من رومية إلى الجنوب الدولة تحاول استعادة احتكار الخوف

  سالي علي

في لبنان، لا تموت الملفات الأمنية بل هي تُدفن فقط، إلى أن تهتز التوازنات الطائفية مجدداً. لهذا عاد سجن رومية اليوم إلى الواجهة في اللحظة نفسها التي يُعاد فيها رسم الجنوب بالنار والتفاوض. كأن الدولة اللبنانية، الخارجة من الحرب والانهيار تحاول أخيراً أن تستعيد شيئاً واحداً فقط، وهو حقها الطبيعي في إدارة الخوف.

الأحداث التي شهدها لبنان مؤخراً لا تبدو منفصلة عن بعضها، حتى لو ظهرت كذلك على الشاشات. تحركات أهالي الموقوفين الإسلاميين في صيدا والناعمة، التصعيد الإسرائيلي المتواصل جنوباً، الحديث المتصاعد عن ترتيبات أمنية جديدة، خطاب حزب الله المرتبك بين التهديد والتحذير، ومحاولات الدولة الظهور بمظهر الجهة الوحيدة المخوّلة إدارة الأمن والسلاح. كل ذلك ينتمي إلى قصة واحدة أكبر من الأخبار اليومية.

لبنان يعيش لحظة إعادة تعريف للشرعية أكثر مما يعيش مرحلة حل سياسي. ليست هناك تسوية فعلية بعد، ولا مشروع دولة واضح، لكن هناك محاولة بطيئة لإعادة توزيع القوة داخلَ بلد خرج من الانهيار المالي إلى هشاشة أمنية طويلة الأمد. كأنّ الدولة اللبنانية، بعد أن فقدت قدرتها على الحكم عبر الاقتصاد والخدمات تحاول اليوم العودة من الباب الوحيد الذي ما زال متاحاً لها؛ الأمن.

لهذا بدا مشهد رومية مهماً أكثر مما اعتقد كثيرون. ملف الموقوفين الإسلاميين ليس قضية حقوقية فقط، ولا ملفاً قضائياً عادياً. إنه أحد أكثر الجروح الطائفية حساسية منذُ ما بعد 2005. عشرات الشبان السنّة الذين دخلوا السجون على خلفيات مرتبطة بنهر البارد وعبرا وعرسال والحرب السورية، تحولوا مع الوقت إلى رمز لشعورٍ واسع داخل البيئة السنية بأنّ الدولة كانت حاسمة وقاسية حين تعلق الأمر بالإسلاميين السنّة، لكنها بدت أكثر التباساً أو عجزاً أمام سلاح القوى الأخرى.

قد يكون هذا الانطباع مبالغاً فيه أحياناً، لكنه موجود بقوة، والسياسة في لبنان تُبنى على الانطباعات بقدر ما تُبنى على الوقائع. لذلك لم تكن التحركات الأخيرة في صيدا مجرد تضامن مع سجناء. ما ظهر في الشارع كان أقرب إلى احتجاج متأخر على شعور طويل بالتهميش، خصوصاً بعد غياب مرجعية سنية قادرة على امتصاص هذا النوع من الغضب أو إعادة توجيهه.

في الجنوب، ظهرت نسخة أخرى من المعضلة نفسها. هناك أيضاً تحاول الدولة أن تقول إنها المرجعية الوحيدة للسلاح والقرار الأمني، لكنْ ضمن توازنات أكثر تعقيداً وخطورة. إسرائيل تضغط يومياً بالنار، والولايات المتحدة تدفع نحو ترتيبات تتجاوز فكرة الهدنة المؤقتة إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية جنوب الليطاني، بينما يجد حزبُ الله نفسه في موقع دفاعي غير مألوف. ليس دفاعاً عسكرياً فقط، بل دفاع عن شرعية دوره داخل لبنان نفسه. وأخطر ما يواجهه الحزب اليوم ليس الغارات الإسرائيلية وحدها، بل تبدل المزاج اللبناني العام بعد الحرب والانهيار. جزء كبير من اللبنانيين لم يعد يناقش سلاح الحزب من زاوية المقاومة فقط، بل من زاوية الكلفة المستمرة لدولة معلقة بينَ الحرب والعقوبات والعزلة والانهيار. حتى داخل البيئة الشيعية نفسها، يمكن ملاحظة تعب واضح من الاستنزاف المفتوح، وإن لم يتحول بعد إلى اعتراض سياسي مباشر.

ما يجمع رومية بالجنوب ليسَ الأمن فقط، بل فكرة أعمق تتعلق بحق الدولة في تنظيم الخوف. الدولة اللبنانية لا تبدو قادرة فعلياً على احتكار السلاح بالكامل، لكنها تحاول احتكار تعريف التهديد. تريد أن تكون الجهة الوحيدة التي تقرر من يصبح خطراً، ومن يُلاحق، ومن يُسمح له بالاحتفاظ بالقوة، ومن يُطلب منه التخلي عنها. لذلك تبدو المرحلة الحالية شديدة الحساسية. السنّة الذين شعروا لسنوات بأنهم دُفعوا إلى زاوية الاتهام الأمني يرون اليوم أنّ ملف سلاح حزب الله يدخل أخيراً إلى النقاش الدولي والداخلي، لكنهم لا يثقون تماماً بأنّ الدولة ستتعامل مع الجميع بالمعايير نفسها. والشيعة الذين اعتادوا النظر إلى سلاح الحزب كضمانة وجودية يشعرون بأنّ البيئة الإقليمية تتغير بسرعة، وأن ما كان ثابتاً قبل سنوات لم يعد ثابتاً الآن. أما الدولة اللبنانية نفسها، فلا تبدو قوية بما يكفي لفرض مشروع واضح. هي تتحرك كمن يحاول إعادة ترميم سلطة متآكلة عبر القضاء والأجهزة الأمنية والتفاوض الخارجي، لا عبرَ السياسة أو الاقتصاد. وهذا ما يجعل المشهد اللبناني الحالي مرتبكاً إلى هذا الحد. الجميع يشعر بأنّ مرحلة قد انتهت، لكن لا أحد يعرف شكل المرحلة التالية.

لهذا تبدو البلاد كأنها تعيش هدنة طويلة مع القلق. لا حرب شاملة ولا استقراراً فعلياً. لا تسوية نهائية ولا انهياراً كاملاً. فقط إعادة توزيع بطيئة للخوف بين الطوائف والقوى والدولة والشارع. وأخطر ما في هذه المرحلة ليس التصعيد العسكري وحده، بل احتمالية تحوّل الملفات الأمنية إلى البديل الوحيد عن السياسة. حينَ تصبح السجون والحدود والاغتيالات والهدنات المؤقتة هي اللغة الأساسية للدولة، يتحول المجتمع كله إلى مساحة انتظار ثقيلة، كأنّ اللبنانيين لم يعودوا يسألون كيف يمكن بناء بلد؟ بل كيف يمكن النجاة داخل بلد مؤجل باستمرار؟

من هنا تبدو عودة ملف رومية الآن أكثر من صدفة سياسية. إنها إشارة إلى أنّ التوازنات القديمة التي حكمت لبنان بعد الحرب السورية وبعد صعود حزب الله الإقليمي بدأت تهتز، وأنّ كل الجماعات اللبنانية تعود تدريجياً إلى سرديات خوفها الأصلية. الجنوب يخاف من الحرب، السنّة يخافون من العدالة الانتقائية، الشيعة يخافون من إعادة التحجيم، والدولة تخاف من فقدان ما تبقى من سلطتها. لذا أرى بأن لبنان لا يتجه نحو حلٍّ قريب بل ما يحصل هو أقرب بكثير إلى مفاوضة طويلة على احتكار شكلِ الخوف المقبل، وعلى الجهة التي ستحصل في النهاية على حقّ إدارته.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى