وليد جنبلاط ينفض غبار الملف الذي كان يُروى همساً

سالي علي

ليست أكثر الجمل إثارة في حلقات وليد جنبلاط التلفزيونية تلك التي تحدث فيها عن حافظ الأسد، ولا عن الدروز أو العلويين أو الشيعة أو الفلسطينيين، بل حقيقة أنّ هذه الجمل تُقال اليوم. بعد عقود من الصمت، خرجت رواية كانت ستُعد في زمن آخر تجاوزاً للخطوطِ الحمراء. هنا تكمن قيمة الحلقات، وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق التوقف عنده.

لو خرج جنبلاط في تسعينيات القرن الماضي، أو حتى بعدَ اغتيال رفيق الحريري بسنوات قليلة ليتحدث بهذهِ اللغة عن طريقة إدارة النظام السوري للبنان، لكان وقع كلامه مختلفاً تماماً. لم تكن المشكلة يومها في المعلومات وحدها، بل في ميزان القوة الذي يحدد ما يمكن قوله وما يجب أن يبقى خارج التداول. لم يكن الخوف يقتصر على السياسيين، بل كان يطال الصحافي، الباحث، الناشر وكل من يقترب من ملفات بقيت لعقود محاطة بالصمت.

لهذا، لا تبدو الحلقات مجرد استعادة للماضي. إنما هي لحظة تتراجع فيها سلطة الرواية الرسمية، ويظهر الشهود ليقدم كل منهم نسخته عن زمن طويل. وليس مصادفة أن يحدث ذلك بعد التحولات العميقة التي شهدتها سوريا والمنطقة. فحين تتغير موازين القوة، لا تتغير السياسة وحدها إنما تتغير أيضاً طريقة قراءة التاريخ. فمن الخطأ اختزال شهادة جنبلاط في أنها هجوم متأخر على حافظ الأسد، أو محاولة لتصفية حساب مع مرحلة مضت. الأهم من ذلك أنّ الرجل يقدم تفسيراً لكيفية عمل السلطة في منطقة المشرق. طوال الحلقات، تتكرر أسماء الطوائف والجماعات، الدروز، العلويين، الشيعة، السنة، الفلسطينيين.

للوهلة الأولى يبدو أنّ الحديث يدور حول الهويات. لكن عند التمعن جيداً يتضح أنّ الهوية ليست موضوعه الأساسي، بل الطريقة التي تتحول فيها الهويات إلى أدوات في إدارة السلطة. وهذه نقطة تستحق التأمل لأنّ جنبلاط في شهادته، لا يتعامل مع الطوائف باعتبارها مشكلة بحد ذاتها بل باعتبارها المادة التي بنت عليها الأنظمة توازناتها. السلطة في هذا التصور لا تلغي الانقسامات بل تديرها. لا تسعى إلى إنهاء التنافس بين الجماعات بل إلى بقائه ضمن حدود تجعل الجميع بحاجة إلى الوسيط الذي يملكُ القدرة على الضبط. وهنا لا يعود السؤال: من هو الأقوى؟ بل من هو الذي يملك مفاتيح العلاقة بين الجميع؟

هذا لا يعني أنّ كل ما يورده جنبلاط حقيقة نهائية. فهو يقدم شهادة شخصية عن مرحلة كان هو أحد أبرز لاعبيها، ومن الطبيعي أن تحمل شهادته زاويته الخاصة، وأن تخضع للنقاش والمراجعة والمقارنة مع شهادات أخرى. لكن قيمة الشهادة لا تنحصر في تفاصيلها، بل في أنها تعيد فتحَ نقاش كان مؤجلاً، وربما ممنوعاً حول طبيعة السلطة السورية ودورها في لبنان. وفي هذا السياق، يلفت النظر أنّ حافظ الأسد يظهر في رواية جنبلاط أقل بوصفهِ رئيساً وأكثر بوصفهِ مهندساً لمنظومة حكم.

ليست القضية في هذه القراءة أنه كان يفضّل جماعة على أخرى، بل أنهُ عرف كيف يدير شبكة معقدة من المصالح والهواجس والتحالفات. قد يختلف الباحثون في توصيف هذه السياسة أو في تقييم نتائجها، لكنّ السؤال الذي تطرحه الحلقات يبقى قائماً: هل كانت الطوائف بالنسبة إلى النظام غاية، أم وسيلة لإدارة المجال السياسي؟

وربما لهذا السبب أيضاً لا تبدو شهادة جنبلاط محصورة بالماضي. فهي تطرح من حيث لا تقول مباشرةً، سؤالاً عن الحاضر! هل خرجت المنطقة فعلاً من منطق إدارة السياسة عبر الهويات؟ أم أننا ما زلنا نعيد إنتاجَ الآليات نفسها بأسماءٍ مختلفة؟ وهل يكفي سقوط نظام أو تغير موازين القوى كي تتغير البنية التي حكمت العلاقات بين الدولة والمجتمع لعقود؟

وهناك جانب آخر للحقيقة لا يقلّ أهمية. وليد جنبلاط، الذي عرفه اللبنانيون لاعباً أساسياً في صناعة الأحداث، يظهر في هذه الحلقات بصورة مختلفة. لم يعد يتحدث بصفته زعيماً يخوض معركة سياسية آنية، بل بصفته شاهداً يريد أن يترك روايته قبل أن يكتبها الآخرون. هذه نقلة تستحق الانتباه لأنّ السياسي عندما يتقدّم به العمر وتبتعد عنه المعارك اليومية، يبدأ غالباً بالانشغال بما سيبقى منه في الذاكرة العامة. فهو هنا لا يدافع عن قرار واحد، بل عن تفسير لحقبة كاملة.

من يكتب تاريخ العلاقة السورية اللبنانية بعد انقضاء مرحلة الوصاية؟ هل يكتبه السياسيون الذين عاشوها؟ أم الباحثون الذين سيقرؤون الوثائق لاحقاً؟ أم الضحايا؟ أم الأجهزة التي ستفتح أرشيفها يوماً؟ لا أحد يملك جواباً حاسماً، لكنّ الواضح أنّ احتكار الرواية لم يعد ممكناً كما كان. قد تأتي شهادات أخرى تنقض رواية جنبلاط، وقد تؤيد أجزاء منها، وقد تكشف تفاصيل لم تُعرف بعد. وهذا ما يحدث عادة عندما يخرج التاريخ من قبضة السلطة إلى مساحة النقاش العام. لذلك، قد لا تكون القيمة الأساسية لهذه الحلقات في أنها قدمت الرواية الأخيرة، بل في أنها كسرت حاجزاً ظل قائماً سنوات طويلة. فهل أصبحنا أكثر استعداداً لمراجعة تاريخنا لأننا تحررنا من الخوف، أم لأنّ الظروف السياسية فقط هي التي تغيرت؟ وبين الاحتمالين مساحة واسعة للتفكير، وربما تكون تلك المساحة هي الإرثُ الحقيقي الذي تتركه لنا شهادة وليد جنبلاط.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى