تونس: حقوق الإنسان في إجازة؟

صلاح الدين الجورشي

    

حتى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لم يقع استثناؤها من تجريف منظمات المجتمع المدني في تونس، حيث صدر قرار بغلق أقدم جمعية حقوقية في العالم العربي وأفريقيا شهراً، برّرته الحكومة بأسباب إدارية. فالرابطة مطالبة، كغيرها من المنظمات، باحترام الإجراءات في قانون الجمعيات، لكن السياق السياسي دفع الرابطيين والمهتمين بالشأن العام، في تونس وخارجها، إلى اعتبار الإجراء خطيراً ومؤشّراً على تراجع الحريات.

الأزمة أكبر من مجرّد خلاف إداري. إذ بعد المساس بجمعية النساء الديمقراطيات والمنتدى الاقتصادي والاجتماعي، والضغوط على الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى جانب أحداث أخرى لم يعد في الوُسع حصرها في مقال، يتبيّن أن السلطة ماضية في تحجيم كل الأجسام الوسيطة التي تجرؤ على معارضتها مهما كان شأنها، ومهما كانت الجهات التي تدعمها. والأمثلة لا تحصى، إذ تكفي الإشارة إلى الحكم بخمس سنوات على المحامي والناشط الحقوقي عياشي الهمامي، رغم أنه رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات والديمقراطية، إضافة إلى صفته وزيراً سابقاً لحقوق الإنسان.

اعتبر قدماء الهيئات القيادية السابقة للرابطة أن سياسة السلطة “تهدف إلى تركيع الرابطة واختراقها وتدجينها”. وأكّدوا، في بيانهم، أن هذا يندرج ضمن سياسة “التضييق على العمل المدني والسلمي، مثل المسّ من استقلال القضاء، وتكميم الصحافة الحرة، وإضعاف الأحزاب السياسية، وإنهاء التنافس الانتخابي النزيه”. ووصفوا ما يجري بـ”السياسات العبثية التي تدفع بالبلاد نحو التهلكة وستزيد من عزل تونس أفريقياً ودولياً”. وهو ما أكّدته البيانات التي ساندت الرابطة من منظمات محلية وعالمية.

يبرّر النظام سلوكه بأن لا أحد “فوق القانون”، ويتهم هذه المنظمات بالفساد، ويشكك في نزاهتها والارتباط بالخارج ضد مصلحة الوطن. وعلى هذا الأساس، يتجاهلها، ولا يلتفت إلى احتجاجاتها، ويصر على الاستمرار في تكثيف الضغوط عليها مهما كانت ردود الفعل. اختار النظام القطيعة مع النخبة بمختلف ألوانها، وهو اختيار يتجذّر يوماً بعد آخر. الرئيس لن يتراجع، ولا ينوي تغيير أسلوبه، حتى لو خالفه الجميع. ورغم أن المدافعين عنه يقلّ عددهم شيئاً فشيئاً، ومنهم من انقلبوا ضده، إلا أنه بقي ثابتاً على قناعاته، لم يتزحزح عنها قيد أنملة. فهو يرى ما لا يراه الآخرون، ويتمسّك بما لا يفهمه سامعوه. هو يعيش، كما قال عن نفسه، في كوكب آخر مختلف تماماً عن كواكب المجموعة الشمسية. أما خصومه، فقد وصفهم في برقيات صادرة أخيراً عن رئاسة الجمهورية بأنهم “مجموعة أصفار”.

في هذه الأجواء المشحونة بالقلق والحيرة، تعرّض رئيس البرلمان السابق، راشد الغنوشي، لأزمة صحية استوجبت نقله من السجن إلى المستشفى على جناح السرعة، وهو ما دفع بعائلته ومحاميه وأنصاره ومعظم النشطاء والهيئات الحقوقية إلى المطالبة بإطلاق سراحه بصفة استعجالية، خشية وقوع الأسوأ، وهو الذي اقترب من سنّ الخامسة والثمانين. وقد أعادت هذه الحادثة ملف المساجين السياسيين بكل تعقيداته إلى الواجهة.

هناك من يعتقد في تونس بأن ما يجري فيها هو المعركة الأخيرة لرئيس الدولة، فيما يعتقد آخرون أن هذا السيناريو مستبعد، وهو قفز على الواقع الموضوعي. فالحالة التونسية معقدة ويصعب اختزالها بهذه السهولة. ورغم أن الغاضبين والمتشائمين كثيرون، غير أن هذا المعطى، على أهميته، لا يفسّر المشهد العام.

صحيحٌ أن صندوق النقد الدولي حذّر تونس، واعتبر استقرارها المالي مهدَّداً بسبب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة. وصحيحٌ أيضاً أن الفئات الاجتماعية المساندة للرئيس سعيّد ارتفع صوتها احتجاجاً على الغلاء الفاحش، وأصبحت تتساءل عن وضعها الذي يزداد فقراً وهشاشة. كذلك فإن عدد المهاجرين من تونس ازداد بشكل غير مسبوق، حيث غادر 126 ألفاً خلال 2024، و40% منهم جامعيون. وصحيح أيضاً أن الاحتجاجات تتكثف وتمتد. لكن هذا غير كافٍ للقول إن موازن القوى السياسية والاجتماعية مرشحة لتغيير سريع. أما الذين يراهنون على الخارج، فهل يعلمون أن هذا الخارج لا يرى وضعاً أفضل له مما عليه تونس حالياً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى