذي أطلقه الرئيس التركي أردوغان، وأصابت شظاياه مواقع كثيرة: “أمن تركيا القومي لا يقتصر على هاتاي. إنه يبدأ من سورية ولبنان. نقف إلى جانب البلدين في مواجهة إسرائيل وهي التي تشكل بسياساتها تهديداً للأمن الإقليمي وللإنسانية جمعاء وتتجاهل القوانين والأعراف الدولية. إنها منذ تأسيسها تعمل على تهديد السلام والهدوء والازدهار في المنطقة. هي نظام صهيوني وبؤرة حقيقية للصراع ومنبع للفتنة. يخرج هؤلاء وأتباعهم ويطلقون ما يسمونه تهديداً ضد تركيا، نعلم نيّاتكم وأهدافكم وغاياتكم ونرى بوضوح ما تسعون إليه وندرك الهدف النهائي من وهم أرض الميعاد ولن نسمح بذلك. نار الفتنة تشتعل في البحر المتوسط وخاصة في قبرص. قبل 85 عاماً أدى الصمت والتقاعس في مواجهة هتلر إلى مقتل 80 مليون شخص. يتكرّر الأمر نفسه اليوم. عمليات الإبادة يرتكبها جزّار غزة وحكومة نتنياهو أمام صمت وتقاعس شديدين، تماماً كما كان الحال مع هتلر. إيقاف إسرائيل عن ذلك واجب إنساني”.
لماذا الإشارات إلى سورية ولبنان وفلسطين وقبرص وفتح سجلات الماضي؟ إنها تركيا ذات التاريخ الكبير والخبرة العميقة بلعبة الأمم وموازين القوى والصراعات الكبرى بأبعادها الأمنية والاقتصادية والمالية، وتختزن تجارب عميقة فيها. تعرف الشعوب وأراضيها وثرواتها ونزعاتها وعاداتها وبيئاتها. وفي الحاضر وأمام التغيير الذي حصل في سورية ودعمها التركيبة الحالية فيها، تعرف أكثر من غيرها أن إسرائيل تستهدفها. دولة الاحتلال لا تعترف بالتركيبة الجديدة، كانت تبني حساباتها في السابق، وفي سياق رؤية استراتيجية أيضاً على أساس أن سورية النظام القديم كانت تشكل حاجزاً جغرافياً سياسياً أمنياً بينها وبين تركيا، وخصوصاً بعد احتلالها الجولان وتعايش النظام معه، وهو يعيش أزمة ثقة وقلق كبير من تركيا.

تركيا تشكل خطراً استراتيجياً في نظر إسرائيل، زاد قلقها بعد الحرب على إيران التي لن توقفها حتى تحقق أهدافها

تغيرت الأحوال اليوم. ذهبت تركيا سريعاً إلى دعم الرئيس أحمد الشرع، أرادت أن توفر وسائل دفاع جوي للجيش السوري بعد أن  بادرت إسرائيل إلى ضرب مستودعاته ومخازن أسلحته ودمّرت إمكاناته العسكرية واستهدفت مطاراته واحتلت جبل الشيخ ومناطق واسعة على أبواب دمشق، وضربت مقر الأركان السورية، وحرّكت الأكراد، ولم تكن مرتاحة للاتفاق الذي رعته أميركا بينهم وبين الشرع، ولا تزال تطلق التهديدات التي تستهدف بشكل أساسي تركيا، ووسّعت احتلالها في الجنوب اللبناني ليصل إلى تخوم جبل الشيخ، ودعمت حركة انفصالية في السويداء لإحكام طوق على سورية وللضغط على الشرع للتدخل ضد حزب الله في البقاع من جهة ثانية لإحكام نوع من الإطباق عليه، وهذا كله من منظور تركيا يشكل تحوّلاً استراتيجياً كبيراً في المنطقة ويهدّدها، خصوصاً أن إسرائيل لم تتوقف عن محاولات استغلال الأكراد لنسف اتفاقهم مع القيادة السورية، ولدفعهم إلى التحرّك ضد النظام الإيراني، وتوريطهم في الحرب هناك بدعم أميركي واضح، يناقض موقف أميركا مع الأكراد في سورية.
تشكّل هذه العوامل قلقاً كبيراً لدى القيادة التركية، يضاف إليه القلق مما يجري في فلسطين والسيطرة على غزّة وثرواتها النفطية، وصولاً إلى قبرص ومنها إلى اليونان، مروراً بالساحل السوري وثرواته، والمناورات اليونانية القبرصية الإسرائيلية التي يشارك فيها بعض العرب، الذين يدخلون مباشرة على خط حروب في دول عديدة في المنطقة خصوصاً شمال أفريقيا، وغيره، بما يخدم المشروع الإسرائيلي التفتيتي، في وقت يدور صراع على الثروات والممرّات المائية والنفطية وإسرائيل تريد أن تصل كل الممرات إليها لتصبح هي “روتردام الشرق الأوسط” مركز تصدير النفط إلى أوروبا والعالم، وبعد أن يأتي إليها من الدول العربية. ولذلك تحرّض العرب ضد إيران، وأحياناً كثيرة ضد أميركا وسياسات ترامب، لتقدّم نفسها الدولة “المبادرة” “المتحرّكة” “التي لا تهدأ”، والتي كان لها الدور الأكبر في توريط ترامب في الحرب الإيرانية، وفي ضرب  القيادات الإيرانية واستهدافها، وفي مقدمها خامنئي الأب والمواقع الإيرانية المهمة، ولا تزال تحرّض لاستكمال الحرب وإنهائها وعدم إعطاء أي فرصة لإيران للنهوض، وبالتالي تقدّم نفسها “الراعي” و”الحامي الجديد” للعرب وثرواتهم!. والمشكلة الكبرى أن كثيرين منهم يتفاعلون مع هذه النيّات والأهداف، ولا ننسى أيضاً الكشف عن قاعدتين إسرائيليتين في صحراء العراق.
من منطلق هذه القراءة التركية الاستراتيجية، ذهب أردوغان في كل الاتجاهات، ودخل على كل الخطوط من أذربيجان إلى روسيا وإيران والاتفاق النووي والأزمة السورية و”منصّة أستانا” والقمم العربية الإسلامية، وباكستان، والسعودية، ومصر، وأوكرانيا، والصين، والحرب على غزة وفلسطين، وأوروبا والناتو، والعلاقة مع ترامب، والتغيير في سورية، وتركيا دولة فاعلة في حلف ناتو الذي سيعقد اجتماعاً في أنقره الشهر المقبل، ويفترض أن يشارك فيه ترامب.
هذه “الحركة الدائمة” و”تركيا التي لا تهدأ” أيضاً تقلق نتنياهو، تغضبه إلى حد الرّد على أردوغان قائلاً: “هذا متغطرس، معاد للسامية”. التهمة جاهزة. كل من ينتقد إسرائيل معاد للسامية. وقد مرّت العلاقات التركية – الإسرائيلية بمراحل من التوتر وأخرى من التفاعل والتعاون. ادارت تركيا أردوغان، في مرحلة معينة، الحوار السوري الإسرائيلي بين بشّار الأسد ونتنياهو في محاولة للوصول إلى اتفاقٍ بالتأكيد سيكون لها مصلحة فيه. وأعلنت أكثر من مرّة استعدادها لتعاون واسع ينهي الحروب، ويحترم القرارات الدولية، ويكرّس سلاماً حقيقياً وعلاقات طبيعية سياسية واقتصادية وأمنية بين دول المنطقة، بعد تنفيذ قرار إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وبما ينسجم مع المبادرة العربية التي أعلنت في بيروت عام 2002. ليس في قاموس إسرائيل هذا النوع من التفكير منذ زمن طويل. وخصوصاً مع نتنياهو وأحلامه وطموحاته الخطيرة وجموحه الدائم  نحو الحرب، لذلك كتبت أكثر من مرة في السنوات والأسابيع والأشهر الماضية “لتبق العين على تركيا”، تركيا تشكّل خطراً استراتيجياً في نظر إسرائيل، زاد قلقها بعد الحرب على إيران التي لن توقفها حتى تحقق أهدافها. وعندما تنتهي من إيران ستأتي إلى تركيا بعد حصول المتغيرات من جنوب لبنان إلى سورية والعراق، وضياع العرب استهدافها وإضعافها، وتبقى هي الدولة السيدة المتفوقة في المنطقة من دون منازع. تسقط كل الحواجز أمامها وتفتح كل الممرّات والمعابر السياسية والمالية والاقتصادية والتجارية والأمنية والعسكرية أمامها أيضاً.

إسرائيل لم تتوقف عن محاولات استغلال الأكراد لنسف اتفاقهم مع القيادة السورية، ولدفعهم إلى التحرّك ضد النظام الإيراني

في هذا التوقيت، تأتي التصريحات والتهديدات بين إسرائيل وتركيا وعلى أعلى المستويات. وإسرائيل تلعب لعبة الوقت، ولذلك ستدخل على خط المشكلات الداخلية، وتستهدف أمن تركيا لتهزّ استقرارها وأردوغان يدرك هذا. ولأن التهديد الإسرائيلي، كما بدا واضحاً، يستهدف أيضاً مصر والسعودية وباكستان وكل المنطقة، نشأت في ظل الحرب على غزّة، وخصوصاً على إيران نواة أو منصّة سياسية أمنية بين باكستان والسعودية ومصر وتركيا، خطوة يتعاون أركانها في متابعة التطورات والشراكة في الحلول، وهي مهمّة في هذه المرحلة بالذات ينبغي تكريسها وتعزيزها، وضم عدد أكبر من الدول إليها.
ومن قلب هذه المنصة صدر موقف لوزير خارجية تركيا هاكان فيدان وجّه فيه رسالة دقيقة إلى إسرائيل تنسجم مع الموقف السعودي التقليدي الذي يتكرّر دائماً بمعزل عن الوقائع المرعبة التي تفرضها إسرائيل على الأرض في فلسطين والمواقف التي يطلقها قادتها، وتؤدي إلى قتل القضية الفلسطينية وتهجير أبنائها و”إقامة إسرائيل الكبرى”، وتستغل ذلك كله لتأتي بالعرب إليها وتضغط أميركا بلسان ترامب “للالتحاق الإلزامي بالاتفاقات الإبراهيمية” فتكرّر السعودية: “هذا مرتبط بالالتزام الفعلي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة”. وهذا بعيد المنال. في هذا المناخ، أعلن فيدان :”يمكن لإسرائيل أن تكون جزءاً من منصة أمنية في المنطقة تضم مصر والسعودية وباكستان وتركيا وربما إيران لاحقاً، إذا وافقت على إقامة دولة فلسطينية مستقلة بحدود العام 1967، وذلك يبدأ بوقف الحرب ضد الفلسطينيين”. سبق هذا الموقف الكشف في تركيا عن صاروخ بالستي مطوّر عابر للقارّات (يلدريمخان) يمكن ان يصل الى قلب إسرائيل حاملاً ثلاثة أطنان من المتفجرات، هذه رسالة أمنية عسكرية قوية تتلاقى مع الرسالة الموقف الذي يتناغم مع السعودية، لكن إسرائيل في مكان آخر. يعرف فيدان هذا، لكن في اللعبة السياسية هذه خطوة تقول: أركان المنصة: دول عربية وإسلامية سنية كبيرة ويمكن أن تنضم إليها إيران “الشيعية” إن جاز التعبير في مرحلة لاحقة، هذا ردّ سياسي على الحرب الدينية التي تريدها إسرائيل، وهي لن تتراجع أبداً. من هنا تبدأ القراءة وعليها تقام الحسابات.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى