سوريا والسعودية تعززان التعاون الاقتصادي في رابع زيارة للرئيس الشرع

  نور جوخدار

تمثل الزيارة الرابعة للسيد الرئيس أحمد الشرع، إلى السعودية، والمباحثات المرتقبة مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية، وسط تنامي البعد الاقتصادي بوصفه محوراً أساسياً في هذا التقارب.

ووصل الرئيس الشرع، إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في مدينة جدة، في زيارة رسمية إلى السعودية، اليوم الثلاثاء، في مستهل جولة خليجية.

وشهدت العلاقات السورية السعودية منذ التحرير تطوراً ملحوظاً، وتصدّر الجانب الاقتصادي مسار هذا التحول ليشكّل قاعدة أساسية في إعادة بناء العلاقة بين البلدين، عبر توسع التعاون في مجالات الاستثمار والتبادل التجاري والمشاريع التنموية.

وخلال العام الماضي، عززت السعودية حضورها الاستثماري في سوريا، حيث زار وفد برئاسة وزير الاستثمار خالد الفالح ونحو 120 مستثمراً البلاد، وتم توقيع أكثر من 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت نحو 11 قطاعاً، بقيمة تجاوزت 6.4 مليار دولار.

وفي شباط الماضي، وقّعت سوريا والسعودية حزمة عقود استراتيجية شملت قطاعات الطيران عبر تطوير مطار حلب الدولي الجديد وتحديث القائم باستثمارات قد تصل إلى نحو 2 مليار دولار، وإنشاء شركة طيران “فلاي ناس سوريا”، والمياه عبر مشاريع تحلية ونقل المياه، والاتصالات من خلال تعزيز البنية التحتية بالألياف الضوئية ومراكز البيانات، إضافة إلى تطوير قطاع الكابلات والمنصات التدريبية. كما تضمنت الاتفاقيات إطلاق 45 مبادرة تنموية بين صندوق التنمية السوري واللجنة التنموية السعودية.

ورأى الخبير الاقتصادي في التمويل والمصارف الدكتور عبد الرحمن محمد، أن زيارة الرئيس الشرع تمثل خطوة محورية في إعادة دمج سوريا ضمن الفضاء الاقتصادي الخليجي والعربي، لا سيما في ظل المرحلة الراهنة التي تتطلب سيولة دولارية وتمويل مشاريع إعادة الإعمار المقدّرة بعشرات المليارات، إلى جانب استئناف الصادرات وجذب استثمارات مباشرة، مشيراً إلى أن السعودية تمتلك فائض سيولة كبيراً وصناديق سيادية قادرة على ضخ استثمارات طويلة الأجل.

وأوضح محمد في تصريح لصحيفة “الثورة السورية” أن الزيارة تمثل إشارة قوية للمستثمرين الدوليين والمؤسسات المالية بأن الرياض تراهن على استقرار سوريا اقتصادياً، ما يشجع بنوكاً وشركات غربية على إعادة النظر في تصنيف المخاطر الائتمانية للسوق السوري، مشيراً إلى أن التوقيت يتزامن مع تحضيرات مؤتمر المانحين المحتمل لسوريا ورفع بعض العقوبات الأحادية، ما يجعل الزيارة بمثابة ضوء أخضر سعودي لدعم سوريا في المحافل الاقتصادية الدولية.

التبادل التجاري

أكدت السعودية في أكثر من مناسبة التزامها بدعم سوريا في مسار التنمية والإعمار، وتعزيز حضورها الاستثماري.

وبلغت قيمة الصادرات السعودية إلى سوريا في عام 2024 نحو 558 مليون ريال (نحو 148.8 مليون دولار)، بزيادة 27 بالمئة على أساس سنوي، في حين سجلت الصادرات السورية إلى المملكة 685 مليون ريال (نحو 182.7 مليون دولار)، متراجعة بنحو 10 بالمئة، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية.

وحول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تسهيلات جمركية أو اتفاقيات تجارية جديدة، رأى الخبير محمد أنه من المتوقع التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة ثنائية، أو انضمام سوريا إلى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى ضمن تفاهم خليجي – سوري تدريجياً، وهو ما قد يخفض الرسوم الجمركية على المنتجات السورية، لا سيما الزراعية والصناعية الخفيفة، مقابل تسهيل دخول الصادرات السعودية مثل المواد البتروكيماوية والأسمدة والأدوية.

كما توقع أيضاً التوصل إلى تسهيلات جمركية فورية عبر:
• تخفيض الرسوم على مدخلات الإنتاج السورية المستوردة من السعودية.
• إجراءات جمركية مبسطة في منفذ جديدة عرعر (الحدودي العراقي – السوري) ضمن ممرات برية معتمدة.
• إلغاء بعض الحواجز غير الجمركية مثل شهادات المنشأ والمواصفات القياسية.

الصناديق السيادية

بلغ صافي الاستثمارات السورية المباشرة في السعودية 930 مليون دولار بين 2019 و2023، فيما بلغ رصيد الاستثمارات القائمة 2.25 مليار دولار بنهاية 2023، وفق بيانات وزارة الاستثمار السعودية.

وحول دور الصناديق السيادية الخليجية مثل صندوق الاستثمارات السعودي والقطري في دعم الاقتصاد السوري والاستثمار، أوضح محمد أن أهميتها تتمثل في توفير رأسمال طويل الأجل لتمويل مشاريع استراتيجية في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات بعائدات مؤجلة، إلى جانب تحفيز القطاع الخاص عبر الاستثمار المشترك، حيث تدخل الصناديق السيادية كشريك أقلية مع مستثمرين محليين ودوليين، ما يقلل المخاطر ويرفع الثقة.

كما تسهم هذه الصناديق في كسر عزلة المنظومة المالية السورية، إذ إن مشاركة صندوق سيادي خليجي في أي مشروع من شأنها تشجيع بنوك المراسلة الأجنبية على التعامل مع سوريا، فضلاً عن نقل الخبرات الإدارية والتقنية في إدارة الأصول وحوكمة الشركات وتقييم المشاريع.

وأشار إلى أن دخول الصناديق السيادية العالمية أو رفع الحظر عن السندات السورية يُعد إشارة قوية لإعادة تقييم المخاطر الائتمانية، ما قد يجذب صناديق استثمار تقاعدية دولية إضافية، خاصة مع وجود مصالح استراتيجية لدول الخليج في استقرار سوريا، إضافة إلى فرص العوائد المرتفعة.

ورأى محمد أن النتائج الاقتصادية تعتمد على ثلاثة مؤشرات رئيسة، تشمل سرعة ترجمة التفاهمات إلى عقود استثمارية وتسهيلات جمركية فعلية، إضافة إلى قدرة سوريا على توفير بيئة استثمارية شفافة وقانون حوافز يحمي رأس المال الخليجي، ومدى تأثير الزيارة على مواقف المؤسسات المالية الدولية الأخرى، وما إذا كانت صناديق سيادية أوروبية وآسيوية ستتجه نحو خطوات مماثلة في التعامل مع السندات والأصول السورية.

وشدد على أن التحدي الأبرز يتمثل بقدرة الدولة السورية على استيعاب وإدارة هذا التمويل بكفاءة، ومكافحة الفساد، وتنفيذ إصلاحات هيكلية تسمح بالانتقال من نمط المساعدات إلى شراكة اقتصادية مستدامة.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى