
ما من أحدٍ حملَ العراقَ همّاً مثلما حمله عوني القلمجي.
كلنا كان يمكن أن يجدَ مشاغلَ أخرى في الحياة. إلا القلمجي. كان العراقُ همّه الوحيد، وشاغله الخلاص. ولئن حاقتْ به وبنا وبالعراق كل رزايا الأقدار، وبؤسها، ومراراتها، فقد ظل مؤمنا بأن للعراقِ مستقبلاً آخر. ذهبتْ أنظمةٌ وحلّ غيرها، على طولِ المسافةِ من منعطف الرابع عشر من تموز الى منعطف الغزاة، وظل التفاؤلُ حاديه الى يومٍ آخرَ للحرية. يصحو على أملٍ، وينامُ وهو يحلمُ بعراقه هو، وكأنه يريدُ أن يصنعه بنفسه.
لو قلتَ إن القلمجي كان حزبا بمفرده، لقلّلت من شأنه. لأنه جمعٌ الجموعِ بين الأحرار في هذا العراق. ولأن شخصياتٍ من مختلف الأحزاب تضعُ ثقتها به. ولأنه كان يعرف كيف يُمسكُ بالمشترك الوطني بين الجميع، فلا تعلو بين يديه خلافات، وتصغر حيال كُبرِ العراق التناحرات. تلك التناحرات التي ظلت تقودنا من مأساة الى مأساة، دون أن ندري أن العراق إما أن يكون، مثله، جمعا للجموع، أو أن ينتحر، مثلما ينتحر الآن.
رجلٌ كان مثلَ القاسم المشترك الأعظم، الذي لا يختلفُ فيه أحد. له بين الكبائر كبائر، ولغيره التفاصيل والصغائر.
وحده كان “حركة وطنية”، شعلةً تنيرُ للجميع طريقا الى الحرية.
صادقٌ، نزيهٌ ومستقيم. تلك صفاتٌ لم يكتسبها عرضا. ظنّي أنها وُلدت معه. وظنّي أن وسمها من وسمه. فإذا أردت دليلاً عليها في الحديث عن العراق، فلا حاجة أن تذهب بعيدا: أسال عوني القلمجي، ليأتيك الجوابُ الذي ما من بعده جواب.
رجلٌ يصح أن تحبه، فتحب نفسك لأنك، ساعتها، سوف تعيد اكتشاف العراق.
لا يريدُ لنفسه شيئا. ولا تزيده المفاخرات فخرا.
يوما ما توافقنا على عملٍ، في دار عميدٍ للمحبة والتضحيات، ضرغام الدباغ، فاختار أن يورطني به، لكي لا يأخذ من المسعى إلا جذوة الأمل. فشلتُ، وآثرتُ الانزواء، ولم ييأس. وظل يطاردُ الممكنات.
تارةً بما يكتب، وأخرى بما يُجريه من أحاديث واتصالات.
غاب عوني القلمجي، وما يزال العراقُ غارقاً بالمأساة.
تركَ خلفه جذوةَ الأمل، لعلَ عراقيا مثله يحملُ الهمّ عنه. لعل بين الأحرار من يعود ليعثر على عونٍ مثله لكي يُعيننا على عراقِ المشقةِ والعذاب.
غاب القلمجي، كما يغيبُ ابن بار، مجبولٌ بالعراق. أو بلغة العشق، “مجبورٌ” بالعراق.
ويا ليتَ عراقهُ يأتي مثلما كان يريدُ أن يراه.
ولكنْ، نمْ هانئا يا عوني. ما نامت الحريةُ في قلوب الأحرار. ولا نام الخلاص.






