قبل أن يصبح التصفيق هتافاً: الجمهور السوري الذي سبق الثورة

سالي علي

قبل سنوات، قرأت في إحدى الصحف شهادةً لم تغادر ذاكرتي. كان كاتبها يستعيد حفلات زياد الرحباني في دمشق، قبل أن يتوقف عند حكاية فتاة حضرت إحدى تلك الأمسيات في قلعة دمشق، تصفق وتغني مع آلاف السوريين، ثم انتهى بها الأمر بعد سنوات قليلة معتقلة أمام الجامع الأموي مع بدايات الثورة السوريّة. لا أعرف اسمها، ولا أعرف إن كانت خرجت من المعتقل أو ما زالت عالقة في غيابه، لكنني أعرف أنّ قصتها، سواء كانت حكاية شخص واحد أو اختصاراً لجيل كامل، بقيت تطاردني كلما عاد اسم زياد الرحباني إلى الواجهة. ليسَ لأنها تعيدني إلى فنان كبير، بل لأنها تعيدني إلى جمهور كامل، سبقَ الثورة ثم صار جزءاً منها.

لهذا، اليوم لا أستعيد زياد الرحباني بوصفهِ موضوعاً للمقال، ولا أريد حتى الدخول في السجال الطويل حول مواقفه السياسية كون ما يشغلني هو ذلك الجمهور السوري الذي احتشدَ بصيف عام 2009 داخل قلعةِ دمشق، والذي بدا من بعيد كأنهُ جاء ليستمع إلى موسيقى، فيما كان يبحث من حيث لا يدري عن مساحة يتشارك فيها لغةً واحدة، وسخريةً واحدة وحلماً واحداً. بعد أقلّ من عامين كان الكثير من الوجوه ذاتها في مكانٍ آخر. تبدّل المسرح، وتبدلت اللغة، لكن السؤال نفسه بقي : كيف استطاع جمهور اجتمع يوماً حول الفن أن يصبح بعد وقتٍ قصير جمهوراً للحرية؟

كنت يومها أنتظر نتيجة الثانوية العامة. هربت مع مجموعة من الأصدقاء إلى دمشق لحضور حفل زياد، كأنّ النتيجة تستطيع أن تنتظر، بينما تلك الليلة لا. ما زلت أذكر الطريق المؤدي إلى القلعة وهو يكاد يتوقف من ازدحام الباصات والسيارات الآتية من مدن سورية مختلفة. لم يكن الوصول سهلاً، لكن أحداً لم يكن مستعداً للتراجع. وحين دخلنا المدرجات، لم أشعر أنني وسط جمهور جاء ليستمع إلى حفلة موسيقية. كان في المكان ما يشبه موعداً جماعياً مع فكرة، أكثر منه مع فنان. كانت الوجوه متحمسة على نحوٍ يصعبُ تفسيره بالموسيقى وحدها، واللمعة في العيون كانت أكبر من فرح أمسية صيفية. يومها، التقيت زياد الرحباني للمرة الأولى، لا مصافحةً ولا حديثاً، بل كما يلتقي المرء بفكرة كانت تسكنه قبل أن يراها. التقيته في صوته، وفي كلماته، وفي الموسيقيين الذين أحاطوا به، وفي ذلك الجمهور الذي بدا من دون أن يدري، كأنهُ يعثر على نفسه وهو يصفق لرجل يقف على المسرح.

لم يكن السوريون يحبون زياد الرحباني لأنه ابن فيروز، ولا لكونهِ موسيقي استثنائي فحسب، بل لأنهم وجدوا فيه لغة سياسية وثقافية كانت تسبق زمنها، وكانت تمنحهم ولو لساعتين، شعوراً نادراً بأنهم مجتمعون حولَ شيء يشبه الوطن وأكبر من الفن قليلاً. لم يكن جمهور زياد في سوريا يشبه جمهور الحفلات بالمعنى التقليدي. لم يأتِ الناس ليستمعوا إلى أغنيات يحفظونها فحسب، بل إلى لغة كانت تشبههم. فكان يسخر من السلطة من دون شعارات، ويكشف تناقضات المجتمع العربي من دون ادعاء البطولة، ويحوّل السياسة إلى جزء من الحياة اليومية، لا إلى خطابة ثقيلة. لذا كان السوريون يحفظون جُمله كما يحفظون مقطوعاته الموسيقية، ويضحكون في اللحظة نفسها التي كانوا يدركون فيها مرارة ما يقوله. لم يكن ذلك الضحك ترفيهاً، بل طريقة لفهم العالم. وربما لهذا السبب أيضاً، لم يكن اجتماع آلاف السوريين في قلعة دمشق حدثاً فنياً خالصاً. بل كان ومن دون أن يقصد أحد تدريباً مبكراً على الاجتماع حول معنىً مشترك، وعلى الإحساس بأنّ ثمة شيئاً ما يجمع غرباء لا يعرف بعضهم بعضاً، سوى أنهم يتشاركون الحساسية نفسها تجاهَ الظالم والظلم، والسخرية نفسها من القبح والقمح؛ والإيمان نفسهُ بأنّ الثقافة يمكن أن تكون شكلاً من أشكالِ المقاومة، حتى ولو لم  ترفع أيّ شعار.

بعدَ أقل من عامين، تغيّر كل شيء. لم تعد المدرجات هي المكان الذي يجتمع فيه السوريون، بل الشوارع والساحات. وحين أستعيد تلك الليلة اليوم، لا يخطر لي أنّ الذين خرجوا يهتفون للحرية كانوا قد خرجوا إليها من حفلة موسيقية، فالتاريخ لا يُكتب بهذه البساطة، ولا تصنع الثورات أغنية أو مسرحية. لكنني أفكر في شيء آخر. أفكر في أن كثيرين ممن ملأوا مدرجات قلعة دمشق، وجلسوا كتفاً إلى كتف من دون أن يسأل أحدهم الآخر عن طائفته أو مدينته أو انتمائه، كانوا بعد وقت قصير يقفون بالطريقة نفسها في الساحات. لم يكن ما جمعهم اسم زياد الرحباني وحده، بل تلك الحاجة العميقة إلى مساحة عامة يشعر فيها السوري أنهُ فرد بين أفراد، لا مجرد رعية في دولة. في القلعة، كانوا يتشاركون الضحك على جملة سياسية، والتصفيق لمقطوعة موسيقية، والإحساس النادر بأنهم ينتمون إلى لحظة واحدة. وفي الشارع، تبدّل كل شيء إلاّ هذا الإحساس. تبدّل المسرح، وتبدلت اللغة، وارتفع ثمن الاجتماع إلى حدٍّ لا يُحتمل، لكنّ الرغبة في أن يكون السوريون معاً، ولو للحظة، بقيت هي نفسها. لذلك لا أستطيع أن أتذكر جمهور زياد في دمشق بوصفه مجرد جمهور لفنان. أراه اليوم آخر صورة مكتملة لجمهور سوري، قبل أن يصبح لكل واحد من أفراده قصة نجاة مختلفة.

اليوم ومع اقتراب ذكرى رحيلهِ كجسد؛ لا أجد نفسي أبحث عن إجابة حول إرث فنان أو عن مكانته في تاريخ الموسيقى العربية. ما يعود إليّ أكثر هو صورة ذلك الجمهور. آلاف الأشخاص الذين وقفوا في قلعة دمشق ذات صيف قبل أن تتفرق بهم الطرق، ويصبح لكل واحد منهم وطن مفقود أو مدينة بعيدة أو ذاكرة يحملها وحده. ربما كانت خسارتنا الكبرى ليست فقط في غياب الأصوات التي أحببناها، بل في غيابِ المساحات التي كانت تجمعنا. في تلك القدرة البسيطة على أن نقف جنباً إلى جنب، نختلف ونضحك ونغني، من دون أن تتحول الاختلافات إلى جدران. لذلك، حين تعود جملة زياد: “وبالنسبة لبكرا شو؟”، فإنها لا تبدو اليوم كسؤال أغنية فقط. تبدو كسؤال سوري ما زال مفتوحاً. هل نستطيع أن نستعيد ذلك الجمهور؟ هل نستطيع أن نجد مساحة جديدة تجمع الذين فرقتهم السنوات؟ ربما لسنا بحاجة إلى زياد جديد بقدر حاجتنا إلى تلك اللحظة التي كان يمثلها جمهوره: لحظة يلتقي فيها الناس قبل أن تنقسم هوياتهم، وقبل أن تصبح الذاكرة ساحة صراع. فربما يكون السؤال الحقيقي الذي تركته لنا تلك الليلة في قلعة دمشق ليس ماذا سيحدث لبكرا، بل: هل نستطيع نحن السوريين أن نصنعَ جمهوراً جديداً لبكرا؟

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى