
سارع رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش إلى استعراض حصيلة فريقه الحكومي مبكراً، في خطوة سياسية بامتياز لا تخلو من ملامح الهروب إلى الأمام. فهذا الاستعجال غير المبرّر يثير تساؤلاً جوهرياً عن الدوافع الحقيقية وراء هرولة الحكومة لكشف حسابها قبل الأوان؛ ففي هذا الاستباق الزمني محاولة يائسة لتسويق منجزات على الورق، وإسدال الستار على شعار “الدولة الاجتماعية” الذي يفتقده المغاربة في معيشهم اليومي.
أتقن الملياردير عزيز أخنوش اللعب على وتر الاستعراض الرقمي، مستنداً إلى خلفيته رجل أعمال، حيث قدّم أداء حكومته التي وصفها “حكومة الإنجازات”، مستدلاً على هذا بغزارة الإنتاج التشريعي الذي فاق 840 نصّاً قانونيّاً وتنظيميّاً، والسخاء الحكومي في توزيع الدعم (20 مليار درهم لدعم الفلاحين فقط)، ورفع ميزانية الصحة إلى 42 مليار درهم، وتخصيص 17 مليار درهم لزيادة أجور رجال التعليم ونسائه… لكن توظيف الأرقام التي راهن عليها لرسم صورة وردية عن إنجازات حكومته، اتسم بالانتقائية، وفي أحيانٍ كثيرة، بالمغالطة.
ورقة رابحة أحسنت المعارضة توظيفها بذكاء، بتأكيدها أن “الدولة الاجتماعية” المزعومة لم تجد طريقها إلى جيوب المواطنين، ولم تنعكس على مستوى معيشهم اليومي. وذكّرت الحكومة، في السياق نفسه، بفشلها الذريع في الوفاء بالوعود المسطّرة في برنامجها، وفي مقدمتها إحداث مليون منصب شغل، ورفع نسبة تشغيل النساء إلى 30٪، ما اضطرّ رئيس الحكومة إلى تقديم معطيات مضللة، واستغلال إحصائيات الحكومة السابقة في محاولة لتجميل الواقع المرير والتغطية على الإخفاقات في قطاعات حيوية رُصدت لها مليارات الدراهم مثل التعليم؛ حيث يستمر نزيف الهدر المدرسي الذي يطاول 300 ألف تلميذ سنويا.
معطيات مضللة، واستغلال إحصائيات الحكومة السابقة في محاولة لتجميل الواقع المرير والتغطية على الإخفاقات في قطاعات حيوية
انتفض أنصار “حكومة الكفاءات” وأصواتهم في الصحافة والإعلام، ضد انتقادات المعارضة للحكومة، معتبرين أنها غير بنّاءة؛ واضعين إياها في خانة المزايدات الانتخابية المبكّرة استعداداً لاقتراع سبتمبر المقبل. في المقابل، فضّلوا الصمت في مواجهة تقرير البنك الدولي، تم إعداده بتعاون وثيق مع الحكومة، بعنوان “المغرب: تسلق الأطلس.. النمو وفرص العمل من أجل مغرب مزدهر” (إبريل/ نسيان 2026) الذي اختصر الأعطاب الهيكلية للاقتصاد بالمملكة في معادلة “نمو من دون تنمية”.
يسجل التقرير أن مفاعيل الإصلاحات المعتمدة اقتصرت على تأمين استقرار نسبي في المؤشّرات، من دون أن تمتد إلى معالجة المعضلات البنيوية الكامنة، من قبيل ضعف الإنتاجية ومحدودية فرص الشغل. فرغم المسار التصاعدي المستمر للاقتصاد منذ عام 2000، إلا أنه لم يخلق سوى 215 ألف منصب شغل في المتوسّط سنويا، وهو معدّل دون العتبة اللازمة للحفاظ على استقرار معدل التشغيل الاستيعابي لتزايد السكان في سن العمل، ففي وقتٍ سجل حجم السكان النشطين نمواً قياسيا بنسبة 47%، لم ترتفع فئة المشتغلين الفعليين سوى بنسبة 20.7%، ما يعكس عجز النموذج عن مواكبة الدينامية السكانية.
مخاطر محدقة بالطفرة الاستثمارية المرتبطة بالاستعداد لمونديال 2030
بعيدا عن منطق الاستعراض، وضع التقرير بنية الاقتصاد المغربي تحت مبضع التشريح، بتأكيده أن تركيبة الاستثمار الراهنة تساهم في تكريس القصور الهيكلي، فالقطاع العام لا يزال يستأثر بنحو ثلثي إجمالي الاستثمارات، الأمر الذي يحد من بروز فاعلين خواص أقوياء، في ظل بقاء الدولة فاعلا مهمينا على عدد من القطاعات الحيوية. وعلى مستوى النسيج الاقتصادي، كشف التقرير عن مفارقة لافتة ترتبط بوجود قاعدة عريضة من المقاولات (363 ألف شركة)، بيد أنها عاجزة عن إيجاد دينامية حقيقية لتوليد فرص الشغل، فضلا عن أن الشركات الكبرى أقل إنتاجية من نظيرتها الصغيرة، في وضعية معكوسة تماما لما هو سائد في الاقتصاديات المتقدمة.
لم تكد الحكومة تستفيق من صدمة تقرير البنك الدولي، الذي اختزل الأعطاب في ثلاثية: “النمو بلا وظائف” و”معضلة مزاحمة القطاع العام للخاص” و”هدر المواهب وإقصاء النساء”، حتى جاءت القراءة الاستشرافية لصندوق النقد الدولي بشأن الطموحات الاستثمارية للمغرب في مجال البنية التحتية (2024ـ 2030)، لتقرن نجاح هذه المقامرة الاقتصادية بالقدرة على إرساء حكامة حازمة في التنفيذ تكبح هدر الموارد، والتحكّم في التكاليف حتى لا يتحوّل الطموح التنموي إلى فخ مديونيّة مزمن، تدفع الأجيال القادمة فاتورته.
يحذر التقرير بشكل صريح حكومة رجال الأعمال من المخاطر المُحدقة بالطفرة الاستثمارية المرتبطة بالاستعداد لمونديال 2030، والتي تقدر بنحو 190 مليار درهم، ما يعادل 11.9% من الناتج المحلي الإجمالي؛ فالعوائد التنموية لا تقاس بمنطق الوفرة (كم ننفق؟)، بل بمدى نجاعة الإنفاق وعقلانيّته (كيف ننفق؟). بعبارة أوضح، ينبه التقرير إلى أن الاقتصاد المغربي لم يعد بحاجة إلى الاستثمارات كيفما كانت، بل يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى هندسة قادرة على تحويل كل درهم عمومي مستثمر إلى قيمة مضافة حقيقة.
يكشف التباين الرقمي بين الدعاية الحكومية والتقارير الدولية عن فجوة اتسعت حتى استعصت على الترميم
بيد أن مكاسب هذه الوثبة الاستثمارية يجب ألا تحجب مخاطرها الكامنة، فالتقرير ينذر من كابوس تجاوز التكاليف، وهو الفخ الهيكلي الشائع عالميا في هذه المشاريع الضخمة، حيث إن أي تجاوز يتعدى عتبة 30% سيعني حتما إغراق الميزانية في مستنقع الديون دون إحداث طفرة حقيقة في معدلات النمو. المأزق الآخر الذي يثيره التقرير يكمن في تسرب الاستثمارات نحو الخارج؛ فالطبيعة التكنولوجية لهذه الأوراش (قطارات فائقة السرعة، تجهيزات المطارات…) تفرض توجيه زهاء 60% من الإنفاق الاستثماري للاستيراد، ما يجهض القيمة المضافة المحلية، ويحدّ بشكل ملحوظ من الأثر المباشر لهذه الاستثمارات على الناتج المحلي الإجمالي على المدى المنظور.
جاء تقرير البنك الدولي ليدقّ ناقوس الخطر في وجه للحكومة، مؤكدا أن مسار الاستثمار الحالي ليس سوى إعادة إنتاج للأعطاب الهيكلية التي شخصها تقرير صندوق النقد الدولي. إن عهد الاكتفاء بـ “نمو بلا تنمية” قد انطوى بلا رجعة، ما يجعل الحاجة ملحة اليوم إلى قرارات سياسية جريئة تعيد هيكلة الاقتصاد، وتستغل الاستقرار النسبي قاعدة لانطلاقة تنموية عادلة تشمل ثمارها كافة المواطنين.
يكشف التباين الرقمي بين الدعاية الحكومية والتقارير الدولية عن فجوةٍ اتسعت حتى استعصت على الترميم؛ فالمغاربة لا يعيشون في ردهات المؤشرات الورقية، ولا يتغذون على غزارة النصوص التشريعية. الخطيئة الكبرى للمقاربة الحكومية الحالية تكمن في الاستثمار في الصورة على حساب الإنسان، ولعل الدرس البليغ الذي تقدمه تقارير المؤسّسات الدولية للنخب السياسية في المغرب، أن الرفاه الاجتماعي لا يصنعه الاستعراض الرقمي ولا الاستعجال السياسي، وإنما يبدأ عندما ينعكس أثر الثروة على جيوب المواطنين، وما عدا هذا ليس سوى استمرار في بيع الوهم على رصيف الانتظار.
المصدر: العربي الجديد






