القائِل نعم والقائِل لا

  مضر رياض الدبس

نشرت وزارة الداخلية السورية قبل أيامٍ قليلة تسجيلاً مصوّراً بعنوان “عدو الغوطتين”، ظهر فيه طيَّارون كانوا في سلاح الجو إبَّان حكم النظام البائد، ممَّن نفذوا مجازر ضد مدنيين أبرياء، وقتلوا أطفالاً. ونعرف، نحن السوريين، جيّداً ماذا فعل هؤلاء، ولم نتعافَ بعد ممَّا فعلوا، ولكنَّ الجديد الآن أنّنا نراهم، ونستمع إلى أقوالهم في التحقيق، ونعرف وجوههم. ويمكن أن نفكِّر بطريقتين، كلتاهما على القدر نفسه من الأهمية؛ وكلٌّ منهما من حقوقنا تجاه أنفسنا، ومن واجباتنا إزاء المجتمع العالمي. الأولى قانونية تحيل على ضرورة محاكمة هؤلاء المجرمين، وتحقيق العدالة بوصفها حقّاً للإنسانية جمعاء، لا للسوريين وأهالي الضحايا فحسب. والثانية فكرية سياسية أخلاقية، تحيل على أفعال التعلُّم، والتفكير، واستخلاص الدروس والقواعد الأخلاقية، والعملية، والسياسية، الكفيلة بمنع تكرار هذه الحوادث في المستقبل. ويتناول هذا النص الطريقةَ الثانية بالتحديد، علّه يساهم في بدء ورشة وطنية لاستخلاص العِبر المهمة لنا بوصفنا سوريين، والتي لا تقلّ أهميتها عن أهمية العدالة الانتقالية، والبدء بهذه الورشة من واجباتنا تجاه الشهداء، مثل ما هو واجبٌ تجاه ذواتنا، إضافةً إلى أنّها ورشةٌ وتساهم في عدم تكرار هذه المآسي في أي مكانٍ آخر في هذا العالم.

بعد هذه المقدمة، يمكن أن نفكّر في الموضوع انطلاقًا من مفهومٍ عريض نسميه “إنتاج ضحايا مشاركين في الجريمة”. وننظر إلى هذا المفهوم أصلًا قام عليه حكمُ سوريةَ بالعنفِ والجريمةِ نصف قرن؛ فالنظام البائد كان يقتلنا بأيدينا، ويتجسّس علينا بآذاننا، ويتلصَّص علينا بعيوننا. بهذا المعنى، لم يكتفِ طوال فترة حكمه بإنتاج ضحايا، بل كان حريصًا على إنتاج ضحايا مشاركين في الجريمة، وقد نجح في ذلك. عندما يقول الطيّار ميزر صوَّان بأنّه لم يكن قادرًا أن يقول “لا”؛ لأن هذا سيهدّد حياته، وحياة عائلته كلّها، فإنّه قد يكون محقّاً. مع أن هذا الكلام، لا يجعل منه بريئاً بأي حال، إلا أنَّه يعني أنّه يعرف أن شخصاً آخر، قاتلاً مثله، سيتلقى أمراً بتصفيته إذا سوَّلت له نفسه أن يقول “لا”، وهذا الأمر الثاني، أيضاً، من النوع الذي لا يستطيع المأمور رفض تنفيذه للأسباب نفسها، وهكذا، تستمر السلسلة إلى أن تصل إلى رأس الحُكم والمجرم الأكبر، الذي يحكُم في العمق بقابلية هؤلاء البشر ليكونوا ضحايا مشاركين في الجريمة.

النظام البائد كان يقتلنا بأيدينا، ويتجسّس علينا بآذاننا، ويتلصَّص علينا بعيوننا

استناداً إلى هذا نقول: إذا عالج الضحايا قابليتهم ليكونوا مشاركين في الجريمة، عندها فحسب نضمن انتفاء إمكانية وصول المجرمين إلى سدّة الحكم، وعدم تكرار ما حدث. هكذا، يصير سؤال المستقبل كلُّه يدور حول فكرة أساسية: كيف يُحصِّن المرءُ شخصيَّته بحيث لا تكون قابلة لأن تكون ضحيةً مشاركة في الجريمة، تحت أي ظرف؛ فأن يكون أحدنا ضحيةً أمرٌ لا نستطيع تجنبه دائماً، ولكن أن نكون ضحايا مشاركين في الجريمة لعدم قدرتنا على رفض الأوامر غير الأخلاقية، وغير الإنسانية، فهذا أمرٌ قابلٌ للتهذيب، وللتدبير، ويمكن ابتكار تحصيناتٍ أخلاقية تضمن عدم تكراره بتعلُّم فن السياسة، وفن “العمل معاً” بوصفهما شرطين لازمين لإنهاء الإذعان. وربما، في هذه المنطقة بالذات، يكمن الدرس. هذا الدرس مهمٌّ للجميع، ولكنّه أكثر أهمية لمن يشارك في إدارة المرحلة الانتقالية، ولمن يمتلك السلطة السياسية بما تتضمّنه هذه الملكيَّة من مسؤولية أخلاقية إزاء هذا المجتمع المنكوب. هؤلاء تحديداً، لكي يحصِّنوا ذواتهم، ينبغي أن يتعلّموا فن الحُكم بالمفهومات، ويبنوا هذا الفن على أنقاض مفهوم الحكم بالإمَّعات. وفي هذا السياق، كانت كلمة المُحقق الذي يحقق مع اللواء الطيار صوان ميزر مهمَّة وصحيحة، حيث قال في التسجيل المصوَّر نفسه إنَّ “شخصية ميزر ضعيفة”. ويمكن أن يُضاف إلى كلامه أنَّ الشخصيات الضعيفة قابلةٌ لتصير مجرمة، وتحديداً إذا عدنا اليوم إلى فكرة الاعتماد عليهم تحت إغراء أنّهم يطيعون بإذعان، ويتقنون التطبيل.

ثمة مفهوماتٌ في تركة نظام الأسد لا تزال تعمل في سورية، ولا يقلُّ وجودها خطورةً عن وجود النظام البائد نفسه

ثمة مفهوماتٌ في تركة نظام الأسد لا تزال تعمل في البلاد، ولا يقلُّ وجودها خطورةً عن وجود النظام البائد نفسه. ولأنّ العمل بالمفهومات لا يزال حرفةً نادرةً في هذا البلد؛ تبقى هذه التركة خطيرةً بحق. وليس لدى السوريين الفريق المؤهل لتفكيك هذه المفهومات القاتلة، لذلك لا تزال تعمل بكامل شرِّها. وستبقى هذه التركة “المفاهيمية” الخطيرة تعمل، ما دام أصحاب القرار الجُدد لا يتقنون العمل بالمفهومات، ولا يقدِّرون تأثيرها، ولا يتعلمون تدبيرها، والتمييز بين أنواعها؛ لأن منها ما يُستخدم للخير، وهذه بطبيعة الحال كانت نادرة أو غائبة، وينبغي اليوم ابتكارها، ومنها ما هو موجودٌ من ضمن تركة الأسد، وهذه قابلة للانفجار مثل القنابل والألغام، بل إنَّ مدى تأثيرها التدميري أوسع. وتحتاج البلاد إلى ابتكار مفهوماتٍ جديدة، وإلى تحديد المفهومات القديمة القاتلة، والتعامل معها، ومن ثم تحصين المجتمع ضد الإصابة بها، من أبرزها مفهوم “الضحية المُشارك في الجريمة”. قد يكون المرء ضحيةً لأنّه مهدَّد، إلّا أنّه أيضاً قد يكون ضحيةَ فكرةٍ طائفية حوَّلته إلى قاتلٍ، أو ضحية مظلوميَّةٍ تعرَّض لها وحوَّلته إلى ظالم، أو ضحية شعورٍ مفرطٍ بالنصر حوِّل صاحبه إلى مهزومٍ أخلاقياً؛ فأخطر ما في الشر ليس وجوده، بل جعل ضحاياه جزءاً منه. وتبدو المشكلة كلها في الطاعة العمياء، التي تبدأ بوصفها فعلاً ينم عن ضيق أفق، ثم تتحوَّل إلى عادة، ثم إلى لغة، ثم إلى مؤسّسة راسخة لا يعود معها علاج ضيق الأفق كافياً لإنهاء لعنتها، ثم أخيراً تتحوَّل إلى عالمٍ يبدو فيه الرفضُ غيرَ ممكن.

“القائل نعم والقائل لا”، مسرحيةٌ لبرتولت بريخت تقوم على اختبار القرار الإنساني حين يواجه الفرد عرفاً قاسياً يُلبَّس لباس الضرورة. في الرحلة الشاقّة إلى الجبال، يمرض أحد الرفاق ويعجز عن متابعة المسير، فيُواجَه بسؤالٍ صوريٍّ يقتضي منه أن يوافق على مصيره وفق “العرف الكبير”. وتستمر المسرحية في روايتين منفصلتين، في الأولى يقول المريض: “نعم”؛ مستسلماً للتقليد، ولقدره المحتوم؛ فيرميه رفاقه من أعلى الجبل امتثالاً للعرف. وفي الثانية يقول: لا، فيكسر طاعةً بدت محتومة، ويفتح أمام رفاقه إمكان التمرّد على التقليد؛ فيعيدونه سالماً، غير مهتمين بسخرية الناس أو تأنيبهم.. فإذا استحقَّ هذا التحرير اسمه بحق، فلا بد من أن ندرك أن الإنسان الحر هو من يمتلك شجاعة أن يقول “لا” حين تتحوّل القواعد والأعراف إلى ظلم، وأن يتعلَّم أن يسند نفسه بالمحبة، وبالحلفاء الطيبين، ليساعدوه على قول “لا” حين لا يكون هذا ممكناً، فلحظة قول هذه الـ “لا” هي بداية التفكير الذي يؤدي إلى النجاة. ولا يهم في هذا السياق إن كان ميزر صوان يكذب، وفي الغالب هو كاذب، ولكن ما يهم أن القول “لا” في هذه الحالات عملٌ سياسي أخلاقي عقلاني بالدرجة الأولى، يتطلب تعلُّم فن أن نكون أخلاقيين، ونبني التحالفات السياسية الأخلاقية المستندة إلى حُسن تدبير الاختلاف، والخصومة الشريفة، لتكوين “وحدة الكثرة” ضد أعداء الإنسانية وكارهي البشر. هكذا، فحسب، نضمن ألّا تتكرّر سطوة الشر على حياتنا كلَّ حين.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى