محمد خليفة: مثقّف العروبة الديمقراطية وضمير الكلمة في ذكرى رحيله 

علي بكر الحسيني

في حياة بعض الرجال تنعقد فصول الوعي العربي المعاصر كلها. منهم من كان سياسياً يحرّك الجماهير، ومنهم من كان مفكراً يضيء الطريق، ومنهم من كان صحفياً جعل من الكلمة سيفاً في وجه الظلم ودفع ثمنها عمراً في المنافي. ومن هؤلاء جميعاً يبرز اسم محمد خليفة، الذي جمع بين فكر المثقف ونزاهة الصحفي وجرأة المناضل. في سيرته تختصر قصة جيلٍ عربيٍ عاش الأحلام الكبرى ثم اصطدم بجدران القهر، لكنه ظلّ مؤمناً بأن الكلمة الصادقة لا تُهزم، وأن العروبة التي تتجدّد بالحرية والعدالة لا تموت.

وُلد محمد خليفة في قرية ياقد العدس، تلك الرقعة الهادئة من ريف حلب التي أصبحت اليوم جزءاً من أطراف المدينة الإدارية، حيث يلتقي تراب الريف بروح المدينة القديمة. نشأ في بيت بسيط مشبع بالقيم الوطنية، واستمع صغيراً إلى أحاديث الاستقلال والوحدة والكرامة. في طفولته الأولى تشكّلت لديه نزعة نحو الجد والمسؤولية، وكأن الريف نفسه أودع فيه صلابته وصدقه، فخرج يحمل بذرة الوعي التي ستثمر لاحقاً في الصحافة والسياسة والفكر.

بدأ حياته العملية، إلى جانب دراسة الحقوق، معلماً وكيلاً في قرية عين دقنة بريف منطقة عفرين، وهناك تعرّف على المكوّن الكردي، ولاحظ ما يتعرض له من تضييق وتمييز على يد النظام الديكتاتوري. كان قلبه العربي منفتحاً على فكرة الوطن الجامع، لا على الحدود والانقسامات. أدرك مبكراً أن قوة العروبة في قدرتها على الاحتواء لا الإقصاء، وأن اضطهاد الكرد جزء من منظومة اضطهاد تطال العرب أنفسهم. كانت تجربة عين دقنة منعطفاً في وعيه، إذ نقلت العروبة من شعار إلى قيمة أخلاقية.

بعد ذلك وانسجاماً مع دراسته الجامعية في كلية الحقوق دخل القصر العدلي في حلب موظفاً في النيابة العامة، حيث عمل محققاً عدلياً يرافق رئيس النيابة وبعض القضاة للكشف على الجرائم أوتنفيذ الأحكام القضائية. كانت تلك التجربة مدرسة مبكرة في فهم النفس البشرية والاقتراب من جوهر العدالة بعيداً عن جفاف النصوص. رأى عن قرب كيف يتحول الظلم من جريمة فردية إلى منظومة كاملة من التسلط والتمييز، وترسّخ في وجدانه أن العدالة شرف ومبادئ و أخلاق ، وأن القانون بلا إنسان يصبح سيفاً في يد الأقوى.

تزامن ذلك كله مع تلاشي وهج الوحدة العربية وبقاء أثر جمال عبد الناصر حياً في وجدان جيلٍ عاش الحلم وخيبة الانفصال. وسط هذا المناخ، انخرط محمد خليفة في تنظيم الطليعة العربية، الامتداد التنظيمي للمشروع الناصري، والذي عرف فيما بعد في سوريا باسم التنظيم الشعبي الناصري، الذي كان الغطاء الرسمي للحركة والنشاط والمواقف. شارك في نشاطاته الفكرية والسياسية، وكان صوته ناقداً جريئاً يرفض تقديس الأشخاص على حساب المبادئ. كان يقول إن الوحدة لا تُفرض بالقوة، وإن الحرية شرط للوحدة، وإن الاشتراكية بلا ديمقراطية تتحول إلى لون آخر من الاستبداد. بتلك الرؤية أصبح من أوائل دعاة العروبة الديمقراطية، العروبة التي تُبنى على المشاركة لا التبعية.. ومع تضييق النظام واشتداد القبضة الأمنية، غادر سوريا في مطلع عام 1981، لتبدأ رحلة المنفى الطويلة.

بيروت – 1981 / 1983

وصل إلى بيروت التي كانت يومها عاصمة العرب الفكرية والسياسية. عاش هناك عاماً مضطرباً انتهى بصيف 1982، حين وجد نفسه داخل الحصار الإسرائيلي. لم يهرب بل بقي في المدينة مع المقاتلين اللبنانيين والفلسطينيين، عاش الحصار يوماً بيوم، وتقاسم مع المقاتلين ما تيسّر لهم من طعام، حتى روي أنه تشارك معهم آخر علبة سردين. خرج من بيروت كما يخرج المقاتلون: محمّلاً بذاكرة الحرب ورائحة الدخان وقناعة راسخة بأن العروبة التي رآها هناك لا يمكن أن تموت.

أثينا – 1983 إلى 1991

بعد الاجتياح ضاقت بيروت، فقد أصبحت محتلة، فغادر بعد مجازر صبرا وشاتيلا إلى أثينا، مروراً بطرابلس الغرب/ ليبيا التي منحته جواز سفر يتحرك به.

هناك عاش مايزيد عن ثماني سنوات كاملة هي الأكثر استقراراً وعمقاً في رحلته. في أثينا كتب لصحف كبيرة مثل السفير والحياة والشراع واليوم السابع والمنبر، وبنى تجربته الصحفية على الميدان لا على القرب من الحكام. كانت المدينة بالنسبة إليه فضاءً رحباً أعاد فيه ترتيب أفكاره، وصاغ رؤيته للعروبة الديمقراطية القائمة على الحرية وحقوق الإنسان.

وفي العام 1983، دُعي إلى ندوة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان أقامها مركز دراسات الوحدة العربية في ليماسول/ قبرص. وعلى هامش الندوة تم الاعلان عن تأسّيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي اتخذت من القاهرة/ جمهورية مصر العربية مقراً لها حتى اليوم، وكان هو والدكتور برهان غليون فقط من حضر من سورية ومثلها في هذا التجمع النخبوي الحقوقي. يومها ارتبكت مخابرات الأسد إذ ظنت أن وراء المنظمة عشرات الناشطين السوريين، بينما المؤسسان كانا رجلين يعملان بإيمان كبير وإمكانات متواضعة. وظلت المنظمة تعمل خارج سوريا حتى الإشهار الرسمي عام 2000، وهو إشهار متأخر لا يغيّر من حقيقة أن ولادتها الفعلية كانت عام 1983.

وفي عام 1984، كلّفه الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة بزيارة طهران بعد إلحاح إيراني على انتقاله إليها، ليعود بصورة صادقة عن النظام الجديد، هذا بعد أن كان قد أجرى حواراً شاملاً مع أحمد بن بلة نشره في كتاب صادر عن دار الوحدة اللبنانية تحت عنوان: “حوار معرفي شامل” وبعد أن عمل رئيساً لتحرير مجلة البديل بطبعتيها العربية والفرنسية التي كان يصدرها أحمد بن بلة في ذلك الوقت باسم الحركة من أجل الديمقراطية.

شارك محمد خليفة في مؤتمر حول فلسطين بطهران، وهناك صدمه الخطاب الطائفي والعداء الصريح للعرب. فوقع صدام مباشر بينه وبين بعض منظّمي المؤتمر، واضطر الإخوة اللبنانيون لإخراجه من القاعة حفاظاً عليه ومنهم العلامة حسن الأمين رحمه الله والد الصحفي علي الأمين. زار قبل المؤتمر بأيام قرى الأحواز المحتلة، فشاهد التفريس الممنهج ومحو الهوية العربية. عاد إلى باريس مقتنعاً بأن شعارات دعم فلسطين مجرد غطاء سياسي، وأن النظام الإيراني يتعامل مع العرب كخصوم. ونقل تقريره إلى بن بلة، فكان ذلك سبباً مباشراً في قطع الأخير علاقته بطهران.

باريس – 1984 /1986

في تلك الفترة جرت معه حادثة تلخص شخصيته. إذ زاره شخص في مكتبه في مجلة (البديل) قدم نفسه كضابط إيراني، وحاول تبرير ما جرى في طهران، ثم عرض عليه “هدية” قدرها عشرة آلاف دولار فغضب أبو خالد، وصرخ في وجهه وطرده أمام موظفي المجلة، قائلاً عبارته التي بقيت علامة في سيرته المهنية: “فهموا أن ضميري لايباع ولايُشترى.”

السويد – 1992 حتى الرحيل.

وفي 27 كانون الثاني 1992 وصل إلى السويد باحثاً عن أمان لم يجده في المنافي السابقة. حصل على اللجوء بسرعة، لكن مسيرته هناك تعثرت وانكسرت كما كتب هو نفسه لاحقاً. بعد سنوات طويلة كتب قائلاً:

“من يومها إلى يومنا: أنا ما عُدت أنا.”

عاش في السويد جسداً، لكن روحه بقيت في حلب وسوريا والعروبة. كان يتابع أخبار وطنه من بعيد، ويكتب حين تسعفه صحته وذاكرته. قال مرة إن ستوكهولم منحتْه هواءً كثيراً… لكنها حرمته الأوكسجين.

وفي ذروة جائحة كورونا أصيب بالمرض الذي لم يمهله طويلاً، فرحل في صمت المناضلين الحقيقيين: جسد في صقيع الشمال، وروح معلّقة في السماء العربية التي آمن بها حتى لحظته الأخيرة يوم 21 نيسان 2021 رحمه الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى