على أبواب سؤال الهوية

أحمد مظهر سعدو

في وقت تشهد فيه سورية تغيرات سياسية وثقافية وحضارية كبرى وعلى جميع الأصعدة، وينهض السوريون باقتدار وإدراك ووعي على أنقاض ووقع حقب وفترات زمنية طويلة كانت قد أثقلتها حالات كثيرة من سياسات عقود الاستبداد والقمع، وإلغاء السياسة من المجتمع السوري، وكذلك تغيير الملمح الثقافي والحضاري للوطن السوري. ضمن هذه السياقات وعلى هدي العديد من الاندفاعات والمعطيات كان لابد من التفكير مليًا وعقلانيًا في إمكانية الاشتغال على صياغة جديدة للهوية الثقافية والحضارية للسوريين، ومن ثم الغوص عميقًا في منحنيات التغيير المنشود والمحتمل، وأيضًا الممكن، إذ أنه لا يمكن المضي قدمًا في مسارات التغيير، والولوج فيها وعبرها، دون امتلاك أدوات هوية ثقافية جديدة لسورية التي لابد هذه المرة أن تتسم بالنضج والوعي المطابق، والتي سوف تعبر عن جموع الشعب السوري بكل تموضعات وحالات الأثنيات والطوائف وكذلك الأيديولوجيات المتوفرة بكثرة في الحالة السورية بشموليتها .

لعله من المنطقي أن نقول اليوم أنه لا يمكن الخوض في هذه المسألة الحساسة دون الاعتماد على اشتغالات جمة وواعية ومدركة لما تفعل، عبر الاهتمام والإسهام أولًا  وقبل كل شيء في حماية وصون التراث الثقافي الواسع والعميق، الذي كانت قد بنته ثم ورثته لنا أجيال سورية سبقتنا من نماذج نخبوية وعميقة في تفكيرها من السوريين الوطنيين المنتمين إلى عروبتهم وإسلامهم الحضاري السمح والمعتدل، والمتطلع دائمًا نحو ازدهار معرفي طال انتظاره، بعد أن جرت مياه كثيرة تحت الجسر (كما يقال) وبعد أن نالت السوريين الكثير من حالات الحيف والمعوقات، وعمليات التشويه التي لم تترك حجرًا ولا إرثًا معرفيًا أو ثقافيًا  إلا وساهمت (بكل أسف )في سرقته أو تشويهه، وتغييبه في كثير من الأحيان والحالات .

إن عملية بناء الهوية الثقافية الجديدة للسوريين في هذه اللحظة الزمنية المتغيرة من تاريخ سورية وحاضرها، تنبع بداية من ضرورتها أولًا لعملية البناء المزمعة، وكذلك من أجل العمل على توحيد كل السوريين، وصولًا عمليًا إلى إمكانية واقعية لابد منها في صياغة وبناء ذاك العقد الاجتماعي السوري الواحد والموحد، والقادر على تجاوز كل حالات التشظي والتفتت والتذرر ما قبل وطنية التي حاول البعض الاتكاء عليها، حتى لا يكون هناك أي وحدة او قوة أو أي تماسك جدي للسوريين. العقد الاجتماعي السوري الجامع والواحد بات ضرورة منجدلة كليًا مع حالات البناء والنهوض، وإعادة صياغة الهوية الوطنية السورية، هذه الهوية التي لا يجب أن تتخطى كليًا الهويات الفرعية الما قبل وطنية، بل عليها أن تستوعبها ثم تهضمها بحق، ضمن مسارات بنائها الوطني المشتغل عليه  لهويتها الجديدة، وهي مسألة من الضرورة بمكان، وليس ذلك صعبًا على طول المدى، عندما ندرك ونعي كسوريين مآلات بناء الوطن  وإيجابيات أن نبني هوية حضارية ثقافية لا تستثني أحدًا ولا جماعة، ولا عرقًا ، بل تسهم في ردم الهوة بين بعض الجماعات منعًا لانشقاق شاقولي أكثر خطورة،  ونعيد بناء العلاقات المجتمعية والسياسية على أسس موضوعية واعية وعاقلة تدخل جوانية المعطى الحضاري وأيضًا المصلحة الوطنية للجميع.

ضمن مسارات الاسترداد والبناء تكمن مسألة غاية في العقلانية لابد من التوقف عندها ومعها وهي أهمية التزاوج المعرفي بين النقل والعقل وضرورة الاستفادة من كل حالات الإرث الحضاري لكل أبناء وجماعات وأثنيات الوطن السوري، حتى نتمكن من استيعاب مزدوج لكل الحالات، ومن ثم الاعتراف عقلانيًا ووعيويًا بكل الخصوصيات الوطنية، دون الابتعاد كثيرًا عن احتمالات النزاع أو الشقاق التي كانت ومازالت من حيثيات الانتقال أي انتقال سواء كان سياسيًا أو حضاريًا ثقافيًا أم اقتصاديًا مجتمعيًا أو أسرويًا.

لذلك فإن الوعي المطابق وعدم القطيعة مع التراث السوري، الإثني أو العرقي، واستيعاب الكل المتكامل سوف يساهم عاجلًا أو آجلًا في إعادة البناء للهوية، ويعيد إنتاج الواقع السوري على هدي ومنهج علمي غير متشدد، وواعي لكل خصوصيات الواقع السوري.

الهوية الوطنية السورية الآن باتت سؤالًا مطروحًا بحق ولا يمكن القفز فوقه بل لابد حثيثًا من العمل على إنجاز صياغتها المعرفية التي تدرك الماهية، ولا تتجاوز على الضرورات وتغوص عميقًا في الأساسات البنيوية المعرفية، ولا تضع لنفسها أي تابوات، ولا تدخل في بوتقات شوفينية، بل تتجاوز كل ذلك، عبر سياقات وعيوية ترفض أن يُفرض عليها أي شيء من علٍ. بل تدرك أن الحوار والحوار وحده الثقافي والمعرفي السياسي والاجتماعي، ودوام هذا الحوار، سينتج بالضرورة مع الوقت، ومع استمرار مسيرة الحوار، ما هو متقدم وما هو أفضل استوعبنا ذلك أم لم نستوعبه، وعينا ذلك أم لم نعيه، أدركنا ذلك أم لم ندركه.

الهوية اليوم هي السؤال المطروح الذي لابد من الاشتغال عليه، ضمن كل الابعاد التي تفترض التغيير، وإعادة الصياغة، والتوحد عليها، وطنيًا وثقافيًا، معرفيًا وسياسيًا. وقبل كل ذلك حضاريًا وتراثيًا. فهل يمكن ذلك ضمن واقعنا المتغير آنيًا؟ يمكن القول إن هذا هو الضرورة بذاتها، وهو من الصعوبة بمكان، لكنه ليس مستحيلًا، ومن يبدأ بكلمة سينتهي في جملة كلمات، ومن ثم عقدًا معرفيًا حضاريًا جامعًا لكل السوريين.

المصدر: مجلة (الشام)

العدد الأول الصادر عن وزارة الثقافة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى