
تعيش محافظة السويداء أزمة معقدة بعدما تحوّل ملف المياه من أزمة مرتبطة بشح الموارد وضعف البنية التحتية إلى قضية تتداخل فيها اتهامات الفساد و”الجباية” غير القانونية، وسط تصاعد الاحتقان بين السكان ومؤسسة المياه وبعض المجموعات المسلحة والقوى المحلية التي تتدخل في إدارة الملف الخدمي.
وخلال الأيام الماضية، تصاعد التوتر في المحافظة عقب تعرض مبنى مؤسسة المياه لإطلاق نار واعتداءات متكررة، ما دفعها إلى تعليق العمل في جميع المديريات والمحطات والورشات الفنية لتتراجع لاحقاً عن القرار وتستأنف عملها ، في خطوة عكست حجم الانهيار الأمني والإداري الذي بات يهدد استمرارية الخدمات الأساسية في المحافظة.
وعلى خلفية الاعتداءات التي طالت المؤسسة، تتحدث شهادات الأهالي عن حالة غضب متراكمة نتيجة ما وصفوه بـ”الابتزاز المنظم” الذي يمارسه بعض المتنفذين المحليين، عبر فرض مبالغ مالية على السكان مقابل إيصال المياه والخدمات إلى منازلهم، في ظل غياب أي رقابة فعلية أو محاسبة.
ويقول سكان في أحياء مختلفة من مدينة السويداء تحدث إليهم موقع تلفزيون سوريا، إن الحصول على المياه بات مرتبطاً بالقدرة على الدفع أو وجود علاقات مع القائمين على الشبكات، أو الجهات المسلحة في السويداء.
ويؤكد عدد منهم أن مبالغ طُلبت بشكل مباشر من الأهالي بعد أحداث تموز الماضي، وصلت إلى ملايين الليرات تحت ذرائع مختلفة، بينها إصلاح الخطوط أو تشغيل الآبار أو إعادة تأهيل الشبكات، بينما لم يلمس السكان أي تحسن في واقع المياه.
4 ملايين ليرة سورية مقابل فتح المياه
وبحسب شهادات متقاطعة من السكان، طُلب من أهالي شارع مشفى العناية دفع أربعة ملايين ليرة مقابل فتح المياه إلى الحي، بينما قال سكان في شارع الخزانات قرب فرن الصحة إنهم أُجبروا على دفع 25 ألف ليرة عن كل منزل وعن كل دورة مياه، رغم أن المياه لم تصل إليهم سوى مرتين فقط منذ شهر تموز الماضي.
ويدفع السكان المال لكل من مجالس الإدارة في القرى، وصناديق كانت تتبع لما تسمى بـ “اللجنة القانونية العليا”، التي استُبدلت لاحقاً بـ “مجلس إدارة السويداء”، بعد تظاهرات خرجت في ساحة الكرامة ضد “اللجنة القانونية العليا”.
وفي حي برج الزيتون، يروي أحد السكان، لموقع “تلفزيون سوريا”، أن المياه لم تصل إلى الحي سوى مرتين خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت الأحداث في تموز، موضحاً أن المرة الثانية كانت “مثل الخيط” ولم تكفِ إلا لجزء من الحي، بينما بقيت المنازل الأخرى دون مياه رغم المناشدات المتكررة.
ويضيف: “قالوا لنا إن الخطوط تحتاج إلى إصلاح، وطُلب من كل منزل دفع عشرة آلاف ليرة، دفعنا المبلغ لكن المياه لم تصل، بينما كانت تصل بشكل طبيعي إلى المناطق التي يسكنها أشخاص متنفذون بالمحافظة”.
وتكررت روايات مشابهة في أحياء أخرى، حيث يقول الأهالي إن بعض العاملين والجهات التي تدير المحافظة يستغلون كل مشروع صيانة أو حفر بئر أو إصلاح شبكة لفرض جبايات جديدة على السكان، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات من أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة وارتفاع تكاليف شراء المياه عبر الصهاريج الخاصة.
وفي رسالة احتجاج وجهها سكان أحد الأحياء في مدينة شهبا إلى مؤسسة المياه، قالوا إنهم لم يحصلوا على المياه منذ أكثر من شهرين، رغم وفرة الأمطار هذا العام، مضيفين أن المؤسسة كانت تبرر الانقطاع مرة بعدم وجود مازوت لتشغيل الآبار، ومرة بانقطاع الكهرباء أو تعطل المضخات، بينما تصل المياه بشكل منتظم إلى أحياء أخرى داخل المدينة.
وأكد السكان أنهم باتوا عاجزين عن تحمّل تكاليف شراء الصهاريج في ظل التدهور المعيشي، متسائلين عن أسباب “التمييز” بين الأحياء في توزيع المياه، وعن الجهات التي تتحكم فعلياً بالشبكات داخل المدينة.
مؤسسة مياه السويداء تحذر من استمرار الاعتداءات
وفي المقابل، حذّر مدير مؤسسة مياه السويداء المهندس وائل الشريطي، في تصريح نقله موقع “الراصد”، من خطورة استمرار الاعتداءات على المؤسسة وكوادرها، معتبراً أن ما يجري يمثل “انتحاراً بطيئاً للسويداء”، في ظل غياب سلطة القانون وتصاعد الفوضى الأمنية.
وقال الشريطي إن المؤسسة تتعرض بشكل شبه يومي لإطلاق نار واعتداءات على العاملين، إضافة إلى عمليات سرقة تطال الآبار والمعدات الفنية وشبكات المياه، مشيراً إلى أن أحد العاملين تعرض للخطر أثناء توجهه لإجراء صيانة في أحد الآبار، بالتزامن مع تعرض مبنى المؤسسة لإطلاق نار من قبل مجموعات مسلحة.
وأكد أن العاملين يواصلون أداء مهامهم رغم ضعف الرواتب والظروف الأمنية الخطرة، داعياً المجتمع المحلي والجهات المعنية إلى حماية المنشآت المائية باعتبارها مرفقاً حيوياً لجميع السكان.
كما أشارت المؤسسة إلى أنها تعمل بالتعاون مع منظمات دولية لتحسين الوارد المائي وإعادة تشغيل آبار الثعلة، التي كانت تؤمن نحو 70 بالمئة من احتياجات مدينة السويداء قبل خروجها من الخدمة منذ منتصف تموز الماضي، الأمر الذي تسبب بتفاقم الأزمة في المدينة وريفها.
تفكك إداري وأمني في السويداء
قال أحد الناشطين المدنيين في محافظة السويداء فضل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، في حديثه لموقع “تلفزيون سوريا”، إن الاعتداء على مؤسسة المياه “يعكس أزمة تكمن في غياب الخبرة بإدارة مؤسسات الدولة وتحويل القطاعات الخدمية إلى ساحات نفوذ تتداخل فيها المصالح الشخصية والعلاقات المحلية والسلاح”.
ويضيف أن تعدد القوى المتدخلة في القرار الخدمي من “حرس وطني” و”مجلس إدارة محلي”، إضافة إلى “اللجنة القانونية العاليا سابقاً”، خلق حالة من الفوضى داخل المؤسسات، بحيث بات المواطن عاجزاً عن معرفة الجهة المسؤولة فعلياً عن إدارة المياه والملفات الخدمية الأخرى أو محاسبة المقصرين، بينما تُترك الأحياء لمزاجية بعض العاملين أو المتنفذين المحليين.
وبحسب الناشط، فإن أخطر ما في الأزمة هو “تحول الخدمة العامة إلى باب للجباية”، حيث أصبح السكان يدفعون الأموال مقابل حقوق أساسية يفترض أن تكون مكفولة للجميع.
ويشير إلى أن فرض الإتاوات مقابل فتح خطوط المياه أو إصلاح الشبكات أو تشغيل الآبار، وحتى لتقديم خدمات النظافة، تحول إلى ظاهرة متكررة أسهمت في تعميق فقدان الثقة بين الناس والجهات التي تدير محافظة السويداء.
ويرى الناشط أن جزءاً من الأزمة يعود أيضاً إلى غياب الكوادر الإدارية المؤهلة، وتراجع دور المؤسسات الرسمية مقابل صعود الأجسام المحلية المسلحة أو اللجان غير الرسمية التي تدخلت في ملفات خدمية لا تمتلك خبرة في إدارتها.
ويقول إن “إدارة مؤسسة مياه أو كهرباء ليست عملاً ثورياً أو عسكرياً، إدراة المؤسسات تحتاج إلى خبرات فنية وإدارية وقدرة على التخطيط والتنسيق مع الوزارات المركزية”.
وفي سياق متصل، ينتقد الناشط الخطابات التي تطرح فكرة الانفصال أو إقامة كيان مستقل في السويداء، معتبراً أن أزمة المياه كشفت حدود القدرة الذاتية للمحافظة على إدارة القطاعات الحيوية بمعزل عن الدولة المركزية.
ويقول: “هناك من يتحدث عن إقامة دولة مستقلة أو إدارة منفصلة، لكن التجربة اليومية تثبت العكس تماماً، السويداء اليوم تعاني لتأمين المياه والوقود والكهرباء، وهذه القطاعات مرتبطة بشكل مباشر بالمركز في دمشق، سواء عبر التمويل أو الإمداد أو البنية التقنية”.
ويشرح أن مؤسسة المياه تعتمد بشكل أساسي على المحروقات والكهرباء ومواد الصيانة التي تأتي من الحكومة المركزية، إضافة إلى الحاجة إلى التنسيق مع الوزارات والجهات الدولية المانحة، مؤكداً أن أي حديث عن إدارة مستقلة دون وجود بنية اقتصادية وخدمية متماسكة “يبقى أقرب إلى الشعارات السياسية منه إلى الواقع العملي”.
“اللجنة القانونية العليا كانت كارثة على السويداء“
ويشير إلى أن الأزمة الحالية أعادت فتح ملف “اللجنة القانونية العليا سابقاً” التي وصفها بأنها كانت “كارثة على محافظة السويداء” وغيرها من الجهات المحلية التي تُتهم بفرض إتاوات ورسوم غير رسمية على السكان تحت ذرائع مختلفة، معتبراً أن كثيراً من الأهالي يشعرون اليوم بأن أساليب الجباية تغيّرت أشكالها فقط، بينما بقيت النتيجة واحدة، وهي “تحميل السكان أعباء إضافية في ظل غياب الدولة والقانون”.
ويضيف: “الناس في السويداء وصلت إلى مرحلة إنهاك حقيقية، نتيجة ضعف إدراة الخدمات والإتاوات غير المعلنة، وفي النهاية يعيشون دون خدمات مستقرة”.
ويحذر الناشط من أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي أوسع، خاصة مع تنامي الشعور بأن إدارة الملف الخدمي أصبحت خاضعة للمحسوبيات والقوة المسلحة بدلاً من القانون والمعايير المهنية.
المصدر: تلفزيون سوريا






