حرب تبحث عن منتصر ومهزوم لتنتهي

عمر قدور

انتهت مهلة الستين يوماً الممنوحة للرئيس الأميركي لإنهاء الأعمال العسكرية، أو لإعلان حالة الحرب، من دون أن تتقدم إدارة ترامب بطلب تمديدها لشهر بموجب قانون صلاحيات الحرب لعام 1973. القانون يجيز للرئيس استخدام القوة العسكرية لمدة شهرين قبل العودة إلى الكونغرس، لتكون غاية التمديد هي سحب القوات على نحو آمن. وزير الدفاع الأميركي لا يرى من جهته مبرراً للعودة إلى الكونغرس، بما أن بلاده في حالة هدنة مع طهران منذ السابع من الشهر الماضي، أي أنه يتغاضى عن وجود قواته التي تفرض الحصار على مضيق هرمز، ولا يعتبره من ضمن الأعمال العسكرية. والطريف في الأمر أنه حاول تسويق فترة الهدنة كوقت مستقطع من مهلة الشهرين، وكأن الحروب تُقاس فقط بعدد ساعات القتال الفعلية.

في الأصل، تحاشى ترامب وصف الأعمال العسكرية ضد إيران بكونها حرباً، كي لا يطلب إعلان الحرب من قبل الكونغرس، مع ما يستلزمه من مناقشات، وربما يضطر لترضية أعضاء جمهوريين غير متحمّسين للحرب، من أجل كسب التصويت في المجلس الذي لا يتمتعون فيه بأغلبية مريحة. وأيضاً كان ذلك أفضل له لجهة عدم تحديد أهداف محددة للحرب، وهو ما أتاح له على نحو مُضحك إعلان الانتصار فيها مرة تلو الأخرى. لكن، فضلاً عمّا هو مضحك، تعززت القناعة بأنها حرب سائلة من حيث الهدف النهائي، ومن حيث قائمة الأهداف التي في الطريق، وأيضاً من حيث المدة، إذ لا تلوح في الأفق تباشير نهاية لها.

تحديد الهدف من الحرب له حصة أيضاً من الإشارة إلى المنتصر والمهزوم فيها، فتقلّ قدرة كل طرف فيها على إعلان النصر، وهو ما يحدث حالياً بإعلان النظام الإيراني انتصاره وكذلك إعلان ترامب. وقبل التمحيص في دعاوى النصر، يمكن القول إن حرباً يعلن فيها كل طرف انتصاره هي حرب غير منتهية، لأن من طبيعة النهاية أن يكون ثمة منتصر وثمة مهزوم.

بمعايير الخسارة، لا شكّ في أن إيران خسرت الكثير جراء القصف الأميركي والإسرائيلي، وكلام القيادات الإيرانية عن الانتصار مُضحك. أما إعلان الهزيمة بموجب اتفاق ينهي الحرب فشأن آخر. أي أن الخلاف هو على ترجمة الخسائر المهولة إلى قرار سياسي بتقبّل الهزيمة. حتى الآن تفصح القيادة الإيرانية عن استعدادها قبول المزيد من الخسائر من دون أن تقبل بإعلان الهزيمة، وهذا ما يمنع واشنطن من إعلان النصر على نحو يحظى بصدقية غير حاضرة حتى الآن في إعلانات ترامب.

فحوى المراهنة المعلنة حالياً أن ترضخ طهران بفعل الحصار الذي تفرضه واشنطن على مضيق هرمز، فيكمل الحصار الاقتصادي ما بدأته القاذفات الأميركية والإسرائيلية، وربما يحقق ما عجزت عنه الأخيرة. التركيز على مضيق هرمز لا يزعج القيادة الإيرانية حتى الآن، فهي لم تقدّم من قبل مثلاً على الرضوخ أمام أنواع أخرى من الضغوط الاقتصادية. وهي من جهة أخرى تدفع لسحب مضيق هرمز من كونه وسيلة للتفاوض، وتسعى ليكون هو غاية التفاوض الآن، بينما يُترك الملف النووي إلى وقت لاحق، أو إلى أجل غير مسمّى، ما يحرم ترامب من ادّعاء النصر.

فعلياً، تسعى طهران إلى جعل الاتفاق مع واشنطن بعيداً، عسى أن تتحسن شروط التفاوض، وتريد الاكتفاء مؤقتاً بتفاهمات أدنى من الاتفاق الذي يريده ترامب، وأقل ديمومة. قد يُفهم هذا على أنه عودة إلى ما قبل الأعمال العسكرية التي انطلقت قبل أكثر من شهرين، إلا أن الواقع ليس بهذا التبسيط، وإذا كانت طهران تتمنى العودة إلى ما قبل الثامن والعشرين من شباط/فبراير، فترامب ليس في وضع يسمح بالعودة، حتى إذا كان يريدها.

سيكون من الصعب على ترامب المخاطرة بعدم تحقيق أي هدف، باستثناء إيقاع أذى مادي ومعنوي بقتل المرشد وبعض من قيادات الصف الأول، وإيقاع خسائر بالقدرات النووية والعسكرية الإيرانية غير محدَّدة بدقة. هذا يرجّح احتمال عدم العودة إلى ما سبق، والاحتفاظ بالجبهة مع طهران فاترةً، وربما مع جولات تسخين تتولاها تل أبيب. لكن هذا يتطلب الإبقاء على مضيق هرمز محاصَراً، وهو سيناريو يوحى باستسهاله أميركياً، لكنه ليس كذلك حقاً.

في الظاهر فقط يتم تصوير كلفة الحرب بأنها تقتصر على النفقات العسكرية، بل لدى البعض شجاعة الظن بأن الولايات المتحدة مستفيدة من أزمة الطاقة الحالية عطفاً على الفائدة التي تجنيها شركات نفط أميركية. أما واقعياً فقد ارتفعت أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة، شأنها شأن معظم البلدان، والاستياء من الغلاء قد يُترجم بعد ستة شهور في انتخابات مجلس النواب والانتخابات الجزئية لمجلس الشيوخ، علماً أن الأغلبية الجمهورية ضئيلة أصلاً في مجلس النواب، ومن المعتاد (حتى من دون حروب وأزمات) أن يخسر حزب الرئيس في الانتخابات النصفية التالية على انتخابه.

الوقت ضاغط على ترامب، وفي المقابل لم تكن قيادات النظام الإيراني تراه ضاغطاً حتى في أحلك الظروف. بصرف النظر عن دلالة ذلك، سيكون ترامب مضطراً لإحراز إنجاز ما خلال الشهور الستة المقبلة، يسوّقه كانتصار تنتهي به الحرب، لأن كلفة الاستمرار قد تنقلب على إدارته. الآثار الاقتصادية السلبية لا تقتصر على الداخل الأميركي، فالحلفاء يتأذّون منها بشدة أكبر، على المدى القريب والبعيد، ما يجعلهم غير متحمّسين لاستئناف الحرب، وغير راضين على بقاء الجبهة هادئة ومفتوحة معاً. وهذا ما يجعل الكثير من الحلفاء، القريبين والبعيدين، غير راغبين في المشاركة في الحلف الذي يريد إنشاءه لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، إلا إذا اضطروا لذلك تحت ابتزاز بقائه مغلقاً أمام تجارة النفط.

قبل ثلاثة أيام قال ترامب إنه بحث في اتصال هاتفي مع بوتين الملفين الإيراني والأوكراني، وأن بوتين لا يريد أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً. ولم يسلم بوتين من السخرية، فقد أشار ترامب إلى عرضه المساعدة في إنهاء حرب إيران، والذي قابله بالقول: يجب أولاً أن تنهي حربك في أوكرانيا. يُذكّر تصريح ترامب بجبهة منسية في أوكرانيا، بالحرب التي تجاوزت مدتها أربع سنوات، ولا مؤشّرات على نهايتها، أو الاتجاه نحو التفاوض. التذكير قد لا يكون فقط نذيراً لترامب الحريص على نصر إحراز مجد شخصي.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى