محمّد البرادعي ونواف سلام.. مواقف ومآلات

سلامة عبد الحميد

                           

إذا ما وضعت صورة محمّد البرادعي (78 سنة) إلى جانب صورة نوّاف سلام (72 سنة)، لظننتَ لوهلة أنك أمام شقيقين. والتشابه بينهما لا يقتصر على الشكل وحده، بل يمتدّ إلى دراستهما الحقوق، والالتحاق بالعمل في الأمم المتحدة، وصولاً إلى اعتمادهما أسلوب “المواطن الكوني”، أو “البيروقراطي الدولي”.

تولّى البرادعي منصب نائب رئيس الجمهورية في مصر (2013) في لحظة فارقة. فتنة سياسية عميقة، وانقسام مجتمعي حاد، وشوارع تغلي. كان الرجل قادماً من منصب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث اعتاد التعامل مع الملفات بمنطق الجداول الزمنية والتقارير الفنية. فماذا فعل حين وجد نفسه في قلب أزمة القاهرة؟… تكلّم بلغةٍ لا يفهمها سوى مترجمي الأمم المتحدة، وكرّر على المصريين مصطلحات “الحوار الوطني الشامل” و”آليات الانتقال الديمقراطي” و”الحوكمة الرشيدة”، بينما الشارع يطلب أموراً أبسط، رغيف خبز وعدالة اجتماعية وكرامة. كان الرجل يتحدّث وكأنه يُلقي محاضرة في مجلس الأمن. ينظر إلى المصريين بنظرة “الخبير الدولي” الذي يزور بلداً نامياً 48 ساعة، كي يُعدّ تقريراً عن “الأوضاع” بعد أن يغادر إلى مستقرّه الأوروبي.

فشل البرادعي فشلاً ذريعاً. لم يستطع أن يشعر بغضب سائق تاكسي في الإسكندرية، أو هموم فلاح في دلتا النيل، أو خيبة شاب عاطل في القاهرة. كان يعتقد أن القيم العالمية التي يُردّدها في المؤتمرات التي يحضرها في لندن ونيويورك كافية لحل أزمة وطنية عميقة. وحين احتدم الصراع غادر البلاد تاركاً خلفه ذكرى رجلٍ كان يُجيد الإنكليزية أكثر من العربية، وبضعة مقابلات مع قنوات محلية تحولت إلى مصدر سخرية لاذعة منه بين المصريين.

ما يجمع البرادعي وسلام ليس مجرّد الخلفية الأممية، بل عقلية المواطن الكوني التي تُبعد صاحبها عن أرضه وشعبه

أما نواف سلام، فقد تولّى رئاسة الحكومة اللبنانية (2025) في لحظةٍ ليست أقلّ فداحة. دولة منهارة اقتصادياً، وشعبٌ يعيش غالبيته تحت خط الفقر، ونظامٌ طائفي متآكل، وكيان مجرم يهدّد البلد كله بالاحتلال. كان الرجل قادماً من منصب رئيس محكمة العدل الدولية، حيث اعتاد التعامل مع مصطلحات “القانون الدولي” و”العدالة التحكيمية”.

يخاطب نواف سلام اللبنانيين بلغةٍ لا تقلّ تعقيداً عن لغة البرادعي. يحدثهم عن “الإصلاحات الهيكلية” و”الحوكمة الشفافة” و”الشراكة مع المجتمع الدولي”، بينما اللبناني يبحث عن كهرباء، ودواء، ومدّخرات مهدرة. يتحدث كأنه لا يزال يُلقي رأياً استشارياً في مقر المحكمة بلاهاي، وينظر إلى مواطنيه بنظرة “القاضي الكوني” الذي يفصل في نزاعٍ بين دولتين، لا كمسؤول في بلد يعيش أزمة وجودية.

لم يستطع سلام منذ توليه رئاسة الحكومة أن ينهي أي مشكلة، ويبدو أنه لا يدرك أن البلد الذي يرأس حكومته معرّض لحرب أهلية في حال الإصرار على الإجهاز على المقاومة، ولا يصدّق أن العدو المتربّص لا يضمر الشر لحزب الله وحده، بل للبلد كله. ربما يعتقد أن القيم الغربية التي يلوك مصطلحاتها في المحافل الدولية في مؤتمرات ومنتديات باريس وبروكسل كافية لحل أزمة وطنية مزمنة. لكن الواقع يخالف هذا تماماً، فمنطق القوة وحده يحكم، ولبنان ليس قوياً.

المرجح أن نواف سلام سيغادر إلى مستقر أوروبي قريباً، كما فعل محمّد البرادعي سابقاً، تاركاً خلفه ذكرى رجل لم يفهم طبيعة بلد تولى فيه مسؤولية كبيرة فيه، وأزمات سيكون له نصيب في استفحالها، وربما انعدام إمكانية تجاوز تداعياتها.

إذا التقى البرادعي وسلام يوماً في مطارٍ أوروبي لن يتحدّثا عن مصر أو لبنان

ما يجمع البرادعي وسلام ليس مجرّد الخلفية الأممية، بل عقلية المواطن الكوني التي تُبعد صاحبها عن أرضه وشعبه، فكلاهما يؤمنان بالقيم الغربية أكثر من المبادئ الشرقية، وبديمقراطية نموذجية غير قائمة، وبسيادة القانون على الطريقة الأوروبية، وبحقوق الإنسان بالصيغة التي أنتجها نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. تلك المفاهيم التي تبدو مناسبة لصالونات جنيف، تتهاوى حين تصطدم بالواقع العربي الكارثي في أزمنة الانهيار السياسي، والانحدار الديمقراطي، والصراعات الأهلية، والاحتلال. ففي مصر، كما في لبنان، تظل “الحوكمة” و”الشفافية” و”الحوار البنّاء” و”الشراكة الدولية” محض مصطلحات فارغة من معناها، بينما المطلوب استعادة الكرامة المهدرة، والعدالة المفقودة، وخطط للمستقبل.

يمثل البرادعي وسلام نموذجاً بيروقراطياً دولياً يُنتج قادةً بلا جذور، وسياسيين بلا ظهير شعبي، ومنقذين محتملين بلا قدرات إنقاذ فعلية. فمن يقضي عقوداً في مكاتب الأمم المتحدة المكيفة يفقد القدرة على سماع نبض الشارع، أو صوت المقهورين، ولا يملك حتى القدرة على الحديث بلغةٍ يفهمها المواطن العادي، فالأصل أن الأوطان لا تدار بمنطق الوكالة الدولية، والشارع لا يهدأ بقرار من محكمة العدل الدولية.

إذا التقى البرادعي وسلام يوماً في مطارٍ أوروبي لن يتحدّثا عن مصر أو لبنان. غالباً سيتبادلان التحية بلغة غير العربية، ثم يتشاركان الشكوى من صعوبات العمل مع الجماهير “الغوغائية”، قبل أن يتجه كلٌ منهما إلى غرفة الانتظار الدولية، في طريقه إلى مستقره الهادئ بعيداً عن صخب السياسة التي لم يكونا يوماً مؤهلين للعمل بها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى